16 November,2018

المنطقــــة دخــلت حالــة التغييــر بعــد قـمــم الـريـــاض بيــن الـمــلك سلـمـــــان والـــرئـيـس الأمـيـــركي ”تـــــرامب“!

 

بقلم وليد عوض

2

حتى نستطيع تقييم وضعنا الاقتصادي في الشرق الأوسط، ينبغي أن نرصد أحوال الآخرين، ولاسيما أولئك الذين يحملون اسم الدول الكبرى. صحيح ان فرنسا في عهد الرئيس <فرانسوا هولاند> لم تدخل في غياهب الافلاس، لكن اقتصادها تجمد أو تراجع ولا فرق بين الحالتين. وأنظار الفرنسيين، ولاسيما أولئك الذين اختاروا لأنفسهم موقعاً جديداً في الحياة اليومية، موجهة الى الرئيس الفرنسي الجديد <ايمانويل ماكرون> ورئيس الوزراء الجديد <ادوار فيليب> في سبيل تصحيح الوضع الاقتصادي أولاً، بعدما وصلت نسبة الدخل القومي الى 1,2 بالمئة قياساً بما هو عليه في ألمانيا، والبطالة بلغت درجة عليا، أي 10 بالمئة، عند وصول <هولاند> الى قصر <الإليزيه> في أيار (مايو) 2012، مقابل نسبة 3,9 بالمئة في ألمانيا و4,5 بالمئة في بريطانيا.

لقد تراجع الاقتصاد الفرنسي خلال السنتين الأخيرتين من ولاية <هولاند> وزادت المصاريف العامة، فيما ارتفع المدخول الألماني بنسبة 7 بالمئة.

وقد استهلكت فرنسا نسبة 56 بالمئة من الدخل الفردي، مقابل 44 بالمئة للألمان، و40 بالمئة للبريطانيين، وأقل من 40 بالمئة بالنسبة لليابانيين والأميركان. والحضور السياسي للحزب الاشتراكي الفرنسي الذي حمل <فرانسوا هولاند> الى قصر <الاليزيه> عام 2012، تراجع بنسبة كبيرة، خلافاً لما كان عليه عام 2012. وقد ورث <ايمانويل ماكرون> يوم 14 أيار (مايو) 2017 فرنسا متراجعة المؤسسات، مهلهلة المقومات.

ولأن الرئيس الجديد <ماكرون> ابن 39 سنة، أي أصغر رؤساء الجمهورية سناً منذ <نابوليون بونابارت> فإن الفرنسيين يأملون أن تتجدد الروح في مؤسساتهم، كما تجددت في المؤسسات اللبنانية بعد مجيء الرئيس ميشال عون الى قصر بعبدا. والمثل في هذا الانفتاح هو ملك المغرب محمد السادس الذي أصبح ملكاً وهو في سن الخامسة والثلاثين،  ولم يقف في اختيار الوزراء عند السن بدليل ان والده توفي وهو في سن السبعين عاماً، ولذلك فقد اختار من الوزراء من كانوا في العقد الثامن والعقد السابع من العمر.

والكلام بعد ذلك يبقى للبنان، البلد المنفتح حديثاً على العالم. فقد عبر الأزمات ولم يسمح لها بأن تهز أركانه، وعدم دعوة الرئيس ميشال عون الى قمة الرياض الى جانب الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> مسألة لبنانية ــ عربية يستطيع لبنان أن يتعامل معها بروح الود لا بروح الأزمات.

ولما حاول وزير الحزب القومي السوري علي قانصو في مجلس الوزراء أن يعتبر تغييب الرئيس ميشال عون عن قمم الرياض الثلاث خطيئة، دخل وزير المال علي حسن خليل على الخط ليقول ان الرئيس الحريري يلتزم بالمثل الذي يقول <لا توصي حريصاً>، وفي ذلك أيده وزير التربية والتعليم مروان حمادة، وأفسح المجال لرئيس مجلس الوزراء حتى يقول: <ان قمة الرياض هي في الواقع ثلاث قمم، وان لبنان سيشارك رسمياً في القمة الثالثة المكلفة بمحاربة الارهاب وسيعبر عن مواقفه الرسمية المتوازنة في مواجهة هذه الكارثة الارهابية>.

