21 March,2019

المسرحي جو قديح: ”الشرّ الاوسط“ كوميديا سوداء تتحدى كل المحظورات... وهذا ما اضافه إليها بيار شماسيان!

  

بقلم عبير انطون

 

لجو قديح ايقاعه المسرحي الخاص ونبضه الذي لا يشبه غيره، واسمه بات محط ثقة لجمهور يريد ان يتسلى ويقضي وقتا ممتعا في ختام نهاره المثقل، لكنه، وقبل كل ذلك يرغب أيضا في ان يستفز على التفكير والتعمق من دون ان <يرخيها> بحسب الكلمة الدارجة اليوم، ومن دون أن يستلذ بالكسل الذي تقدمه له المسارح العديدة الأخرى. جو لا يؤمن بهذا الكسل، ولا بالاعمال السهلة حدّ السطحية والسذاجة، انما يفتش دائما عن مادة دسمة، موضوعا واخراجا وادارة للممثلين ليصوغها بحسب رؤيته في حرفة مسرحية باتت ملعبه، يعطيها من قلبه وفكره لتصل الى عقل المشاهد حاثا اياه، ولو بالضحكة العالية على الغوص في التفكير والجدل والتساؤل، هدف المسرح منذ تأسيسه.

 جديد جو ــ القديم، هو مسرحية <الشر الأوسط> حيث وكما يقدم قديح عمله <يلتهم الوحش مشهد برودواي في بيروت> في كوميديا سوداء، سياسية ومثيرة للجدل، تسلط الضوء على الاختلافات الثقافية والدينية في المنطقة. وفي تحدٍ لكل المحظورات، تدور هذه المسرحية حول ثلاثة رجال يتفاوضون حول قطعة أرض، فلمن ستكون في النهاية؟

 لحسم الجواب كان حوار <الأفكار> مع جو الذي تمتد مسرحيته ما بين 8 شباط/ فبراير و24 آذار/ مارس على مسرح <مونو> وسألناه أولا:

 ــ بين نيويورك 2003، بيروت 2008 والآن <The Middle Beast> <الشر الاوسط> 2019، هل يمكننا الحديث عن نسخة جديدة من المسرحية؟ وما هي خطوطها العريضة؟

– نعم، يمكن اعتبار ذلك، علما أن الجو العام للعمل هو عينه. الا أنني أحب أن أتعاون مع ممثلين خلاقين يمدون النص بآفاق وتصورات جديدة، والا اكون حينها أكرر نفسي من دون أي تحد جديد. لقد أدخلنا امورا كثيرة جديدة لكن الجوهر بقي ذاته. تتناول المسرحية الأديان الثلاثة الشرق أوسطية وهي المسيحية، الإسلام واليهودية، ولكني لا أذكر هذه الأديان بشكل مباشر، بل أقدم <كاريكاتور> عن ثلاث شخصيات يرمزون لها، وفي التفاصيل أن إمرأة تجسد القانون الأميركي تدفع رجلاً ويتم الاختلاف حول ما سيكون مصير هذا الرجل، فيتم التفاوض على قطعة أرض يريد اليهودي أن يسرقها أو يشتريها والمسلم يريد أن يبيعها حتى لا يخسر فيها أما المسيحي <عم بيسمسر بينهم>. ..

ــ لنذكر بعضا من العناصر الجديدة التي أدخلت؟

 – منها ما دخل على نهاية المسرحية، فضلا عن تجديد في <المونولوجات>، اما العنصران الأساسيان فكمُن اولهما في اللهجات التي تتحدث بها الشخصيات الاربع، مع غوصنا أكثر في خصوصيات لهجات منطقة الشرق الاوسط، اما العنصر الثاني فكان في تدعيم الكوميديا بشكل كبير، علما ان هذه كانت بالاصل موجودة بمنسوب مرتفع. لقد زدنا كمّا من الضحك، كذلك فقد اضافت شخصية بيار شماسيان الكثير الى المسرحية وقوّت دور <المسيحي> الذي يلعبه.

