19 June,2019

المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تحكم قبل نهاية 2019 على المتهمين بقتل الحريري ورفاقه قبل 14 عاماً!  

فجأة، ومن دون سابق إنذار، <تدفقت> على الساحة الإعلامية اللبنانيـــة أخبـــار عـــن أن المحكمـــة الخاصة بلبنان الناظــرة في جريمــــة اغتيـــــال الــــرئيس الشهيـــــد رفيـــــــق الحريــري ورفاقــــه في 14 شبـــاط/ فبراير 2005، تستعد لإصدار حكمها فـــي الجريمـــــة التي غيّرت مســــار الأحـــــداث فـــي لبـــــنان وربمـــا فـــي المنطقة… وبالتزامن مع الأخبار <المتدفقة> عن قرب صدور الأحكام عن غرفـــــة الدرجـــة الأولى لـــدى المحكمــة الخاصـــة، كانت بعثـــة أمنيــة تابعــة للمحكمة تقوم بزيارات في بيروت وُصفت بأنهـــا <استطلاعيــة> بــهدف معرفة أجواء أهالي ضحايا الجريمة وغيرهم من المتضررين والجهات المعنية، وذلك قبل صدور الأحكام. وأتت عملية رصد ردود الفعل بعيداً عن الأضواء في بداية الأمر، الى أن كشفتهـــا مصـــادر سياسيــة لبنانيــة مواكبة لعمل المحكمة أشارت الى أن لقـــاءات البعثـــة الاستطلاعيــة شـملت أيضاً عدداً من الشهود الذين تعذر على البعثــة الأمنيــة التــي كـانت قــد حضرت فـــي وقت سابــق، الاستمــاع إليهم مباشرة.

المعلومات التي توافرت لـ<الأفكار> تشير الى أن أكثر من 320 شخصاً التقى بهم أفراد البعثة الاستطلاعية، وهم من أنسباء الضحايا والمتضررين من الجريمة مباشرة أو من الجرائم التي سبقتها أو تلتها، ومن بين هؤلاء أنسباء الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني المرحوم جورج حاوي، والنائب مروان حمادة الذي نجا بأعجوبة من محاولة الاغتيال التي تعرض لها قبل اغتيال الرئيس الشهيد الحريري ورفاقه بأسابيع، والنائب السابق لرئيس الحكومة ووزير الداخلية سابقاً الياس المر الذي كان قد تعرض هو أيضاً لمحاولة اغتيـــــال بعـــــد اغتيـــــــال الشهيـــــــد الحريري… وتضيف المعلومات أن الأسئلة التي طرحها أعضاء اللجنة ركزت خصوصاً على معرفة توقعات الذين التقوا بهم عن ردود الفعل التي يمكن أن تصدر عندما ستلفظ المحكمة حكمها، وما إذا كانت ستحدث <صدمة> أو <ضجة> أو <اضطراباً> في البلاد، أم سوف تقتصر ردود الفعل على مواقف إعلامية تصدر من هذا الفريق أو ذاك مماثلة لتلك التي صـدرت عندمـــا أنشــأ مجلــــس الأمــن الدولي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وعندما صدر القرار الظني وتضمـــن اتهامـــات الــــــــي أعضـــــاء فـــــــي حـــــــزب الله حملهــــم المـــدعي العـــام الـــدولي مسؤوليـــة التخطيط للجريمة وتنفيذها وإخفاء معالمها…

 

الاستئناف بعد صدور الأحكام!

ويبدو أن الفريق الاستطلاعي لم يتمكن من جمع كل المعلومات التي أتى من أجلها الى بيروت، فتقرر أن يعود ثانية الى العاصمة اللبنانية من دون تحديد موعد واضح لأن ذلك يندرج في إطار النشاط غير المعلن للمحكمة وما يتفرع عنها من لجان أو مهمات، لاسيما وأن صدور الأحكام لا يعني نهاية عمل المحكمة لأن لوكلاء الدفاع عن المتهمين الذين يمكن أن يُدانوا، حق الاستئناف ما يعني أن آلية عمل المحكمة سوف تتجدد كما حصل أمام غرفة الدرجة الأولى لدى المحكمة، إضافة الى أن المحكمة سوف تنظر أيضاً في المعطيات المتوافرة لديهـــا فـــــــي  جريمـــة اغتيــال حـــاوي ومحاولتي اغتيال الوزيرين حمادة والمر، لاسيما بعدما تبيّن للمحكمة أن ثمة ترابطاً بين هذه الجرائم مجتمعة، في حين لا يزال التدقيق جارياً لدى النيابة العامة للمحكمة عما إذا كانت جريمة اغتيال الشهيد جبران تويني ومحاولة اغتيال (الوزيرة الحالية) مي شدياق يمكن إدراجهما في إطار الترابط مع الجرائم الأخرى التي ستتولى المحكمة النظر فيها.

