19 June,2018

المهندس البيئـي الصناعي زيــاد ابـي شاكـــر حول أزمة النفايات : كل سقف بناية قابـل لأن يتحول الى حديقة منتجة إذا ما تمت معالجة النفايات بالتقنيات الحديثة!

 

بقلم طوني بشارة

aaaaa

إنها الأزمة «الأزلية» في لبنان، سنة بعد أخرى تتفاقم ويتزايد خطرها على اللبنانيين من الناحية الصحّية والبيئية، فيما يبدو حلّها فعلاً مستعصياً على صانعي القرار على رغم وجود مشاريع مقترحة عدة.

إنّها أزمة النفايات في لبنان التي تدور حول نفسها منذ سنوات طويلة وتؤدي إلى نزاعات ومشكلات مناطقية واعتصامات وتظاهرات متلاحقة إضافة الى ما تسبّبه من مشكلات صحّية لكل من يسكن في محيط المحارق والمكبّات والمطامر غير الصحّية أيضاً، من دون أن ننسى المساحات المشاعة التي تُرمى فيها النفايات من دون حسيب أو رقيب.

وبالأرقـــــام، فإن كل فـــرد في لبــنان ينتج يومياً نحو كيلوغرام من النفايات، ما يعني أن الكمية الإجمالية تصل في اليوم الواحد إلى ٤ آلاف طن أي 1,381 مليون طن سنوياً، وذلك بحسب دليل الإرشـــاد لإدارة متكاملة للنفايات الصلبة في لبنان الصادر عن مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية بدعم من الإتحاد الاوروبي.

ومن الأرقام اللافتة أن المواد العضوية تشكّل ٥١ بالمئة من إجمالي النفايات، فيما ١٧ بالمئة من الكرتون (الورق المقوى) و١٠ بالمئة بلاستيك و٩ بالمئة زجاج إضافة إلى حديد، ثياب ونفايات أخرى. أما النسب الخاصة بطرق معالجة النفايات فهي التي تعكس الواقع المرير الذي يعاني منه اللبنانيون، فـ٤٨ بالمئة من النفايات تنقل إلى مطامر صحية، وتصل النسبة في المكبات العشوائية إلى ٣٦ بالمئة، فيما نسبة إعادة التدوير هي ٨ بالمئة فقط، وكذلك الأمر بالنسبة للتسبيخ أو ما يُعرف بالتخمير الهوائي للمواد العضوية.

أزمة وتداعيات

تظهر هذه النسب عمق الأزمة، فالمواد العضوية التي تشكل النسبة الأكبر من النفايات لا تخضع للتسبيخ بالكمية الكافية، وكذلك الأمر بالنسبة للمواد القابلة لإعادة التدوير، فيما يُلجأ إلى المطامر التي تعتبر الطريقة الأقل كلفة للتخلّص من النفايات أو المكبات العشوائية الأكثر ضرراً على الصحة والبيئة. وسنة بعد أخرى تتفاقم المشكلة مع تجاوز القدرة الإستيعابية للمطامر وعدم مراعاة الشروط الصحية فيها وإتساع رقعة المكبات التي لا تستولي على الأراضي وتهدد البيئة فحسب، بل تُعتبر المسبب الرئيس لأمراض عدة.

هذه هي الحال التي وصل لبنان اليها اليوم، فالأزمة باتت على أشدّها والمعالجة تعتبر واحدة من الأزمات التي تدور حول نفسها دون حل وتتقاذفها الجهات المسؤولة ككرة نار، فيما يدفع المواطن فاتورتها الصحية وتتقاسم معه الطبيعة والبيئة نسبة منها أيضاً، بينما الدولة بوزاراتها ومؤسساتها المعنية تقف متفرجة أو حتى عاجزة عن إيجاد حلول جذرية لها، فليس من حرج أن يقفل مكب هنا، أو ألا يكتمل مشروع مخمر للنفايات هناك، وحتى المطامر فاضت بأماكنها ولم تعد تستوعب شأنها شأن المكبات العشوائية والمتنقلة.

