19 September,2018

المسبح الشعبي في الرملة البيضاء يفتح سجل المسابح وما يعتريها من تصرفات «مافيوزية »...  

بقلم طوني بشارة

JOE_5899[1]  حل الصيف، فارتفعت كلفة الدخول الى المسابح. قاعدة أصبحت معروفة على عتبة كل موسم صيفي، فالبحر الذي من المفترض ان يكون للجميع بات للقلة، رواده هم من يستطيعون دفع 30 ألف ليرة على الاقل <دخولية> لتمضية نهار دون شراء طعام وشراب من داخل المسبح، ففي حال أقدموا على الشراء تصبح تكلفة الشخص الواحد على الاقل 60 ألف ليرة وقد تصل الى 100 ألف ليرة، مما يعني ان ذهاب عائلة كاملة الى المسبح أصبح مشكلة بحاجة الى إعادة تفكير.

 آلاف اللبنانيين ينتظرون موسم الصيف لممارسة هواية السباحة أو تمضية النهار على الشاطئ، الا ان لبنان الذي لم يبقَ من شاطئه سوى أمتار قليلة مخصصة للمسابح الشعبية يمنع على أبنائه حتى مياه بحره. فمن أقصى الشمال الى اقصى الجنوب، تمت خصخصة الشاطئ، خصخصة لا تدخل الى خزينة الدولة اموالاً، بل تدر الى جيوب البعض الذين احتلوا الشاطئ وشفطوا رماله، فالخيارات أصبحت ضيقة. 250 مسبحاً أصبحت ممراً وحيداً للبنانيين كي يصلوا الى البحر، وفي كل عام يرتفع سعر بطاقة الدخول الى هذه المسابح، وفي كل عام تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين فتضيق الخيارات أكثر، واللافت هذا العام ان مستملكي مسبح الرملة البيضاء حصلوا على إذن من القضاء يمنع المواطنين من الدخول الى هذا المسبح الذي لطالما كان متنفساً لأهل بيروت والمناطق المجاورة، متنفساً يسمح لهم بممارسة رياضة السباحة بلا مقابل.

 فكيف تم الاستحصال على هذا الإذن القضائي؟ وهل سيتم إغلاق المسبح الشعبي بشكل نهائي؟ ما هو موقف الأهالي من هذا الإجراء وما البديل بالنسبة لهم؟ وهل بمقدور المواطن تمضية نهار كامل على مسبح خاص؟ وهل ارتفعت الأسعار في المسابح الخاصة كافة؟

أسئلة عديدة حاولت <الافكار> الإجابة عنها من خلال تمضية نهار طويل متنقلة بين المسابح الخاصة، حيث قابلت الأهالي ووزير السياحة السابق ابراهيم حلاوي، ونقيب المسابح جان بيالرملة-البيضاءروتي وصاحب مج مع <الغولدن بيتش> شفيق القسيس.

وزير السياحة السابق ابراهيم حلاوي أفادنا ان تذمّر الناس من غلاء بطاقة الدخول الى المسابح الخاصة موجود منذ القدم. ففي عام 1982، تلقيت كوزير للسياحة آنذاك شكاوى عدة من المواطنين تتمحور حول تذمرهم من غلاء بطاقة الدخول الى المسابح الخاصة، كوزير مختص ومسؤول (على اعتبار ان المسابح الخاصة في تلك الفترة كانت تابعة لوزارة السياحة وليس لوزارة الاشغال). حاولت جاهداً إيجاد حل لهذه المسألة، فمهمتي بالفعل كانت صعبة ومستعصية، فلا صلاحية لي كوزير بأن اضغط على اصحاب المسابح الخاصة، كما ان قضية تحديد الأسعار ليست سهلة إطلاقاً ومهما حاولنا فهي تبقى مرتفعة.

ويتابع حلاوي: قررت الاستعانة بمدير عام السياحة آنذاك محمد ماضي (صار نائباً بعد ذلك)، أعلمته بشكاوى الناس وطلبت رأيه بمعالجة الأمر، فطرحت فكرة المسابح الشعبية، وسرعان ما وافق ماضي على الموضوع، فبقي امامنا اختيار الاماكن الملائمة لإنشاء المسابح الشعبية، ووقع اختيارنا في بيروت على شاطئ الرملة البيضاء، وعلمنا ان ملكية الشاطئ تعود الى عدة شركاء سعوديين ومن بينهم شركاء لبنانيين من آل الدبس، كما تمكنا من معرفة ان امكانية العمار على هذا الشاطئ معدومة، مما شجعنا اكثر على اختيار هذا الشاطئ بالذات لتحويله الى مسبح شعبي.

ويستطرد حلاوي: عرضت مسألة غلاء المسابح الخاصة على مجلس الوزراء، فطلب مني الرئيس أمين الجميل اقتراح حل لهذه المسألة، وعندئذٍ طرحت فكرة إنشاء مسابح شعبية مجانية، فحصلت بسرعة فائقة على موافقة الرئيس شفيق الوزان، وطلب مني تحديد المناطق الملائمة لإجراء مسابح شعبية، فاخترنا أربع مناطق:

* الرملة البيضاء.

