24 July,2019

الممثلــــــة القديــــــرة عايــــــــدة صبــــــــرا: لا أفكر بعمــل مسرحــي الا بعد ان اتــلمّس نبــض النـاس!

 

بقلم عبير انطون

تفوقت مؤخرا في دور <نجوى> في مسلسل <انتي مين> على عكاز بعد ان بُترت رجلها في الحرب اللي <ما طلعلنا منها شي>.. <الست نجاح> التي تعيش الدور حتى تقنعك بانه في صلب حياتها كمثل ادائها الجميل في الفيلم السينمائي <المسافر> او على خشبة المسرح كما في آخر اعمالها <طقس بيروت> عاشت في بيئة علمانية وفي قلبها اليوم أكثر من غصة، لا يداويها الا عشق الخشبة والكاميرا الذي وحده، اعادها من كندا بعد غربة قصيرة فيها. الممثلة عايدة صبرا التي حلمت ذات يوم بان تكون <باليرنا>، فتحت قلبها لـ<الأفكار> فكان معها هذا الحوار الجميل وسألناها أولا:

ــ سجّل حضورك، مع القديرين جوليا قصار ونقولا دانيال، قيمة مضافة لمسلسل <انتي مين>، وهو عرف نجاحا لافتا. ما هي مدلولات هذا النجاح برأيك، هل لان الناس مشتاقة لكم، ام لأن العمل لبناني صرف، ام لجمال الحبكة؟

– هو النص اولا، وذلك لانه حاكى معاناة الناس، واستعاد ذكريات متعلقة بالحرب اللبنانية عالقة في الوجدان ولا تزال تشكل جرحا، اذ ان الناس لم تتطهر منها بعد.

ــ لم تشف بعد، علما ان افلاما ومسلسلات كثيرة تناولتها وعلى صعد مختلفة..

– صحيح، ولكن لا تنسي، ان ذلك يتطلب وقتا. في اميركا مثلا، لا يزالون حتى اليوم يقدمون افلاما عن حرب فييتنام. الجميل في المسلسل ان كاتبته كارين رزق الله لم تقدم الحرب ونتائجها البشعة بطريقة مباشرة، انما تكشفت هذه من خلال تسلسل الاحداث وعناصر التشويق التي ولّدتها حكاية انتحار <جهاد> في البداية فتعرفنا على ماضي الشخصيات رويدا رويدا، بسلاسة، وهذا ذكاء في الكتابة.

ــ هل استعدت مشاهد من الحرب، وانت عشتها في لبنان؟

– بكلّ تأكيد. تعودين الى تلك المشاهد وتسألين نفسك: كيف استمررنا؟ كيف عشناها؟ هذا، وكنا نحن نعيشها من <بعيد لبعيد>، اي أننا لم نشارك بها وكنا على الحياد لكنها ارهقتنا وأضاعت احلامنا وطموحاتنا وبقينا على الرغم من كل شيء. لما بدأت الحرب كنت بعمر السبع السنوات تقريبا.

ــ لقد نقلتم بيتكم أثناء الحرب؟

– تأخرنا حتى نقلنا. كان بيتنا عند خطوط التماس، ولما اشتدت النيران انتقلنا الى الحمرا. عشنا القصف والملاجئ والهرب من مكان لآخر. فجأة، أرادوا ان يقنعوك بان اخاك في الوطن هو عدوّك. كيف ولماذا؟ ما من جواب. نحن تربينا من دون اي فكرة تمييز بين مسيحي ومسلم. كنا نمارس جميع طقوس الأديان، وأشكر اهلي على تربيتهم العلمانية لي ولاخوتي حيث الانفتاح على الآخر. كنا نشارك في كل الاعياد. فجأة تهب الحرب لتفصلنا عن اخوتنا الآخرين، وفي النهاية، وكما يقول المسلسل، <طلعنا من دون نتيجة>، فبعد ان مات من مات وخسر من خسر أو هاجر أو أصبح معوقا، بقي <ملوك الحرب> هم انفسهم. تصالحوا وتقاسموا الغنائم والمصالح وانظروا الى اين اوصلونا، الى الفساد والتفرقة. هناك حساسيات اليوم لم تكن حتى في عز الحرب، وباتت الامور مخيفة أكثر.

