13 November,2018

المـواطــــن يـطــــلـب مـــن الــــرئـيـس

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

في الثاني عشر من آب/ أغسطس 1982، زار النائب الشمالي فؤاد غصن وزير الخارجية فؤاد بطرس في مكتبه في قصر بسترس وأخبره أنه وعد قائد القوات اللبنانية بشير الجميل بالتصويت له، لكن الرئيس سليمان فرنجية شدّد عليه بعدم انتخاب الجميل، وطلب غصن من بطرس أن يشير عليه بالخيار الصائب، فهو يعيش في المنطقة <الشرقية> الخاضعة لسيطرة القوات اللبنانية، لكنه يريد أن يحافظ على إمكانية قيامه بزيارة الشمال وبالتحديد الكورة التي يمثلها في المجلس النيابي. فقال له بطرس إن عليه في هذه الحال أن يحكّم ضميره ويعمل بموجب اقتناعاته وما يعتبر أنه يصب في مصلحة البلاد فقط.

في الثالث والعشرين من الشهر عينه، انتُخب بشير رئيساً للجمهورية بعدما أمّن نصاب الثلثين بحضور النواب سليمان العلي، وفؤاد الطحيني، وفؤاد لحود، وسالم عبد النور الذين حسموا أمرهم وقرروا التوجه الى الفياضية حيث انعقد المجلس النيابي. وقد أبلغ كل من الطحيني وعبد النور الوزير فؤاد بطرس أنهما مضطران لحضور الجلسة استجابة لمطالب الناخبين المسيحيين في الشوف.

وفي صبيحة اليوم التالي يقول بطرس: <قررت مراعاة البروتوكول كوني وزيراً في الحكومة، بأن أتوجه الى بكفيا لتقديم التهاني للرئيس المُنتخب مصطحباً معي أمين السر في الخارجية سمير مبارك. وفي الطريق تبادلنا الحديث حول الانتخابات التي جرت في اليوم السابق فقلت له: سنة 1970 فوجئت بفوز سليمان فرنجية، أما البارحة فكان الأمر أشبه بثورة. ما يثير قلقي هو أن بشير محاط بأشخاص أكثرهم غير كفوئين ولا يفقهون شيئاً في عالم السياسة ولا في الإسلام والعالم العربي المتحفظ على عملية انتخابه. أعتقد أنه سيتبدّل ولكن ربما قد يؤدي ذلك الى انقلاب قواعده عليه. يجب على بشير أن يحيط نفسه بـ<ليبراليين> يعرفون جيداً <العالم العربي>.

واليوم، وبعد أربعة وثلاثين عاماً، يعيد التاريخ نفسه مع فارق الظروف الهائلة التي تعيشها المنطقة.

فعملية انتخاب رئيس للجمهورية بعد تعطيل استمر سنتين ونصف السنة تعيش لحظات مصيرية عنوانها النصاب، وهل ستفضي الى انتخاب رئيس؟

والسؤال الكبير الذي يدور على كل شفة ولسان: هل انتخاب الرئيس وحده كافٍ؟ وماذا يستطيع أن يفعل رئيس لبناني جديد؟

إن المادة <50> من الدستور اللبناني هي خلاصة الحضارة الديموقراطية وخلاصة العلاقة الإنسانية بين رئيس الجمهورية ومواطن عادي، وتختصر مشكلة الحكم في لبنان بعبارتين:

الأولى: <عندما يقبض رئيس الجمهورية على أزمة الحكم عليه أن يحلف أمام المجلس النيابي يمين الإخلاص للأمة والدستور>، والثانية: <احلف بالله العظيم أنني أحترم دستور الأمة اللبنانية وقوانينها وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه>.

قلنا في <المحطة> السابقة أن على الرئيس أن يكون رئيساً للبنانيين لا الموظفين وأن يقرر منذ الآن من سيكون المهم في عهده وما هو المهم في برنامجه.

أمام الرئيس العتيد، صور الرؤساء السابقين، معلقة على جدران <قصر الشعب> ويستطيع أن يتخيل أصحابها ويسألهم جميعاً أين كانت الخطيئة المميتة؟

نحن المواطنين العاديين لا نطلب منه أن يستعين بالحرس القديم وبالذين صنعوا له مجده، فهؤلاء أصبحوا من التاريخ وذكرهم أصبح منفراً ويذكّر بالماضي.

والجدد يمكن أن يكونوا أحسن، وأكثر وعياً وإلماماً، خصوصاً أنهم آتون من الخندق القديم الآخر، ويعرفون أسراره.

المهم، أن يحسن الرئيس العتيد الاختيار وينطلق وفق قول مأثور للشاعر الفرنسي  Jean La Fontaine:

<Rien ne sert de courir, il faut partir à point>.

وأن يعمل بموجب وصايا عشر لوزير خارجية سابق:

الوصية الأولى: تذكّر دائماً أن لبنان بلد سيد حر مستقل ليس للاستعمار مقراً ولا لاستعمار البلدان العربية ممراً.

الثانية: لا تدخل الدول الكبرى في شؤون لبنان الداخلية.

الثالثة: لا تدخل لبنان في شؤون الدول الكبرى في المنطقة.

الرابعة: كن دائماً ممثلاً للبنان كبلد عربي ومستقل.

الخامسة: احكم ولا تتحكّم.

السادسة: مارس السلطة ولا تتسلّط.

السابعة: عالج مشاكل الديموقراطية بالديموقراطية.

الثامنة: تذكّر أنك لست وحدك الحاكم.

التاسعة: تذكّر ضعفك.

العاشرة: تذكّر أنك غير دائم…

هذه الوصايا نقلها الصحافي الكبير ميشال أبو جودة عن الوزير السابق، قبيل انتخابات العام 1970.