وهكذا يحاول الحزب القومي السوري المشارك في مجلس الوزراء إحداث أول شرخ بين الرئيس الحريري والرئيس ميشال عون. فحدوث مثل هذا الشرخ يتيح للحزب وحلفائه أن يجد مكاناً للتحرك المستقل بعيداً عن أي التزام لمصلحة سوريا.

 

لا للسلطة المزدوجة!

وقد تنبه الرئيس الحريري لهذه المحاولة فسد عليها الطرقات وأقفل الحدود ووضع العلاقة بين الرئيس عون ورئيس الوزراء اللبناني في موقع الشك، فلا يكون سلطة مزدوجة بين الرئيسين عون والحريري، بل يكون لكل منهما سلطته التي نال الثقة من مجلس النواب على أساسها، وإلا فإن وحدة الموقف بين الرجلين لن تكون لصالح العلاقة بين الاثنين.

وفي هذا الباب يتذكر اللبنانيون التجاذب السياسي بين الرئيس سليمان فرنجية، والرئيس الراحل رفيق الحريري طيب الله ثراه، والتجاذب بين الرئيسين كميل شمعون وسامي الصلح، ثم التجاذب بين الرئيسين سليمان فرنجية ورشيد كرامي. ومن شأن التركيز على هذا التجاذب أملاً في إحداث تباعد بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري ولكن الحلم تحول الى كابوس، وقام الرئيس الحريري بزيارة الرئيس ميشال عون مرتين في يوم السفر، ليلغي كل تفكير في وجود شرخ في العلاقة بينهما.

وفي الأساس لا يتفق الرجلان على أمر سياسي واحد. فالرئيس عون حليف حزب الله منذ اتفاقية كنيسة مار مخايل عام 2006، ولم يتخذ أي موقف ضد الحزب ولو تلميحاً. أما الرئيس الحريري فقد خفف من لهجة هجومه على الحزب، ولكنه لم يصرف النظر عن التصدي للحزب بين وقت وآخر، دون حسبان وجود وزير للنائب القومي السوري في مجلس الوزراء، أو هدنة بين أهل السلطة في لبنان.

وعلى نقيض كل الوقائع في العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، يحاول الرئيس سعد الحريري أن يتجنب أي شرخ في العلاقة بينه وبين رئيس الجمهورية. والعتب كبير لأن الرئيس عون متغيب عن لقاء يحاضر فيه الرئيس الأميركي <ترامب> في الاسلام أمام خمسين زعيماً.

وقد نقلت شبكة <سي أن أن> الأميركية عن <هربرت ريموند ماكماستر> ان <ترامب> سوف يعرب أمام زعماء العالم الخمسين عن <الحاجة الى مواجهة الايديولوجيا 1المتطرفة، وآماله بانتشار رؤية سلمية للاسلام في جميع أنحاء العالم>.

وبالاضافة الى ذلك جلس <ماكماستر> مستشار الأمن القومي  للتوقيع على عدد من الاتفاقات الأمنية والاقتصادية مع المملكة السعودية. كما شرح <ماكماستر> بأن جولة <ترامب> بادرة من جانب الولايات المتحدة يسعى الرئيس الأميركي من خلالها الى توحيد الناس من جميع الأديان حول رؤية مشتركة من السلام والتقدم والازدهار.

وفي رأي الرئـــــيس الحريــــــري ان مواجهـــــة التطـــــرف تكون عـــــبر ايجـــــاد فـــــرص عمـــل للشباب وتحفيـــز الاقتصــــاد. وهكذا قال من منصة الدوحة القطرية وهو يتحدث عن الثقل السياسي والانساني والاجتماعي باستضافة بلد عربي صغير كلبنان لمليوني نازح سوري، ونصف مليون لاجئ فلسطيني، وما دام قد تصدى للمشكلة وهو يزور قطر وبعض دول الخليــــج، وكفــــاه زهــــــداً أن يـــــردد الوسيط الأممي اسماعيل ولد الشيخ بضرورة الاستفادة من جو الهدنة في رمضــــان لتسويـــــة أوراق المأســــــاة العراقيــــــة والنكبـــــة السورية، ففــــي رمضــــان يصفـــــو الفكــــــر، وينجلـــــــي الــــــرأي، لفتح طريق للسلام وسط اتفاق الحرب!