جان-بيروتي* مسبح جبيل.

* مسبح الغازية.

* مسبح الضبيه.

دعم من الرئيس الحريري

ويضيف حلاوي: حاول البعض أثناء تولي الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله رئاسة الحكومة إلغاء مسبح الرملة البيضاء، فطلبت مقابلته وشرحت له أهمية الموضوع وطالبته بعدم إلغاء SAM_1422الشاطئ،.وكان بالفعل متفهماً للأمر، وأفادني بأن طوال فترة ترؤسه للحكومة لن يستطيع أحد إلغاء شاطئ الرملة البيضاء. ولكن للأسف في الوقت الحالي تم شراء الشاطئ من قبل عدة شركاء واستحصلوا على حكم من القضاء العاجل يقضي بعدم السماح للمواطنين بالنزول الى البحر. فحزنت كثيراً لهذا الإجراء واعتبرت ان الأمر يطالني أكثر مما يطال أهالي بيروت، على اعتبار ان أحداً ما يحاول هدم الإنجاز الذي حققته عام 1982، فاتصلت برئيس بلدية بيروت بلال حمد وأعلمني عن محاولة البلدية استملاك العقار وإعادة تأهيله وتجهيزه للمحافظة عليه كمسبح شعبي مجاني لأهالي بيروت.

لكن في حال تم إيجاد حل لمسبح الرملة البيضاء نكون قد عالجنا مشكلة تخص فقط أهالي بيروت، فماذا عن بقية الأهالي؟ وهل بمقدورهم دفع التكاليف الباهظة التي ترافق تمضية نهار واحد على المسابح الخاصة؟

وضع فدى روكز ابنة الاشرفية شبيه بوضع فتيات لبنان كافة، فهي موظفة إدارية لدى شركة <ماركوس> للاغذية براتب شهري لا يتعدى الـ850 دولار، وعليها مدفوعات شهرية تقارب الـ500 دولار ما بين تقسيط سيارة وشراء بعض الحاجات الأساسية لكل فتاة، مما يعني ان ما تبقى من معاشها لا يكفيها في حال أرادت تمضية ثلاثة أو أربعة ايام في الشهر على مسبح خاص بتكلفة يومية ما بين 100 ألف و125 ألفاً (ما بين سعر بطاقة الدخول التي تقارب الـ50 ألفاً، ناهيك عن تكلفة البنزين وشراء المأكولات من داخل المسبح التي أسعارها مضاعفة بالفعل)، لذا تقول روكز: قررت تقليص المصاريف عن طريق الدخول الى الشاطئ الازرق في جونيه على اعتبار ان سعر بطاقة الدخول هي 6000 ليرة وتصل الى 10000 ليرة في حال أردت استئجار شمسية وكراسٍ، كما ان أسعار المأكولات داخل الشاطئ الازرق شبيهة بالأسعار بالفعل المعتمدة في الخارج، وهو شاطئ رملي مقبول ويغنيني عن تكبد تكاليف الدخول الى المسابح الخاصة المعروفة كـ<السيان> و<السواري> وغيرها التي باتت أسعارها بالفعل تفوق إمكانياتنا المادية، فسعر البطاقة للشخص الواحد في أيام الاسبوع 35 دولار للكبار و15 دولار للصغار. اما في نهاية الاسبوع، فتصبح شفيق-القسيسالأسعار 15 دولار  للكبار و20 دولار للصغار.

ننتقل الى البترون لنلتقي بمي فارس ربة منزل وهي كأبناء البترون كافة تعشق رياضة السباحة، وتقصد يومياً هي وشقيتها سعاد وشقيقة زوجها أنيسة شاطئ السطوح في البترون الذي ما زال حتى تاريخه شاطئاً مجانياً أمام رواده، تمارس هوايتها وتتمكن من استئجار كراسٍ وطاولات بسعر لا يتعدى الـ8000 ليرة مما يسمح لها ولأصدقائها بتناول المأكولات التي يصطحبونها معهم ويكتفون فقط بطلب النارجيلة والمشروب من <سناك> ابو فادي علماً ان الأسعار لدى ابو فادي هي الأسعار نفسها لدى اي <سوبرماركت> في البترون. فارس تمضي بعد الظهر برفقة أصدقائها على شاطئ السطوح. أما أبناؤها وأبناء أصدقائها فهم كباقي افراد جيلهم يقصدون المسابح الخاصة في البترون ومسبح إده في جبيل.

مسبح السوريين

من مسبح الى آخر لنلتقي بمهى تبشران، ابنة الكورة موظفة إدارية لدى شركة الزاخم، وهي تعشق المسابح الخاصة وهي تقتطع شهرياً جزءاً من معاشها وتخصصه لتمضية فصل الصيف متنقلة ما بين المسابح الخاصة المنتشرة في ضواحي منطقة الكورة (مسابح زغرتا وشكا والبترون).