ــ هل كان صعبا التعامل مع بيار من حيث التوجيهات، وهو ابن المسرح منذ سنوات ونجاحه فيه لا نقاش حوله؟

– لا تعرفون كم أن بيار منضبط ومبدع ومنفتح. ومن جانبي أنا من نوع المخرجين الذين يحبون ان يأخذوا من الممثل امامهم، فلا اقوم بعمل الطوبوغرافي، ولا أفرض رؤيتي عليه طوال الوقت والا تضحي الامور محدودة. اتعامل مع الممثلين بليونة

كبيرة خاصة ان لهم خبرتهم وشخصيتهم المثبت تميّزها لدى الجمهور.

ــ هل يمكن اعتبار <الشر الاوسط> مسرحية سياسية وعنوانها دليل على محتواها؟

– كل عمل مسرحي هو بالنهاية مسرح سياسي. حتى المسرح الذي يدعي تجرده منها هو كذلك. مسرح الاطفال هو مسرح سياسي. في <الشر الأوسط> نتطرق بطريقة مبطنة الى السياسة ونتناول الصراع العربي ــ الاسرائيلي، اللبناني ــ الاسرائيلي كما نتطرق الى المحرمات والأديان ونصل الى حقوق الانسان والمرأة وغيرها. انها دعوة للسلام في الوقت عينه، وكل ذلك بطريقة كوميدية.

ــ لنذكر بالممثلين في النسخات السابقة من <الشر الاوسط> من كانوا؟ وهل صحيح ان المخرج جاك مارون لعب الدور مكانك لأربع حفلات في نيويورك؟

– نعم لظروف حينها اتصلت بصديقة امنت لعب جاك مارون للدور مدة أربع حفلات في نيويورك. في نسخة 2008 كان معنا انطوان بلابان وعمار شلق وقبلها ماريو باسيل ونادين لبكي…

ــ أيهما أسهل استعادة عمل سبق وعرض ام تنفيذ آخر جديد؟

– أنا لا استعيد <الشر الأوسط>، ثم ان الصراع الذي اتناوله لم ينته. حين كتبتها في السابق كنت اتكلم عن مواضيع معاصرة للحقبة واليوم هي نفسها وقد تستمر لمئات السنوات. استطيع اليوم ان العب لـ<تشيكوف> او لـ<شكسبير>، ولا يعني ذلك انني اعيد او اكرر ما كان قبلا، فالنظرة الاخراجية هي دائما كتابة جديدة للنص.

ــ لما عرضت المسرحية في 2008 أثارت لغطا، وهوجمت بشكل شرس من قبل احدى الصحافيات. هل تتوقع الهجوم عينه اليوم؟

– اهلا وسهلا بالهجوم…!

 ــ ما هو دور ميشال الفترياديس في الموسيقى؟

– في النسختين السابقتين لـ<الشر الاوسط> كان ميشال من قدّم الموسيقى ويستمر الامر في الـ2019. ميشال مبدع ومشجع لنوع مماثل من الأعمال وهو انسان ذكي اقدره، وانا معجب بفكره وبعمله.

ــ لماذا لا نرى انتاجك المسرحي على التلفزيون، فتسجل وتعرض شأن الكثير من اعمال المسرح والشانسونييه التي نراها؟

– السؤال هذا يجب التوجه به الى التلفزيونات وليس لي. هناك بعض المسرحيات التي تعرض لي أحيانا على شاشة الـ<ال بي سي آي> وانا لا اتعاون اصلا الا معها. لا يعرض الكثير، ربما لان أعمالي لا تعتبر من المسرح التجاري. هم ادرى!

ــ هل انت على خصام مع الشاشتين الصغيرة والكبيرة وتبدّي تخصصك في المسرح على ما عداه؟

– انا اعمل في المسرح، لكن اذا ما وجدت ما يثير اهتمامي في التلفزيون فانني منفتح له طبعا والأمر سيان بالنسبة الى السينما. ما اراه مؤخرا على التلفزيونات <فشخة> صغيرة تحت المعيب.

