14 December,2018

المشكلة في الموازنة وليست في الحكومة

بقلم خالد عوض

aoun

كلام الرئيس ميشال عون أمام وفد العائلات البيروتية منذ أيام أن عرقلة الحكومة هي في الظاهر سياسية وفي الباطن <فسادية> ليس بعيدا عن الواقع. صحيح أن هناك موضة للوم الفساد على كل شيء والتلطي به عند كل صغيرة وكبيرة والمجاهرة بضرورة محاربته، ولكن هناك حقائق لا يمكن نكرانها حول تحكم مافيات عديدة في الخط السياسي العام في البلد.

هناك ثلاث مافيات أساسية مرتاحة للوضع السياسي الحالي ولا تريد التغيير، إلا إذا ضمن لها البقاء على مملكاتها.

المافيا الأولى والأهم هي مافيا الكهرباء وما يتفرع عنها من أصحاب المولدات والكابلات والموردين المرتبطين بها. للتذكير فقط، لا زالت الباخرتان <فاطمة غول سلطان> و>أورهان باي> في عرض البحر اللبناني <توفران> الكهرباء على مدى ٢٤ ساعة بطاقة ٢٧٠ ميغاواط أي ما يقارب ٢٧ بالمئة من إستهلاك البلد، كيف تتوفر المبالغ للباخرتين؟ ببساطة شديدة عبر العرف السائد للإنفاق من دون موازنة منذ أكثر من إحدى عشرة سنة أي القاعدة الإثني عشرية، وكيف تحتسب الأسعار من دون أي تغيير طالما أن العقد مع الباخرتين تم توقيعه عام ٢٠١٣ حيث كانت أسعار النفط في ذروتها، بينما الأسعار انخفضت إلى الثلث منذ سنة وإلى النصف حاليا؟ أي أن الدولة اللبنانية تدفع للباخرتين على أساس أسعار النفط القديمة لأن تمديد العقد هو جزء من الإنفاق الإثني عشري. أين أصبحت مشاريع توسعة الطاقة في <دير عمار> التي تجمدت مناقصتها أو حتى في الذوق والجية اللتين كان من المفروض تسليمهما منذ أكثر من سنة؟ اسألوا عن <فاطمة> أو <أورهان> وعن المبالغ التي تتقاضيانها والتي شارفت على الملياري دولار. مَن المستفيد من الوجود <الأبدي> لهاتين الباخرتين؟ للتبسيط، من الصعب التصديق أن هؤلاء المستفيدين يريدون حكومة وموازنة ومحاربة فساد وخطة جدية للكهرباء في البلد. الباخرتان غيض من فيض في مسلسل الكهرباء والمافيات المحيطة بها.

المافيا الثانية المرتبطة جدا بالكهرباء هي مافيا النفط. هذه المافيا تتحكم في مفاصل استيراد وتوزيع النفط في لبنان. عندما تتكلم إلى أي من المستوردين يحدثك عن خسائره مع وزارة النفط وكيف تتأخر الدفعات من الدولة وعن التعقيدات البيروقراطية التي يعاني منها كل يوم وعن أطماع السياسيين في كل فاتورة يقدمها. وعندما تسأله لماذا لا يزال يستورد النفط طالما أن الحال بهذا السوء، يغير الحديث ويقول: <ورطة وتورطنا بها>.