وتتابع تبشران: بالرغم من ان الأسعار قد ارتفعت هذا العام بنسبة 15 بالمئة فأنا أفضل دائماً المسابح الخاصة على المسابح الشعبية لاسيما في الوقت الحالي، فهذه الأخيرة مكتظة بالسوريين الذين باتوا يرتادون هذه المسابح دون رقيب أو حسيب، وأنا فدى-روكزبالرغم من ارتفاع الأسعار سأظل ارتاد المسابح الخاصة طالما انها تقوم بعملية الصيانة الدورية وتمنع دخول السوريين اليها.

اما مهى يوسف ابنة كفرشيما فهي ضد فكرة زيادة الأسعار على بطاقة الدخول الى المسابح الخاصة، وتعتبر هذا الإجراء بمنزلة نهب واحتيال يمارسها أصحاب المنتجعات بحق المواطنين، وهي امتنعت عن ارتياد المسابح الخاصة منذ 7 سنوات، وأفادتنا بأنها وشقيقتها سهى تقصدان طوال أيام الاسبوع مسبح <البحصة> في جبيل، فالدخول الى هذا الشاطئ مجاني ولكن أسعار الأكل لدى <سناك البحصة> مرتفعة نوعاً ما، لذا تعمد وشقيقتها في حال أرادتا تمضية نهار بحري كامل مع أولادهما الى التوجه لشاطئ <وطى يوسف> في عمشيت، فهو ايضاً شاطئ مجاني وما زال القيمون عليه حتى اليوم يسمحون للأهالي بإدخال المأكولات والمشروبات، مما يعني ان تكلفة نهار بحري على شاطئ <وطى يوسف> برفقة العائلة لا تتجاوز الـ 30 أو 40 ألف ليرة. وتتساءل يوسف وبحسرة عن موقف الوزارة المختصة حيال الأسعار الخيالية لبطاقة الدخول الى المسابح الخاصة؟

مسبح القسيس

في-شكا-شاطئ-شعبي

وننتقل الى انطلياس والى مسبح <الغولدن بيتش> لنلتقي بشفيق القسيس صاحب المسبح الذي أطلعنا على أنه وبالرغم من التحسينات المستمرة للمسبح والصيانة الدورية للمنتجع قد اتخذ قراراً بعدم إجراء اي تعديل على أسعار بطاقة الدخول، فالوضع الاجتماعي المتردي للمواطنين لا يسمح بإجراء اي زيادة. فالأسعار ما زالت كما هي: 20 ألف للكبار و10 آلاف للأطفال من عمر 4 سنوات حتى 13 سنة، وذلك طوال أيام الاسبوع. اما أسعار <الكابين> فهي تتراوح ما بين 300 دولار و500 دولار حسب كبر <الكابين> اما بالنسبة للشاليه، فما بين 3000 دولار و4000 دولار طوال الموسم، وبالرغم من اتخاذ هذه الإجراءات يشدد القسيس على ظاهرة التراجع بعدد الرواد، تراجع ناهز الـ15 بالمئة مقارنة مع أعداد الرواد في الفترة ذاتها من العام الماضي.

انتقلنا من منتجع الى آخر ولاحظنا بالفعل وجود زيادة في أسعار بطاقات الدخول تراوحت ما بين الـ10000 والـ 12000 ليرة مقارنة مع أسعار السنة الماضية، مما دفعنا الى مقابلة نقيب أصحاب المنتجعات السياحية جان بيروتي الذي علق على ارتفاع الأسعار معتبراً ان المسابح التي تتقاضى أكثر من 50 ألف ليرة ثمناً للبطاقة لا يتجاوز عددها السبعة في لبنان، في حين ان 70 بالمئة من المؤسسات السياحية تتقاضى ما بين 30 ألف في نهاية الاسبوع و25 ألف في الايام الأخرى. ويشرح بيروتي ان المسابح هي مؤسسات موسمية، وتقدم الكثير من الخدمات وما لا يعرفه الناس هو ان <الدوش> والرقابة والنظافة والسلامة العامة هي أكلاف فعلية، فراتب منقذي السباحة ارتفع من 400 الى 800 دولار كما ارتفعت أسعار <الكلور>، مما أدى الى ازدياد كلفة التشغيل ما بين 10 و15 بالمئة.

وتابع بيروتي : ان المسابح تعاني طبعاً من تقلص عدد السياح بشكل كبير كما تعاني من ارتفاع الاكلاف ومضطرة الى تحمل الخسائر بانتظار ان تتبدل الأوضاع كما انه لا بد من الاشارة  هنا الى ان شهر رمضان قد حل وهناك ما يقارب الـ50 مسبحاً تضطر الى إقفال أبوابها خلال هذا الشهر الفضيل.

بالرغم من ذلك، فلا بد لنا من التذكير بأن المواطنين يعانون ايضاً ويترقبون ما سيحصل من تطورات امنية وسياسية ويحاولون قدر الامكان تقليص نفقاتهم .