وثمة سؤال في هذه المعمعة البيئية: ما الذي يدفع دولاً قريبة وبعيدة لتقدم لنا حلولا لهذه المشكلة، فيما نحن نبتعد عنها وحتى لا ندرسها، ولمَ لا نستفيد من تجارب وخبرات دول باتت معالجة النفايات فيها باباً لتوليد الكهرباء، حتى لا نقول أنها مصدر طاقة وأسمدة وفرص عمل متعددة.

 

 

أبي شاكر والأزمة

لإلقاء الضوء على قضية النفايات واسبابها وطرق معالجتها التقت <الأفكار> المهندس البيئي الصناعي زياد ابي شاكر، خريج كلية الهندسة بجامعة <DUTGERS> وقد درس الهندسة البيئية الصناعية، علما ان بحثه العلمي ركز على تقنيات التخمير للمواد العضوية كما انه حائز براءة اختراع بتقنية التخمير السريع التي تحول المواد العضوية بفترة زمنية قصيرة الى اسمدة عالية الجودة.

وقد أفادنا ابي شاكر بأن قضية النفايات في لبنان سببها الأساسي سوء التخطيط لاسيما بعد انتهاء الحرب في لبنان مع فكر <مونوبولي> أي وجود جهة واحدة تمتلك السطوة على اكثر من نصف نفايات لبنان، وهذه الازمة ليست مستعصية ولكن الجهات المعنية بالموضوع لم تكن لديها رؤية للتغيير ولم تسع لإيجاد حل للمشكلة الا بعد ان تفاقمت ازمة النفايات.

ــ اشرت بأن الحل ليس مستعصياً فكيف تتم معالجة هذه الازمة؟

– الحل بكل بساطة يكون عن طريق اعتماد اللامركزية على صعيد القضاء، واللامركزية فعلاً هي أساس معالجة النفايات اذ تؤمن ما يمكن تسميته بتخفيف وطأة المعالجة بموقع واحد، فبدلا من استيعاب 2000 طن في برج حمود يتم خلق 20 مركز فرز وتخمير، كل مركز بقدرة استيعابية 100طن، فبذلك نخفف ضغط العمل ونحسن الإدارة، على اعتبار انه في مكب واحد لا يمكن إدارة كمية تتجاوز الـ2000 طن، وذلك باعتراف شركة <سوكلين> التي أشار المسؤولون عنها بأنهم تمكنوا من معالجة 2500 طن الى 3000 طن كحد اقصى بالنهار، واكدوا بأنهم غير قادرين على تدوير اكثر من 9 بالمئة من هذه الكمية.

5-(6)وتابع ابي شاكر قائلاً:

– اليوم تحسنت تقنيات المعالجة، فنفايات المنزل قابلة لإعادة التصنيع ومعالجة هذه النفايات تعتبر صناعة مربحة، على اعتبار ان صناعة كهذه تستخدم النفايات كمواد أولية يعاد تصنيعها لانتاج مواد يستفاد منها بالاقتصاد المحلي.

أبي شاكر والتخمير

ــ علمنا بأنك كمهندس بيئي تعتمد على تقنية التخمير لمعالجة النفايات فأين طبقت هذه التقنية؟ وكم يبلغ عدد المعامل التي تعتمد على التخمير؟ وماذا عن التمويل هل هو محلي ام خاص؟

– لقد طبقنا بحث التخمير عن طريق اول مشروع نموذجي بقرية كفرصير في النبطية ونجح المشروع وبرهن بأن هذه التقنية قابلة للتطبيق، أما التمويل فيتم من قبل وكالة التنمية الأميركية وذلك منذ عام 1999.

وتابع ابي شاكر قائلاً:

– بعد مشروع كفرصير انشأنا مشاريع بالتعاون مع البعثة البابوية، كما انشأنا مشاريع أخرى بتمويل محلي (مصارف – مستثمرون…) وقد وصل عدد مصانعنا الى 13 مصنعاً ولكن عام 2006 فقدنا بعض المعامل ولم يبق لدينا سوى تسعة مصانع، نملك شخصيا اثنين منها.