هذه الورطة تكلف الخزينة سنويا أكثر من ملياري دولار بأسعار النفط الحالية بينما وصلت منذ ثلاث سنوات إلى خمس مليارات دولار سنويا. ولو تم تحويل محطة الكهرباء في <دير عمار> إلى غاز، وهي صممت أساسا لذلك، لتقلصت هذه الفاتورة بأكثر من الربع ناهيك عن الفوائد البيئية. ولكن المستوردين ومن يقف معهم وخلفهم وأمامهم لا يريدون الغاز. كما أنهم يعارضون أي حديث عن مصفاتي الزهراني والبداوي اللتين يمكن أن تتحولا إلى مصدر أساسي للدخل في البلد وللمنطقة المحيطة بنا إذا أعيد تأهيلهما وتحولتا إلى مركزي تكرير اقليميين. أكثر من عانى من هذه المافيا هو الشهيد الرئيس رفيق الحريري الذي حاول استيراد النفط مباشرة من الكويت والجزائر واكتشف حجم المافيا ونفوذها ليس فقط في لبنان بل في المنطقة كلها. الحديث عن مافيا النفط لا ينتهي بل يصل حتى إلى إستغلال بعض الواجهات البحرية ومناطق مد الأنابيب إلى hariri-2البر، فهل من مصلحة هذه المافيا أن يسارع لبنان إلى التنقيب واستخراج الغاز؟

المافيا الثالثة هي في تلزيمات الطرقات والصيانة والزفت في وزارة الأشغال، فالأسعار التي يتم التلزيم بها هي الأغلى عالمياً، وهناك طبعا التقسيمات الطائفية والمناطقية غير المنطقية التي تتحكم في كل المناقصات والتلزيمات في البلد. ولكن تلزيمات الزفت مرتبطة بالنفوذ السياسي ولذلك هي مختلفة، فمع كل تلزيم هناك حصة لنائب أو زعيم، ومع كل مناقصة هناك نسبة محسوبة لتزفيت منطقة هذا الزعيم أو ذاك النائب. المقاولون بالطبع يشكون من التأخير والبيروقراطية و<الضغوطات> السياسية ولكنهم، من دون إستثناء، أصحاب ثروات طائلة، فهل من مصلحة هؤلاء أن يأتي وزير إصلاحي إلى وزارة الاشغال؟ ألا يصبح الخلاف على هذه الوزارة بالتحديد أكثر وضوحا عندما يتبين حجم المصالح المرتبطة بها؟ قد تكون هذه المافيا الأقل حجما ماليا ولكنها بالتأكيد من أهم المافيات نفوذا وتأثيرا لأنها ترتبط بمحاولة شراء ولاء المواطن في هذه المدينة أو تلك القرية، وبالتالي شراء صوته.

بالطبع هناك مافيات أخرى مثل مافيا الدواء والطعام والكسارات والنفايات وغيرها، ولكن المافيات الثلاث السابق ذكرها هي في الخط السياسي الأمامي.

المسألة ليست سياسية بحت على حدّ قول البعض رغم وجود تغيير سياسي مهم رسمته التحالفات الجديدة مع العهد، ولكن في الباطن هناك مصالح كبيرة ومليارات الدولارات تتحكم في مسار التأليف كما في مسارات أخرى في البلد.

عبرة مهمة قد تكون مفيدة لفهم الحالة اللبنانية اليوم وهي مقتبسة عن الإستفتاء في إيطاليا منذ أيام حيث فشل رئيس الوزراء الإيطالي <ماتيو رنزي> في المضي في إصلاحات تعطيه صلاحيات أوسع لتقليص البيروقراطية في الدولة، وبعدما قدم استقالته إلى الرئيس الإيطالي <ماتاريلا> اثر صدور نتائج الإستفتاء، طلب منه الأخير التريث حتى إصدار الموازنة لإنها أولوية وطنية أهم من أي اعتبار آخر.

 

في لبنان، الفساد لا يريد موازنة

 

تركيز الرئيس عون على محاربة الفساد مشجع ولكنه في الوقت نفسه مقلق. فمن جهة هناك النية الجدية من رأس الدولة، ومن جهة أخرى هناك المعارضة السياسية الشاملة التي سيتلطى بها الفساد أكثر وأكثر حتى يعرقل كل شيء وتحت تسميات مختلفة، تارة طائفية وطوراً مذهبية وأخرى إقليمية، وبعضها مرتبط حتى باستلام <دونالد ترامب> لمهامه في ٢٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٧!

وإذا دل مسار تأليف الحكومة في لبنان على شيء فهو أن الطائفية والفساد في لبنان أصبحا صنوان، لا يعيش احدهما من دون الآخر.