23 September,2018

الملك عبد الله الثاني للرئيس عون: نحن بتصرفكم في أي مساعدة لصالح لبنان والتنسيق الأمني سيكون كاملاً لمواجهة الإرهاب!

 

aoun-jordanie----1لم يسبق للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين أن التقى الرئيس اللبناني العماد ميشال عون، ولا تحاورا هاتفياً باستثناء الرسالتين الخطيتين المتبادلتين، ومع ذلك حرص الملك عبد الله الثاني على أن يكون استقباله الأول للرئيس اللبناني في عمان استثنائياً من حيث الحفاوة والتكريم، وناجحاً من حيث نتائج المحادثات التي تمت بينهما على مراحل: خلوة ثنائية استمرت 45 دقيقة، ومحادثات موسعة في حضور أعضاء الجانبين اللبناني والأردني امتدت على ساعة، وغداء عمل استمر ساعة ونصف ساعة. وقبل ذلك صعد الملك الى المطار العسكري لاستقبال ضيفه اللبناني، وما ان وصل حتى هلل المطر بغزارة، فانسحبت عناصر التشريفات بالزي التقليدي الى داخل <هنغار> أعد احتياطاً على أن يتم اختصار المراسم بسبب الأحوال الجوية، إلا أن العاهل الأردني أصرّ على أن تُجرى كاملة من دون أي نقصان، ثم كانت مبادرته بقيادة السيارة والى جانبه ضيفه اللبناني الذي تأثر بالحفاوة وشكر الملك عليها. ولدى المغادرة فوجئ منظمو الموكب الرئاسي اللبناني برسالة عاجلة من الديوان الملكي الأردني بوجوب التمهل بالوصول الى المطار العسكري حتى يصل <سيدنا> (أي الملك عبد الله الثاني) قبل وصول الرئيس عون ليكون في وداعه محاطاً بسلة التشريفات الملكية!

وبين الوصول والمغادرة استكمل الملك اهتمامه بضيفه، فكانت المحادثات الثنائية ثم الموسعة التي استُكملت على الغداء الرسمي، وكانت المواقف الايجابية تتوالى من العاهل السعودي الذي كرر أكثر من مرة على مسمع من رئيس حكومته والوزراء الحاضرين: <شوفو سيدي فخامة الرئيس العماد إيش يريد وتصرفوا على هذا الأساس>! وكان من البديهي بعد هذه <الإرادة الملكية> أن يلقى الرئيس اللبناني ومعه الوزراء الخمسة الذين رافقوه، وزير الخارجية جبران باسيل ووزير المالية علي حسن خليل ووزير الداخلية نهاد المشنوق ووزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية بيار رفول ووزير الاقتصاد رائد خوري والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، التجاوب المطلوب حيال المواضيع التي أثيرت سواء لجهة إحياء اللجنة العليا اللبنانية – الأردنية المشتركة (تجتمع بعد القمة العربية في نهاية آذار/ مارس في الأردن) بهدف توقيع اتفاقيات تعاون جديدة، وتجديد أخرى، أو لجهة زيادة التعاون والتنسيق الأمني والمخابراتي بهدف تبادل المعلومات التي تساعد في مجال مكافحة الإرهاب وملاحقة الخلايا الإرهابية النائمة أو المتنقلة، أم لجهة زيادة حصة لبنان في الدورات التدريبية لمختلف الأسلاك العسكرية اللبنانية (مجاناً)، أو لجهة دعم الدفاع المدني عبر تقديم آليات ومعدات لوجستية جديدة له. أما دعم الجيش بالعتاد، فسيكون موضع متابعة خصوصاً وأن السلاح الأردني مصدره الولايات المتحدة الأميركية في غالبيته وأي تصرف به يحتاج الى موافقة مسبقة من بلد المنشأ… والموافقة مضمونة على حد ما قال الملك.