الــــــــــعثرات

ويدرك الرئيس <ترامب> كل الادراك ان القضية الفلسطينية تبقى هي المقياس لأي بادرة أميركية نحو السلام في المنطقة. كما ان العصيان الشامل الذي دعا إليه عميد الأسرى الفلسطينيين مروان البرغوتي مع التوقف عن شرب الماء واطلاق أوسع حركة شعبية وحركة عصيان مدني ووطني شامل يبقى اعادة الاعتبار الى خطاب التحرر الوطني. وما دام البرغوتي يعد هذه الحركة في استقبال الرئيس <دونالد ترامب> فإن أي عملية سلام سوف تتعثر إذا لم تأخذ في الاعتبار الوضع الفلسطيني. ويخوض <ترامب> عبر مواقفه خلال الزيارة الديبلوماسية للمملكة العربية السعودية معركة وجود لا فقط معركة تغليب موقف أميركي على موقف <روتيني>، خصوصاً بعدما أصر على ازاحة <جايمس كومي> مدير الوكالة المركزية الأميركية وطلبه ايقاف التحقيقات حول تورط <كومي> في العلاقة المشبوهة مع موسكو، وهنا يمكن للقضاء الأميركي أن يطلب تنحية رئيس البلاد لأنه خان العهد!

وفي تشكيلة الحكومة الجديدة وقع اختيار الرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> على وزير الدفاع السابق <جان ايف لودريان> ليكون وزير الخارجية الجديد، ويتعلم الدروس من وزير الخارجية السابق <لوران فابيوس> وقبله وزير الخارجية <آلان جوبيه>، لأن الاثنين كانا صورة فرنسا الجميلة، وأمل الفرنسيين في مستقبل واعد. وأهم ما يسعى إليه <ماكرون> مع وزير الخارجية الجديد <جان ايف لودريان> هو استرجاع ثقة المواطن الفرنسي في نظامه، بعدما مرت على الرئيس <هولاند> أيام أمنية سوداء، وكاد عهده يتحول الى صور لحفلات العزاء، وتقديم أكاليل الزهور. وأهم ما في المطلوب استرجاع ثقتهم في النظام أهل الطبقات الكادحة، وفئة الذين يندفعون الى عملهم في الصباح دون أن يدروا ما إذا كانوا سيعودون الى البيت بفعل حادث أمني.

الفرنسي متعود على حياة اختار فيها كأس النبيذ عند الغداء، و<الكرواسون> عند الصباح، وغياب هذين الطبقين عن حياته اليومية يخل من سلامة عظام النظام. كما ان البطالة التي تضرب الحياة اليومية للشباب مقياس للتعاطي مع المستقبل.

وأهم ما يحققه <جان ايف لودريان> كوزير خارجية لفرنسا في لبنان هو استرجاع هبة المليارين ونصف المليار دولار كثمن لصفقة السلاح التي أقرها الملك عبد الله بن عبد العزيز، وعمل لها السفراء السعوديون مثل السفير أحمد العسيري عندما كان رئيساً للبعثة الديبلوماسية السعودية في بيروت، فاسترجاع هذا المبلغ لصالح وزارة الدفاع ووزيرها الجديد يعقوب الصراف هي المدخل أمام علاقات لبنانية ــ فرنسية أفضل. ويعقوب الصراف كمحافظ سابق لطرابلس، يستطيع أن يهتدي الى مفاتيح ازدهار العلاقات الفرنسية ــ اللبنانية، وعنده في الوزارة فريق عمل عاصر كل العهود بين فرنسا ولبنان.

والمطلب الثاني للبنان عند فرنسا هو حركة مساهمتها في موسم الاصطياف اللبناني المقبل، بحيث تتكفل بالوفود السياحية الفرنسية التي تؤم لبنان، وكذلك البعثات الثقافية الفرنسية التي تعود لبنان أن يستقبلها في فصل الصيف وفي كل الفصول، والأوسمة التي تمنحها الحكومة الفرنسية للبنانيين كانوا ضالعين في مد الجسور الثقافية مع فرنسا.