 

أبي شاكر والمشاريع

ــ ماذا عن قضية الاستفادة مالياً من النفايات؟

– عن طريق الية العمل داخل المحطة يتم فرز قناني المياه التي تباع بدورها الى مصانع تحويل فتحولها الى <فيبر>، كما يتم فرز قناني دواء الجلي والشامبو وتحول الى اقفاص للخضار، ناهيك عن فرز الورق والكرتون وارسالها الى مصانع تدوير الورق، كما يتم فرز الزجاج الذي يباع بدوره الى مصانع الزجاج بغية صناعة القناني والمراطبين.

واستطرد ابي شاكر قائلا:

– يبقى شق العوادم ( أكياس النايلون- الشاي – البن…) فعن طريق هذه العوادم اخترعنا تقنية <Ecoboard> أي اللوح البيئي وهو لوح مصنوع من أكياس بلاستيكية، ويتم الاستفادة منه بصناعة الكراسي – الحائط الأخضر لزراعة الخس والنباتات بطريقة عمودية… وبهذه التقنية اصبح كل سقف بناية قابلاً لأن يتحول الى حديقة منتجة.

ــ بالنسبة لبقايا الاكل هل من الممكن الاستفادة منها؟

– ان مأكولاتنا بعد التخمير تتحول الى سماد يستفاد منه بالزراعة، ولدينا مشروع في سهل الهرمل حيث يتم استخدام هذا السماد لزراعة القمح العضوي، وهي زراعة لا تعتمد اطلاقا على الأسمدة الكيماوية بل على السماد العضوي المستخرج من بقايا الاكل.

ــ هل من مشاريع معينة ستعتمد او حملات ستطلق من قبلكم للمساهمة بالحد من انتشار النفايات والاستفادة منها؟

– هناك مشاريع عديدة أهمها:

* مشروع وضع مستوعبات للتدوير في شوارع بيروت وضواحيها، وهذه المستوعبات يتم وضعها بالمشاركة مع الشركات التابعة للقطاع الخاص والتي تتحلى بمسؤولية اجتماعية كبيرة، كما انها تغطي كلفة فبركة المستوعب وكلفة تفريغه دوريا مقابل وضع اعلان على المستوعب.

 * الحملة الوطنية لاعادة تدوير الزجاج، فبعد حرب تموز 2006 توقف معمل <Malibeau> أي معمل الزجاج الأخضر في تعنايل عن العمل، علما بأن هذا المعمل كان يحصل من معامل الفرز على كسر الزجاج من اجل إعادة تدويره وصناعة القناني، مما جعلنا غير قادرين على التخلص من الزجاج الأخضر بسبب إقفال المعمل، فقمنا عندها بحملة تعرفنا من خلالها على نافخي الزجاج في الصرفند وهم اخر ستة اشخاص يقومون بهذه المهمة وكانوا على شفير الإفلاس، فطرحنا عليهم فكرة تأمين الزجاج ومساعدتهم من اجل القيام بصناعات تتمتع بمواصفات وموديلات جديدة، كما عمدنا الى طرح الموديلات الجديدة في السوق، وكل ذلك من اجل متابعة العمل والتخلص من كسر الزجاج وذلك منذ حوالى الخمس سنوات، علماً ان مستوعبات الزجاج في الطرقات زجاجها يؤخذ الى الصرفند من اجل إعادة التدوير.

وختم أبي شاكر قائلاً:

– حالياً نعتمد المبدأ نفسه فنحن بصدد اعداد حملات وطنية لإعادة تدوير الكرتون والورق، وهي حملات تحمل شعار (حتى ما يضل التدوير حبر على ورق) وننشئ مستوعبات لهذه الغاية، كما سنعتمد الحملة نفسها من اجل الاستفادة من المعادن.