ــ كيف يمكن تفسير ذلك برأيك؟ الناس يتطورون، يتعلمون، يتحررون من الذهنيات القديمة ولكن الكثيرين منهم لا زالوا يرزحون عند شد العصب الطائفي ويسيرون <عالعمياني> خلف الزعيم…

– لقد عشت في كندا مدة اربع سنوات ونصف السنة، وللصراحة لما عدت في العام 1995 لاحظت ان آثار الحرب عائمة بشكل مخيف، بمعنى انه في الحرب لم نكن طائفيين كمجتمع كما نحن عليه اليوم. بحكم عمل والدي كتاجر، كانت له وأعمامي معارف في كل لبنان. وبعد استشهاد الرئيس الحريري بات الشرخ حادا اكثر. انه الضخ الاعلامي، وتحديدا في فترة الانتخابات حيث يبلغ النذر الطائفي اعلاه. استغرب كيف ان الناس لا زالت تتأثر بكلام مشحون مماثل، خاصة اولئك الذين عاشوا الحرب، واتساءل كيف يتركون اولادهم يذهبون في مثل تلك الاتجاهات!

وتضيف استاذة المسرح:

– دور المدارس هنا أساسي، وخاصة من خلال كتاب التربية بحيث تشتغل على نبذ التعصب الطائفي، وتعليم الطلاب كل الاديان. وبرأيي، يجب على الدولة منع كل مدرسة تابعة لطائفة معينة، فهذا يزيد من الشرخ. لماذا نفقد ما كنا نعتز به بان لبنان

بلد الثقافة والانفتاح والحرية؟ في عائلتنا زيجات من كل الاديان والجنسيات.

ــ وحضرتك تشكلين مثالا بارزا فأنت <شيعية> متزوجة من <روم أرثوذكس>..

– نعم. واختي متزوجة من فرنسي، وابنة عمي متزوجة من أرمني، وابن اختي متزوج من تايلاندية. ولم يشكل ذلك اي مشكلة. بالعكس. حتى ولداي وهما شابان اترك لهما الخيار في الارتباط. في المناسبات أقصد مع حماتي الكنيسة. بالنهاية المرجع واحد، والانسان لا يقيّم بحسب دينه وطائفته بل بانسانيته.

ــ ألم تكن الشخصيات السياسية في الماضي أكثر تقدمية في طروحاتها من اليوم، بينها مثلا خال والدك النائب عبد الله الحاج؟

– بلى. لقد تكلم بالنظام العلماني منذ ذلك الحين، وكان من اوائل الذين قدموا مشروعا فيه وكيف تتحول الدولة الى نظام علماني مرورا أيضا بانشاء مجلس شيوخ ومن ثم كيفية انتخاب المجلس النيابي بحسب الكفاءة وليس الطائفة، وهذا ما ينتج انتماء حقيقيا للوطن. من المعيب الانتماء للطوائف. طبقوا أولا الدين كما يجب، ومن بعدها كونوا طائفيين.

ذاكرة الجسد..

ــ بالعودة الى المسلسل، هل أتيح لك الخيار ما بين الشخصيات، ام رشحت لدور <نجوى> تحديدا منذ البداية؟

– اسمحي لي ان اضيف الى عوامل النجاح، البساطة والعفوية أيضا، وهذه تدخل من ضمن الرؤية الاخراجية التي اشتغلها ايلي حبيب، بعيدا عن البهرجة، وطبعا <الكاست> الذي في غالبيته اختاره المخرج إذ عندما تناقش مع كارين طرح اسم عايدة لهذا الدور، وجوليا لذاك، ونقولا لهذا وانجو لذاك. انها المرة الثالثة التي اتعاون فيها مع ايلي، وهو ناجح في اختيار الممثلين ويعرف قدراتهم كونه ايضا الى جانب دراسته للاخراج، درس التمثيل في <الجامعة اللبنانية الاميركية>، وحس الممثل مرتفع لديه.