 

تعاون زراعي… وتجربة أوروبيــــة

 لرعاية النازحين

ولأن القواسم المشتركة بين البلدين كثيرة، ومنها الأضرار التي لحقت بحركة التبادل الزراعي بعد إغلاق الممرات البرية السورية نتيجة الحرب الدائرة هناك، فإن خطوة عملية هي على الطريق لإيجاد حل للمنتجات الزراعية اللبنانية لجهة نقلها عبر طريق بحرية تصل الى ميناء العقبة الأردني، ومنه الى دول الخليج والجوار. والجانب الأردني عرض تسهيلات تصل الى حد حسم 50 بالمئة من التكاليف على نقل الإنتاج اللبناني بحراً، فيما الوفد اللبناني الذي تلقى بارتياح هذا العرض، سوف يعهد به إلى الوزراء في الحكومة اللبنانية لدراسته خلال مهلة لن تتجاوز الشهر لإنجاز كل التفاصيل المتعلقة به. ومع تسهيل الانفتاح الزراعي، كان اتفاق بين الرئيس عون والملك عبد الله الثاني على تبادل الخبرات الصناعية والزراعية والتجارية عبر مشاريع مشتركة وتمويل استثماري قال العاهل الأردني انه متوافر، بمعنى فتح باب الاستثمار المتبادل مجدداً بعدما كان قد تأثر سلباً خلال الأعوام الماضية.

أما القاسم المشترك الأبرز الذي استحوذ على معظم وقت المحادثات، فكان أوضاع النازحين السوريين الذين يتقاسم لبنان والأردن أكثر من ثلاثة ملايين نسمة منهم. وبدا خلال التشاور في هذا الملف الحساس أن الأردن استطاع مقاربة معاناة النازحين بأقل اضرار ممكنة، في حين أقرّ الجانب اللبناني الحجم الكبير للأضرار التي لحقت بالاقتصاد اللبناني ومؤسساته العامة منها والخاصة. بالنسبة الى الأردن، أكد الملك ومعه الوزراء، أن اتفاقاً تم مع الاتحاد الأوروبي على اعتماد منهجية عمل مشتركة يتقاسم فيها الاردن مع دول الاتحاد ما يترتب عن رعاية شؤون النازحين وتوفير فرص العيش اللائق لهم، وقد عرض الجانب الأردني أن تشمل لبنان التسهيلات الاوروبية في ضوء التجربة الأردنية، وأبدى الجانب اللبناني اهتماماً بالعرض الأردني للتعاون اوروبياً، إلا أن المسألة احتاجت الى مزيد من الدرس <المنفتح> قبل اتخاذ القرار النهائي.

وفي لقاء قمة كهذا، لم تغب السياسة عن اهتمامات الجانبين فكان توافق – بعد عرض مستفيض – على أهمية القمة العربية المقبلة في البحر الميت في الأردن، والتي سوف يرأسها العاهل الأردني من أجل إعادة الحياة الى التضامن العربي من خلال الاتفاق على الحد الأدنى من المواضيع التي يجمع عليها العرب. صحيح أن المقعد السوري سوف يبقى خالياً كما حصل في القمم السابقة منذ بدء الحرب السورية، إلا أن في ذهن الرئيس اللبناني والعاهل الأردني يجب اعتماد خطوات عملية تعزز التضامن، لأن كلاً من الرئيس عون والملك عبد الله الثاني يريد أن تكون <قمة البحر الميت> مختلفة عن القمم الأخرى، وهو ما تم النقاش في تفاصيله خلال خلوة الرجلين فيما تم التطرق اليه بشكل شبه محدود في المحادثات الموسعة.

 