ــ لهذه الدرجة؟

– بالاجمال لا اتابع التلفزيون. احيانا وانا أقوم بـ<زابينغ> اتنقل من محطة الى أخرى، ولا اسرّ بما اراه. هذا للأسف مسيء للمشاهد وللممثل.

ــ هل يمكن لـ<نتفليكس> وهي الوسيلة التي باتت اكثر رواجا اليوم ان تنشط المسرح مثلا في اعمال يختارها المشاهد؟

– ربما… لنسأل <نتفليكس>…

ــ من خلال مسرحك في بيروت كيف توصف الحركة المسرحية فيها اليوم؟ هل رواده هم انفسهم ينتقلون من مسرحية الى اخرى؟

ــ الأمر يختلف بحسب السنوات. السنة الحالية يمكن تصنيفها ايجابا. حتى في العام 2008 لما عرضنا <الشر الأوسط> استقطبت الجمهور العريض واستمررنا في لعبها لستة اشهر متتالية مع جمهور كامل بعضه يجلس في الممرات لمتابعتها. على غرارها كان اكثر من عمل بينها مثلا <حياة الجغل صعبة>، او <اشرفية>، أو <المونولوجات> التي قدمتها.

ــ ماذا عن اختيار صولانج تراك للعمل؟

– صولانج ممثلة جيدة وهي في المجال منذ سنوات. في المسرح تعاونت معها ليس لانها سيدة جميلة وعندها دور اغرائي… اكره ذلك، انما تعاونت معها لأنها موهوبة وتقلد جيدا ومهضومة وقد بنت شخصية حلوة جدا في <الشر الأوسط> ولما أشاهد الشباب وهي معهم أستمتع، وبالنسبة لي هي مفاجأة العمل.

 ــ رصيدك من الأعمال الناجحة بات وفيرا. لو أردت تصنيفها أيها تأتي في أول اللائحة؟

– بعد شهر لو تسألينني السؤال عينه قد اجيب بغير ما اجيبك به حاليا. اليوم هو <الشر الاوسط>. فكل عمل اشتغل عليه يأتي عندي أولا.

فتش عن المرأة…!

والى صولانج سيدة العمل الوحيدة فيه انتقلنا وسألناها:

ــ اعتبرك جو مفاجأة المسرحية فلنتعرف بك، وخلفيتك الفنية دراسة واعمالا؟

– لقد درست الاخراج السينمائي في جامعة الـ<البا> واشتغلت لفترة مذيعة في <روتانا> كما شاركت في أكثر من مسلسل تلفزيوني بينها للكاتب شكري انيس فاخوري في مسلسل <ابنتي> مع سيرين عبد النور و<كلها مالحة> مع جورج خباز، كما عملت في مسلسل <سبعة> ومسلسل> <نص يوم> مع نادين نجيم وتيم حسن وفي مسلسل <لآخر نفس> مع كارين رزق الله الذي يعاد عرضه على <ام تي في> حاليا. والآن نصور مسلسل <غربة> عن فترة تتراوح ما بين حقبتي الخمسينات والستينات، من اخراج ليليان بستاني وسوف يتم عرضه على الـ<ال بي سي آي>.

– فلنتحدث باختصار شديد عن دورك في <غربة>؟

– هو دور شريرة <على مجنونة>، لشخصية هي نوعا ما على شفير الانهيار. انه دور جميل جدا ومركب. أنا سعيدة به، وما بين تصويره ومسرحية <الشر الأوسط> أجد نفسي ممتنة بشكل كبير.

ــ اين تجدين اللذة الأكبر. في التلفزيون ام على المسرح؟

– لكل عمل ومكان نكهة مختلفة. اجد نفسي على المسرح لكنني ايضا اجد لذة في التصوير خاصة لما يكون <الكاراكتير> مشغولا بطريقة حلوة.

