21 November,2018

المــادة 50 مـن قـانــون الـمـوازنـــة بين التأييد والمعارضة...!

 

بقلم طوني بشارة

sami-gemayel

يتصاعد الجدل في شأن المادة 50 من قانون موازنة العام 2018 التي تمنح أي أجنبي (عربياً كان أو غيره) إقامة دائمة في لبنان عند تملّكه شقة سكنية، وفي حين قرأ البعض إقرار المادة 50 اقتصادياً باعتبارها تسهم في تنشيط القطاع العقاري، قرأها البعض الآخر بعين سياسية باعتبارها ربما تشكل مدخلاً إلى توطين السوريين والفلسطينيين في لبنان.

ولأن التوطين في لبنان يشكّل هاجساً في لبنان أبى المعترضون على إقرار المادة 50 الاعتراف بأنها قد تعمل على تشجيع الاستثمارات الأجنبية وتحفّز القطاع العقاري الذي يعاني ركوداً منذ سنوات، واعتبروا ذلك تبريراً لتمريرها.

واللافت من ناحية الأرقام ان المادة 50 من موازنة 2018 تمنح كل عربي أو أجنبي يتملك وحدة سكنية بدءاً من 500 ألف دولار في بيروت و330 ألف دولار خارجها، الحق بإقامة دائمة له ولزوجته وأولاده القاصرين في لبنان، وتربط استمرار الإقامة باستمرار الملكية وسقوط الإقامة بسقوط الملكية.

فانطلاقاً من شروط منح الإقامة الدائمة، هل من الممكن استبعاد ربط المادة بالتسهيل أو التمهيد للتوطين، لاسيما وأن اللاجئين الفلسطينيين يُمنع عليهم التملك في لبنان بموجب قانون سابق؟ وماذا عن اللاجئين السوريين فهل بإمكانهم شراء منزل بنصف مليون دولار؟ لاسيما وان اللاجئ السوري المتمكّن مادياً الخيارات أمامه كثيرة، ومنها دول أوروبية تمنحه إقامة دائمة وحرية التنقل بين الدول الأوروبية…

المادة 50 من قانون موازنة العام 2018 التي منحت أي عربي أو أجنبي إقامة دائمة له ولعائلته في حال تملّك شقة سكنية في لبنان، أثارت جدلاً واسعاً على الساحة اللبنانية، وقوبلت برفض مطلق من البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي اعتبرها «مقدمة للتوطين خلافاً للدستور»، في وقت دافع خبراء اقتصاديون عن هذه الخطوة ورأوا فيها «حافزاً مهماً لتحريك القطاع العقاري الذي يعاني ركوداً منذ سنوات وعاملاً لتشجيع الاستثمارات الأجنبية».

وقال الراعي في عظة ألقاها بداية شهر نيسان/ ابريل الجاري: «تخيفنا جداً وكل الشعب اللبناني، المادة الخمسون التي أضيفت بسحر ساحر على موازنة العام 2018، وهي أن كل عربي أو أجنبي يشتري وحدة سكنية في لبنان، يمنح إقامة دائمة له ولزوجته ولأولاده القاصرين»، وسأل «أهذه مقدمة لاكتساب الجنسية وللتوطين خلافا للدستور>؟

وبعيداً من مواقف رجال الدين وقريباً من السياسة والاقتصاد، كيف يرى السياسيون المادة 50 من الموازنة؟

20180422_133748  

الجميل والمادة 50

لم يتوقف الاعتراض على المادة 50 على المراجع الدينية المسيحية، إذ شنّت قوى سياسية وأحزاب هجوماً على هذه المادة، أولهم رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميل الذي قال: المادة 50 بمثابة «توطين مقنّع»، مؤكداً أن حزبه يخوض معركة ضدّ هذا القانون (المادة 50) غير الدستوري لأنه يعطي اللاجئين حق اكتساب إقامة دائمة»، وسأل الجميل: كيف نفسّر أن كل الكتل صوّتت على هذا المشروع؟ لقد أعطوهم توطينا مقنعا.

بشارة الأسمر وتجاوزات المادة 50

بدوره رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر قال إن ما جاء في المادة الخمسين من الموازنة يتضمن جملة من التجاوزات والمخاطر الوطنية والاقتصادية والاجتماعية، منوهاً بأن هذه المادة تفتح الباب أمام عدد واسع من المقيمين في لبنان أو الراغبين في الإقامة فيه لشراء وحدات سكنية والحصول على إقامة دائمة يخشى أن تكون مقدمة لتوطينهم أو على الأقل لتأييد وجودهم في لبنان.