ــ هل اتعبك الدور جسديا وكنت فيه على عكاز، اذ عدت من الحرب بقدم مبتورة؟

– لا تنسوا انني دارسة للتعبير الجسماني ولي عمل فيه يفوق العشرين عاما. القصة تقنية، اذ تعوّدين جسمك على آلية معينة ومع التمرين يسهل الأمر. فللجسد ذاكرة، ويضحي الجسم مع التمرين من ضمن ايقاع الشخصية. فعندما تبنين شخصية معينة تركبين جسدها ايضا، كيف تتحرك وتتكلم وتمشي، ومع رِجل من هذا النوع كيف تتعاملين معها عند الجلوس او الوقوف أو المشي..

ــ والتعامل مع جوليا قصار التي استعارت اسمك <عايدة> في المسلسل؟

– ليست المرة الاولى التي نعمل فيها معا جوليا وأنا إذ سبق واشتغلنا مسرحيتين… هناك كيمياء عالية جدا بيننا ونحن بالنهاية خريجتا مسرح من الجامعة اللبنانية وكنا نعلّم فيها، هي لا زالت مستمرة فيما انا تركتها. من أمتع الأشخاص الذين عملت معهم هي جوليا، اذ حين يكون الشخص قبالتك من ابناء المهنة، يحترمها ويحترم من في وجهه، لا بد وان يكون العمل على مستوى عال جدا.. ومع الانضباط والاخلاص وعدم حب الظهور على حساب الآخر، كان الجهد منصبا على ان تكون المشاهد موفقة. كنا نشعر بأننا في هذا الوضع فعلا ولا نمثل.

ــ ممثل المسرح يشعر احيانا وكأن التلفزيون اقل درجة من الخشبة. هل هذا التفكير موجود لديك؟

– للتلفزيون ايضا صعوبته. مثلا مع تصوير المشاهد، فاننا لا نصورها بالترتيب كما هو مكتوب في النص، وهذا يجعلنا نكتب جانبا لأنفسنا يتعلق بتفاصيل الشخصية ومسارها من البداية حتى النهاية، فنحن في <انتي مين> مثلا بدأنا بالتصوير من المشاهد الأخيرة، ما يضطرك ان تكوني جاهزة وتكتبي تفاصيل تذكرك بالسبب الذي اوصلك الى الحالة التي تشخصينها في المشهد، فتستحضرين الانفعال او تصور الشخصية وحالاتها حتى تؤدي بشكل صحيح..

ــ ومتعته هل تضاهي متعة المسرح؟

– المسرح متعته في العلاقة المباشرة مع عيون الناس ونفسِهم. هي التي تعطيك تلك الطاقة للاجادة، فضلا عن الابحاث، وطريقة التحضير الخ.. في التلفزيون، تحضّرين لوحدك في البيت، وتتمرنين على النص مع شريكك في المشهد. هنا البحث فردي، بينما البحث جماعي في المسرح. مع تلاميذي او في مسرحياتي، ولو كنت املك رؤيتي الإخراجية، او حتى لو كنت ممثلة فقط، فانني اتشارك الافكار واتبادلها. في التلفزيون، أعتبر المخرج ايلي حبيب من العناصر الجميلة في هذا المجال لأنه يتيح مشاركة الأفكار أيضا. وانا أحب ان اشاهد نفسي حتى انتقد ادائي.

 معطيات..

ــ مسرحيا، ماذا بعد <طقس بيروت> التي قدمتها العام الماضي؟

– أفكـــــر في جديــــد. ليس الأمر سهلا. انتظر أحيانا حتى اتلمس أين هو نبض الناس، ومــا الذي يمكن ان أقولـــه لهــــا حتى أدخــــل موضوعــــا او أكتب مسرحيــــة. كـــــذلك، فانـــــا وفي الصيف لــــن اكون هنا. آخذ ابني الى كندا ليدخل الجامعة.. <مصدّرتو للخارج> (تقولها بحرقة).

ــ وابنك الكبير يعيش في كندا ايضا. ما نطاق عمله؟

– هو مهندس طيران.