<تنسيق كامل> لمواجهة الإرهاب

في السياسة أيضاً، كانت قراءة مستفيضة للخطر الذي يهدد الدول العربية والعالم بأسره وهو خطر الإرهاب، إلا أن لبنان والاردن شعرا به مباشرة وعاشا تداعياته، ولو بنسب مختلفة، وهنا برزت أهمية التنسيق بين الاجهزة الأمنية اللبنانية – الأردنية في مجال تبادل المعلومات والخبرات والمعطيات المتوافرة لدى الجميع. وكانت <ايماءة> من رأس العاهل الأردني لمدير المخابرات الأردنية العامة كافية ليأتي القرار الفوري: تنسيق كامل وتبادل معلومات وزيارات متبادلة وتواصل ايضاً عبر السفارتين في كل من عمان وبيروت. واتضح خلال النقاش بأن الأردن ملمّ بكل التفاصيل المتعلقة بالاجتماعات التحضيرية بحثاً عن حلول سلمية للأزمة السورية، ولاسيما منها مؤتمر <الاستانة> ودور فصائل المعارضة السورية غير المتطرفة التي ينسق معها الأردن ويقدم لها التسهيلات المطلوبة في الانتقال والتموضع والحماية. وفي هذا السياق، يقول أحد الوزراء من أعضاء الوفد المرافق لرئيس الجمهورية ان شرحاً على الخريطة تابعه الرئيس عون والوزراء خلال مأدبة غداء وفّر المزيد من المعلومات الجديدة حول واقع المشهد السوري الراهن عشية التحضير للمفاوضات بالتنسيق مع موسكو التي تلعب دوراً بارزاً في الوصول الى حل للأزمة السورية الراهنة. ولعل ما جعل التفاهم حول موضوع التنسيق الأمني والمخابراتي سريعاً وحاسماً، اقتناع الجانبين الأردني واللبناني بأن أي حل سياسي سيتم التوصل إليه، سيكون على حساب الجماعات الإرهابية التي ستنتقل من مرحلة العمل فوق الأرض الى مرحلة العمل تحت الأرض (على حد تعبير اللواء ابراهيم عباس) ما يجعل المواجهة مع هذه الجماعات دقيقة وصعبة في آن وتتطلب تضافر الجهود بين مختلف أجهزة المخابرات المعنية لتبادل المعلومات وتحقيق التقاطع والتدقيق فيها، ومنع تمدد الشبكات الإرهابية من دولة إلى أخرى. وتقول مصادر معنية أن هذه المسألة بالذات ستكون موضع تشاور بعيداً عن الأضواء بين أركان <القمة العربية> المقبلة ليكون القرار شاملاً وفعالاً.

 

العلاقات الأردنية بتصرف لبنان

 

ولأن مروحة العلاقات الأردنية مع الدول الكبرى واسعة ومتينة، فإن الملك عبد الله الثاني وضع تحت تصرف الرئيس عون <كل الإمكانات> اللازمة لإيصال الموقف اللبناني الى الدول الكبرى، لاسيما في الولايات المتحدة الأميركية التي قال العاهل الاردني انه لمس خلال محادثاته مع الرئيس الاميركي <دونالد ترامب> أن <الجو اللبناني> لدى هذه الإدارة <جيد> و<يمكن أن نكون بتصرفكم لأي خطوة في هذا الاتجاه>، كما نقل أحد الوزراء عن الملك قوله للرئيس عون والوزراء.

مصادر وزارية أكدت لـ<الأفكار> أن زيارة الرئيس عون للأردن فتحت آفاقاً جديدة وواسعة للتعاون بين البلدين في مجالات كثيرة، لاسيما وان العاهل الأردني أبدى استعداداً كبيراً لتقديم أي مساعدة يطلبها لبنان في أي مجال. وإذا كان الهم الاقتصادي بدا واضحاً لدى الجانبين، فإن الهم الأمني لا يقل حضوراً ايضاً، علماً أن الاردن استطاع أن يحقق خطوات متقدمة في مجال متابعة الملف السوري بوجهيه الأمني والإنساني، في حين بدا فيه أن الشق السياسي ولاسيما مستقبل الدولة السورية ورئيسها بشار الأسد لا يزال بحاجة الى عمل كي يتضح، لاسيما وان عمان على تواصل دائم ووثيق مع روسيا التي يتخذ دورها في الأزمة السورية بعداً جديداً من حيث التوصل الى اتفاقات لوقف النار حيناً، أو إحياء المفاوضات في الاستانة حيناً آخر، وثمة من يقول إن الأردن لم يكن بعيداً عن الترتيبات الكثيرة التي اتخذت لتأمين جلوس المعارضة السورية المعتدلة على طاولة المفاوضات مع النظام السوري، وذلك بالتنسيق مع موسكو التي باتت شريكة أساسية في أي حل للأزمة السورية… والبعض يقول انها <الشريكة> الأساسية، لذلك فإن زيارة الرئيس اللبناني للأردن وضعت  بلاد الأرز على خط ما يجــــري من تسويات وترتيبات… ولو من باب أخذ العلم!