20180422_133809

عون والفاتورة المفروضة

اما عضو المكتب السياسي في <التيار المستقل> المحامي لوسيان عون فصرح أن <المادة 50 التي تم تمريرها على غفلة ضمن موازنة العام 2018 شكلت فاتورة مفروضة كشرط لإقرار القروض من جانب <مؤتمر سيدر>، ورأى عون انه من المعيب ان يدافع بعض اركان الحكم في لبنان عن اصدار القانون الذي اجاز منح كل اجنبي يتملك شقة في لبنان اقامة دائمة رغم كل ما تمارسه معظم الدول من تضييق وقيود على اللبنانيين تصل الى درجة رفض اعطاء اللبنانيين تأشيرات دخول الى اراضيها، وهذا يعتبر انتقاصا فاضحا من هيبة الدولة وسلطانها على قاعدة المعاملة بالمثل بين الدول>، وقال عون: <بالرغم من خطورة القانون الذي يهدد الواقع الديموغرافي في لبنان طالما لم يضع ضوابط ولا سقفاً لاعداد هذه الاقامات بحيث اتاح لاسرة المتملك باكملهم مهما بلغت اعدادهم اكتساب الاقامات الدائمة كما لم يتم ربطه بقانون تملك الاجانب، فإن الخطورة الابرز تكمن في استفادة الذين سبق وتملكوا آلاف الشقق السكنية والوحدات في لبنان من هذا القانون، وبذلك ما ان يصدر في اول عدد في الجريدة الرسمية، وقبل شراء المستفيدين منه المزيد من الشقق، فإن الذين سبق ان تملكوا هم وافراد اسرهم سوف يسارعون وهم بعشرات الآلاف الى طلب الاستحصال فورا على الاقامة الدائمة، مما يشكل اكبر مؤامرة على الكيان اللبناني ويقلب وجهه ويدمر تراثه الى الابد>.

وسأل عون: <الى اي حد قد يتمكن المجلس النيابي من استدراك هذه المؤامرة الخطرة فيما انتهت الدورة العادية لمجلس النواب ودخلنا حقبة الانتخابات النيابية، وفي وقت بات القانون المؤامرة نافذا يخفي توطينا مقنعا عجزت الحروب عن فرضه بقوة السلاح والنار>.

 وبعيـــــدا من السياسيين والنقابات، ما هو موقف الاقتصاديين ومجلس الاعمال؟

 

مسعد وتعديل المادة 50

20180419_115359  

رئيس <مجلس الأعمال اللبناني – العماني> المهندس شادي مسعد نوه بأن موضوع منح الإقامة للأجنبي مقابل تملّك شقة، قد تحوّل من مشروعٍ يُفترض أن يحرّك القطاع العقاري، إلى ما يشبه الأزمة بسبب ما أثاره من قلق وتساؤلات حول نتائجه المحتملة، لجهة تأمين إقامة دائمة للنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

وتابع مسعد:

– بعيداً من السجالات، يجب إعادة النظر في المادة 50 من قانون موازنة 2018، وإدخال التعديلات اللازمة عليها للابقاء على إيجابياتها المتوقّعة لجهة جذب الأموال، وفي الوقت نفسه لطمأنة القلقين إلى أن هذا القانون لن يتحوّل إلى أداة لتثبيت النازحين في البلد.

وأضاف مسعد:

– هناك مجموعة من التعديلات التي يمكن إدخالها على القانون، من ضمنها تعديلات تتعلّق بقيمة الشقة وطريقة التسجيل، كما أنه يمكن استثناء النازحين واللاجئين من الإفادة من هذا التدبير لقطع الطريق على الهواجس والمخاوف المتعلقة بالتوطين.

وختم مسعد: لا يفترض التعاطي مع المادة 50 وكأنها تشكّل مؤامرة، ولكن في الوقت نفسه ينبغي تحصين البلد من ثغرات قد تؤدّي إلى نتائج لا يريدها اللبنانيون، وبالتالي، يمكن تعديل المادة للإبقاء على وظيفة جذب الاستثمارات، فيما يتم سد الثغرات التي يمكن النفاد منها لاستغلال القانون لمآرب لا علاقة لها بتحريك الاقتصاد.

20180422_000839

أبو سليمان وإيجابيات القانون!

لكنّ هذا الرأي خالفه الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان الذي عبّر عن أسفه لأن لبنان يضع نفسه دائماً وكأن العالم يتآمر عليه، ويثير مؤامرة التوطين كلّما طرح مشروع استثماري في البلد.

 واكد أبو سليمان أن قانون منح الإقامة الدائمة لمن يتملّك منزلاً، اعتمدته دول عدّة عندما كان وضعها الاقتصادي متأزماً، مثل اليونان والبرتغال وقبرص، ما أتاح لها تحريك القطاع العقاري وتفعيل الوضع الاقتصادي والاستهلاك الداخلي، وبدّل النظرة إلى الاستثمار في قطاعات أخرى، وشدد أبو سليمان على أن المادة 50 تمنح من يشتري منزلاً في لبنان الإقامة وليس الجنسية، ويمكن منح هذه الإقامة لأي شخص يؤسس شركة تجارية، مذكراً بأن قبرص نهضت اقتصاديا من وراء هذا البرنامج لأنه أتاح منح الجنسية للمتملكين، ومضيفاً انه بغضّ النظر عن الوضع السياسي، فإن المادة المذكورة وضعت بهدف إدخال أموال خارجية إلى البلاد لسد العجز في ميزان المدفوعات كي لا يضطر المصرف المركزي للتدخل وضخّ أموال في السوق، كما اعتبر أن الحديث عن التوطين مجرّد فزّاعة وتساءل: إذا كان الخوف من توطين السوريين، فإن أغلبية النازحين السوريين هم دون الطبقة الوسطى وليس بإمكانهم التملك وشراء منزل بنصف مليون دولار، ثم السوري الذي لديه أموال طائلة قد هاجر إلى أوروبا وربما أميركا، مشدداً على أن هذه الخطوة تبعث على الارتياح وتؤدي إلى تحفيز النهوض بالقطاع العقاري الذي يشكو ركوداً منذ سنوات.