ــ هل يطفو حس المخرجة لديك لما تمثلين تحت ادارة مخرج آخر؟

– لا اتدخل في الـ<بلان> <Plan> لكنني افهم ما يطلبونه. اعطي رأيي ويحترمون ذلك، كما ان الأمر يعود الى طبيعة وشخصية كل مخرج.

ــ لماذا توجهت الى التمثيل طالما انك درست الاخراج. هل العروض أكبر، الشهرة أوسع؟

 – في الاخراج، نحن نعمل ايضا في انتاج عمل ما وليس فقط اخراجه. احب ان ابدع او انظم عرضا او فيلما طبعا. اكتشفت انني احب التمثيل في معرض تخصصي في الاخراج وقد صقلت هذه الموهبة. عملت لفترة كمقدمة ومخرجة ووقفت على المسرح في اول عمل لي مع استاذي الكبير جلال خوري رحمه الله والذي علمني تقنيات المسرح على اختلافها. وكذلك الامر بالنسبة الى جو، وما بين جلال وجو تعلمت الكثير.

ــ معرفتك بجو كيف تمت؟

– لما كنت في جامعة الـ<البا> كان هو استاذا فيها اعرفه معرفة سطحية. عدنا والتقينا منذ ست سنوات وكان يطلب منتجا لمشروع يقوم به، ونمت صداقة بين العائلتين، كما انني مديرة مسرح الجميزة وانسق مع جو في اكثر من عمل ومسرحية، اذكر منها <أبو الغضب> مثلا.

ــ ماذا عن دورك في <الشر الاوسط> اي نوع من الستات انت بين ثلاثة رجال؟

– أنا اساس المشكلة. اؤدي دور سيدة اجنبية واتكلم باللغة الانكليزية طوال المسرحية، وهو دور سيدة <غلامورس> وجذابة. لما قرأت الورق مع جو، أسررت له بأنني اريد ان ألعب الدور بطريقة مغايرة وهذا ما يحبه كمخرج، اذ يعطي الحرية للممثل ويشجع رؤيته. جربنا لهجات مختلفة انكليزية واميركية حتى استقررنا على لهجة <تيكسان> (لهجة تكساس)، في شخصية لا تشبه ابدا ما لعب قبلا، وقد أضاف جو على النص فوسّع الدور لانه اعجب بالنتيجة التي توصلنا اليها.

ــ سبق ان لعبت نادين لبكي هذا الدور في المسرحية. هل اطلعت على ادائها؟

– لم احضر النسخ السابقة. لم يسمح لي جو بذلك حتى لا اتأثر بطريقة ما تم اداؤه سابقا. اراد شيئا مختلفا مني انا. سألته ان يريني <فيديو> او مقطعا سابقا ولم يتجاوب. في العادة يُنصح الممثلون بعدم العودة الى ادوار سبق وقدمها غيرهم حتى لا يتأثروا. الجميع، حتى بيار وطلال (طوني لعب الدور سابقاً) أعطيا منهما حلة جديدة للدور.

ــ هل تتوقعين ان تثير المسرحية ضجة كالكثير من مسرحيات جو؟

– المسرحية <مخيطة> كنص بشكل مدروس جدا فلا يبرز فيها اي تجريح باي شخص او ديانة او طائفة، وهي مدوزنة بشكل ممتاز. نتوقع طبعا ان تكون للجمهور تعليقات مختلفة، لكنها حتما ستأتي بأصداء ايجابية. حتى في التمرينات وقد اعدناها تكرارا، اضحك في كل مرة واستمتع بالكيمياء التي تسري بين الممثلين الثلاثة بيار، طوني وطلال، في <كومبينايشن> (خلطة) خارقة على المسرح…

ــ ختاما، ايه المشهد الأجمل لك في المسرحية؟

– مشاهدي منفصلة عن الشباب وفي غالبية الوقت أكلم نفسي. ربما المشهد الاول مميز… شاهدوا المسرحية واعطوني رأيكم.