ــ هل تعتقدين بان ولديك سيعودان يوما الى لبنان؟ وهل ترينه القرار الانسب او الأصح بتسفيره الى الخارج؟

– الغصة كبيرة جدا لكن المعطيات التي هنا لا تعطي املا، خاصة اذا كان الشخص غير <مدعوم>، يخابط بمفرده. اقله، انا بذلك اتيح لهما خيارا آخر. اذا احبا الرجوع فهما من يقرران. فلما تسمعين ان 45 بالمئة من الشباب الذين يتخرجون من الجامعات عاطلون عن العمل تتساءلين:ماذا بعد؟ هناك نماذج كثيرة من حولي غير مشجعة على الإطلاق. <شو يعني صبية تتخرج مهندسة من الجامعة الاميركية منذ سنتين ولا تجد عملا حتى اليوم؟> اعرف صبية اخرى درست في <ام آي تي> في اميركا وهي احدى اهم جامعات العالم استكمالا لتخصصها في الجامعة الاميركية في الاقتصاد، تعود لوطنها فلا تجد فرصة عمل، ولما وجدتها طُلب منها لفّ الهدايا في احدى المتاجر الكبرى! أسمع أخبارا تجعلني اسأل: الى اين اطلب منهما العودة؟ وبأي حال الخيار لهما بالنهاية. من المفروض على الدولة أن تعيد الادمغة التي <تبيض وجه> لبنان وتؤمن لها عملا لتنتج في بلدها، وبذلك نكون مميزين على أكثر من صعيد كما نحن مميزون بالطبابة مثلا حيث تقصدنا الدول العربية للعلاج، فلماذا لا نكون كذلك في المجالات والطاقات الاخرى؟..

 

ايمــــــاء..

ــ انت الممثلة العربية الاولى في المسرح الايمائي. هل لا زال له مطرحه وجمهوره؟

– نعم له مكانه. لا شك انه من المفروض تنشيطه أكثر خاصة من حيث عدد العروض. لكن بقعة الضوء الجميلة فيه انه بات يستخدم في اعياد ميلاد الاولاد، الامر الذي لم يكن موجودا قبلا، او في افتتاح حدث معين، او حتى في الاعراس. وقد اسس شباب من تلاميذي فرقة صغيرة باتوا يقدمون من خلالها عروضا ايمائية في الاعراس. قد لا يكون المكان الانسب لها، لكن لا ضير في الأمر حتى تعتاد الناس عليه، كذلك ترونه موجودا في مهرجانات الشارع. في لبنان، نحن معدودون على الاصابع ولا نقدم عروضا بشكل مكرر لذلك الناس تستغربه، وهو ليس فنا سهلا، علماً انه بالعروض التي سبق وقدمناها مع الاستاذ فايق حميصي كنا نلاقي اقبالا كبيرا.

ــ وهل من عمل تلفزيوني او سينمائي قريبا؟

– يحكى عن مسلسل سيكون لي دور فيه كذلك فيلم سينمائي بانتظار ايجاد الانتاج له، وهي مشاريع ذات مجهود فردي.

ــ هل يمكن ان نراك مخرجة تلفزيونية بعد تجاربك الاخراجية في المسرح؟

 – ليس اختصاصي، فانا مخرجة مسرح. لا احب ان اتعدى على شيء لم ادرسه.

ــ ولا حتى كاتبة تلفزيونية؟

– المسرح اخذني اكثر. اعتقد ان كتابة السيناريو ليست سهلة. <لازم جرب>.

ــ والشعر وكنت ممن يكتبونه؟

– <من زمان ما عدت حطيت وكدي>.. وهو يتطلب وقتا.

ــ أخيرا ماذا بعد مجموعة الفيديوهات الساخرة على <الفايسبوك> التي كنت بدأتها ونشرتها وعرفت اقبالا؟

– اشتغلت حوالى الـ60 <فيديو>، اوقفتها لانني كنت ابحث عن انتاج، فاطور الفكرة واتوسع مع ممثلين اكثر فاتحرك في بيروت ولا ابقى اقدمها من البيت، وهذا يتطلب فريق عمل يُدفع له، والى ان يتحقق هذا الامل دمتم بخير!