وبالتزامن مع عمل البعثة الاستطلاعية، كانت رئيسة المحكمة الدولية القاضية <ايفانا هردليشكوفا> تتنقل بين وزارتي العدل والداخلية ومقر نقابة محامي طرابلس يرافقها نائبها القاضي رالف رياشي <وتطمئن> من التقتهم من رسميين ونقابيين بأن الأحكام ستصدر قبل نهاية هذه السنة، وذلك بعد ملاحظات كثيرة سمعتها القاضية الدولية عن <تأخير غير مبرّر> في إصدار الأحكام، وتساؤلات عن <تأخير متعمّد> لتحقيق استفادة مادية من رواتب المحكمة وتعويضاتها إلخ… وأكثر من ذلك، دافعت القاضية <هردليشكوفا> عن أن التأخير نتج عن غياب المتهمين> ما يجعل العدالة تأخذ مساراً أطول لأن المحاكمات تتم غيابياً إذ حلّ المحامون مكان المتهمين وكانت جلسات طويلة، قالت رئيسة المحكمة أن لا خضوع فيها لأي تأثير سياسي في ما سيصدر من أحكام قبل نهاية السنة الجارية.

 

لا قناعة نهائية بعد لدى القضاة!

إلا أن السؤال بقي نفسه: هل ستصدر الأحكام، ومتى؟

قد لا يقتنع اللبنانيون بأجوبة رئيسة المحكمة الدولية لأنهم انتظروا طويلاً صدور هذه الأحكام بعد 14 عاماً من وقوع الجريمة، لكن المعلومات المتوافرة تشير الى أنه لم تتكوّن بعد لدى جميع قضاة محكمة الدرجة الأولى القناعة النهائية في ما خص المتهمين الخمسة المنتمين الى حزب الله وهم: مصطفى بدر الدين (الذي توفي) وسليم العياش، وحسين عنيسي وحسن حبيب مرعي وأسد صبرا، وأن المداولات لا تزال مستمرة بين القضاة حول بعض الأدلة التي لا يعتبرها جميع القضاة بأنها <أدلة دامغة وكافية>، في وقت يرى فريق منهم ضرورة توافر المزيد من القرائن التي لا يمكن الطعن بها لإدانة المتهمين الخمسة، أو أربعة منهم على الأقل، بصرف النظر عما ستكون عليه ردة فعل الدولة اللبنانية والأفرقاء المعنيين بالجريمة، وفي مقدمهم الرئيس سعد الحريري الذي كان قد أعلن من أمام مبنى المحكمة في <لاهاي> ربط نزاع مع حزب الله، مقدماً السلم الأهلي والمصلحة الوطنية على اي اعتبارات أخرى، كما أنه قال مراراً انه يريد العدالة والحقيقة ولا يريد ثأراً أو انتقاماً، وهو سيكتفي بصدور القرار علّ إدانة المجرمين ولو لمرة واحدة تردعهم.

ويقول مطلعون إن عمل قضاة غرفة الدرجة الأولى الذي امتد في فترة محاكمة بين 16 كانون الثاني/ يناير 2014 و21 أيلول/ سبتمبر 2018، لم ينجز بعد بصورة نهائية، ما يعني أن اعطاء تواريخ لإصدار الأحكام يبقى مجرد <تطمينات> أو <توقعات> لا يمكن الركون اليها بصورة حاسمة، علماً أن رئيسة المحكمة الدولية كانت قد أبلغت من التقتهم خلال وجودها في بيروت، أنه سيتم ابلاغ المعنيين بموعد النطق بالأحكام قبل حصوله، إضافة الى أن المادة 168 من قواعد الإجراءات والإثبات للمحكمة تنص على أن الأحكام تتلى في جلسة علنية يكون الفريقان والمتضررون المشاركون في الإجراءات قد أُبلغوا بموعدها مسبقاً ويكون لهم الحق في حضورها. ويضيف المطلعون انه لن يتمكن أحد من حسم الموعد لأن القضاة سيأخذون وقتهم قبل الاتفاق على الأحكام لأن أمامهم أدلة وقرائن وأدلة جرمية بعضها معقّد والبعض الآخر متداخل مع أكثر من واقعة أو دليل، ما يفرض تدقيقاً كبيراً ومقارنات يجري العمل على تحقيقها حالياً في المحكمة، علماً أن المهمة الاساسية للقضاة هي التداول في مسألة ما إذا كان الادعاء قد اثبت بلا شك معقول مسؤولية المتهمين الاربعة كي تأتي الأحكام معلّلة، وهي ستكون مفصولة حتما عن بقية الجرائم التي رأت النيابة العامة الدولية وجود ترابط بينها وبين جريمة اغتيال الرئيس الشهيد الحريري ورفاقه. أما الآلية التي ستعتمد وفق نظام المحكمة فتقضي بأن يصوّت كل قاض من قضاة غرفة الدرجة الأولى على كل تهمة مسندة في قرار الاتهام الى كل متهم، وإذا جرت محاكمة مشتركة لمتهمين اثنين أو أكثر، تبت الغرفة حالة كل متهم على حدة، ويمكن التوصل الى قرار يقضي بأن المتهمين غير مذنبين، على أن يُتخذ هذا القرار بأكثرية القضاة. أما إذا استنتجت غرفة الدرجة الأولى أن المتهمين مذنبون، فتحدد العقوبة بعد ذلك، وعقب صدور حكم غرفة الدرجة الأولى، يجوز الشروع في إجراءات الاستئناف أمام غرفة الاستئناف لدى المحكمة الخاصة بلبنان.

والى أن تقرر المحكمة موعد النطق بالأحكام، يبقى الرأي العام اللبناني أسير شائعة من هنا، وتحريض من هناك، ولا جواب على السؤال الكبير: من قتل رفيق الحريري ورفاقه؟!