20 September,2018

المحكمة الخاصة بلبنان تبدأ المرحلة الثانية والأدق بالاستماع الى مرافعات الدفاع عن المتهمين... غيابياً!

 

ايفانا هرديليشكوفابعد ستة أيام على الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، أي في 20 شباط (فبراير) الجاري، تبدأ المحكمة الدولية من أجل لبنان المرحلة الثانية من عملها باستماع غرفة الدرجة الأولى فيها الى مرافعات الدفاع عن المتهمين بارتكاب الجريمة، وذلك بعدما اختتم الادعاء العام عرض أدلة في القضية حيث قدم 260 شاهداً ونحو 2470 مستنداً بشكل بيّنات في الدعوى. وستكون الخطوة التالية في الاجراءات مطابقة لما تنص عليه المادة 167 من قواعد الاجراءات والاثبات لدى المحكمة أي المادة المعنونة <الحكم بالبراءة بعد مطالعة المدعي العام>.

ووفقاً لتلك المادة سيصدر القضاة حكماً بالبراءة من أي تهمة إذا استنتجوا انه لا تتوافر أدلة مؤيدة لحكم إدانة في تلك التهمة، حتى من دون طلب من الدفاع.

وبذلك تنتقل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الى مرحلة حاسمة من عملها لاسيما وأن التهم الغيابية موجهة بحق سليم جميل عياش، وحسن حبيب مرعي، وحسين حسن عنيسي، وأسد حسن صبرا الذي تقول المحكمة إنهم ينتمون الى حزب الله وهم متوارون عن الأنظار وتتم الاجراءات القائمة ضدهم غيابياً. كذلك فإن غرفة الاستئناف في المحكمة طلبت في 11 تموز (يوليو) 2016 إنهاء الاجراءات القائمة بحق مصطفى بدر الدين، الذي أعلن انه قتل في سوريا في أيار (مايو) 2016 من دون المساس بالحق في مواصلة الاجراءات إذا ما برزت مستقبلاً أدلة تثبت انه لا يزال على قيد الحياة.

وتوقعت مصادر قضائية متابعة ان تسرّع المحكمة الدولية من وتيرة عملها لاسيما وان تسع سنوات مضت على بداية مهمتها في الأول من آذار (مارس) 2009، في وقت يتساءل فيه رسميون لبنانيون متى سينتهي عمل المحكمة وتصدر الأحكام وهو أمر لا أحد يستطيع الجزم به، علماً ان المدعي العام الدولي <نورمان فاريل> كان أكد للمسؤولين اللبنانيين عندما زارهم قبل مدة انه مقارنة مع قضايا أخرى، فإن السنوات التي انقضت من عمل المحكمة تبدو عادية خصوصاً انها تجربة أولى من نوعها ومن المهم أن تنجح بشكل شفاف، كما ان الاجراءات على المستوى الدولي مختلفة تماماً عن المستوى المحلي. أما رئيسة المحكمة القاضية التشيكية <ايفانا هردليشكوفا> فتقر بأن العدالة قد تكون بطيئة في وجهة نظر الناس العاديين، لكنها ترى ضرورة تحقيق <توازن> بين الانصاف والسرعة.

 

الحملة على حزب الله

إلا ان ثمة مصادر تشير الى ان <تحريك> عمل المحكمة خلال الأيام المقبلة له مدلولات سياسية إذ يأتي في سياق الضغط القائم على حزب الله بالتزامن مع التحرك الأميركي الداعي الى <معاقبة> الحزب وتجفيف موارده المالية واتهامه بالقيام بأعمال ارهابية. غير ان هذه التهمة ترفضها رئيسة المحكمة التي تصر على ان عمل المحكمة غير مسيّس وهو عمل قضائي مستقل من دون أي تدخلات سياسية، لأنه لو خضعت المحكمة للضغوط لما كانت وصلت الى توجيه اتهامات وبدء محاكمات، ولو غيابية، لاسيما وان معظم الدول التي تعتمد القانون المدني تسمح باجراء محاكمات غيابية، وحتى ان المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان حددت في قرارات سابقة شروطاً صارمة يسمح في ظلها بإجراء محاكمات غيابية، والنظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان يستوفي كل هذه الشروط وينص عليها.

وتشير المصادر نفسها الى ان الحديث عن إدانة حزب الله بالجريمة بعد صدور الحكم، ليس دقيقاً لأن قرارات المحكمة تصدر بحق المتهم الذي يحاكم خلال المحاكمة وليس هناك أي طرف سياسي أو حزبي متهم في الجريمة بعد، بل التهم موجهة الى أشخاص. إلا ان ثمة من يرى ان كل ما حصل في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وحتى الأمس القريب، تدرج في الاتهام فتم توجيه التهم أولاً الى سوريا، ثم انتقلت السهام الى الشبان التي قالت المحكمة إنهم من المسؤولين في حزب الله، ولا يزال هذا التوجه قائماً حتى الساعة.

وسط كل هذه المعطيات المتباينة في أوقات كثيرة أتى تسديد لبنان لحصته في موازنة المحكمة دليلاً اضافياً على تمسك اللبنانيين بالوصول الى تحقيق العدالة، مع اقرارهم بالبطء الذي يميز عمل المحكمة بقضاتها ومستشاريها. وعلى رغم ان الرئيس سعد الحريري لم يعلن مصدر المال الذي دفع به حصة لبنان في موازنة المحكمة، إلا أنه من الواضح ان لبنان مصمم على الوفاء بالتزاماته على رغم ورود تقارير كثيرة حول <فساد> مالي داخل المحكمة، وانفاق غير مجد، و<رحرحة> مبالغ فيها في صرف اعتمادات السفر والنقل والانتقال، إضافة الى مصاريف أخرى لا تجد تبريرات منطقية خصوصاً ان هيكل المحكمة الوظيفي يضم 415 موظفاً، 64 منهم في بيروت، وواحد في نيويورك والباقون في مبنى المحكمة في ضاحية <لايدسندام> في هولندا، ويتألفون من 65 جنسية يشكل اللبنانيون 16,4 في المئة منهم فقط! ولبنان الذي يدفع 49 بالمئة من موازنة المحكمة، يعد الأول في التمويل تليه الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وفرنسا وبريطانيا وألمانيا. وخلال السنوات التي تلت انشاء المحكمة فإن 28 دولة قدمت مساهماتها، علماً ان المحكمة لا تأخذ أموالاً من أفراد أو منظمات ربحية بل من الدول. وتبلغ قيمة ما تدفعه الولايات المتحدة الأميركية سنوياً 10 ملايين دولار أميركي، فيما يدفع الاتحاد الأوروبي 5 ملايين دولار. تجدر الإشارة الى ان حصة لبنان عن العام 2018 بلغت قيمتها 28,827,533 مليون يورو (49 بالمئة من موازنة المحكمة).