20 September,2018

المحــامي غديـــر العلايلــــي: إعطـــــاء المـــــرأة اللبنانيـــــــة الجنسيـــــــة لأولادها حق مشروع ولا خوف من التوطين!

wom3---Copy---2
لم يعد مقبولاً بأن تُحرم المرأة اللبنانية المتزوجة من غير لبناني من حق إعطاء جنسيتها لأولادها، لاسيما وانه يتم بين الحين والآخر إعطاء الأجانب الجنسية اللبنانية مع كل علامات الاستفهام الكبيرة والخطيرة المطروحة سابقاً ومؤخراً بهذا الصدد. ففي قرار للغرفة الثالثة لمحكمة التمييز بتاريخ 24/7/1980 ورد ان <المبدأ العام الذي اعتمده المشترع اللبناني في قوانين الجنسية هو انها مبنية على رابطة الدم وليس على رابطة الرحم>، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: الأم التي تحمل بالطفل 9 أشهر والتي تلده بنفسها، ألا تربطها رابطة دم بولدها النابع من دمها؟ اذاً يجب ان نعمل على دعم مطالب المجتمع المدني اللبناني الآيلة الى تغيير المفاهيم والقوانين والاجتهادات الذكورية والتمييزية المجحفة العائدة الى زمن آخر والى قرن ولّى.

ويعود قانون الجنسية اللبناني الى العام 1925، وينص على انه <يُعد لبنانياً كل شخص مولود من أب لبناني>، ولا يسمح القانون للمرأة بإعطاء جنسيتها الى زوجها او أولادها الا في حالات محددة يندر ان تحدث في الواقع، ويطرح المجتمع المدني مساواة المرأة بالرجل انطلاقاً من مفهوم المواطنة وانسجاماً مع الاتفاقيات الدولية. أما على مستوى المؤسسات الدستورية، فقد كان آخر النقاشات حول القضية توصية للجنة وزارية كُلفت بدراسة المسألة، فأوصت في العام 2013 <بأن من شأن ذلك الاضرار بالتوازن الطائفي الديموغرافي في البلاد وبالمصلحة العليا للوطن>. إذاً، الخوف على <التوازن الديموغرافي> هو مفتاح حرمان المرأة من هذا الحق.

وان أهم المواثيق والاعلانات التي حملت لواء المرأة نادت بـالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وأكدت على حق المرأة في الاحتفاظ بجنسيتها عندما تتزوج من أجنبي وحقها إعطاء جنسيتها لزوجها ولأولادها، وينص الدستور اللبناني في مادته السابعة على ان كل اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض العامة والواجبات نفسها دون تفرقة بينهم. أما بالنسبة للجنسية فقد تم تنظيمها في قانون يؤكد على ما يلي: حصر رابطة الدم بالأب ما يؤدي الى عدم امكانية المرأة منح جنسيتها لأولادها. عدم امكانية المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي منح جنسيتها لزوجها الأجنبي. التمييز بين الأم اللبنانية الأصل والأم الأجنبية التي اكتسبت الجنسية اللبنانية لأن الزوجة الأجنبية التي تقترن بلبناني تصبح لبنانية بعد مرور سنة على تسجيل الزواج في قلم النفوس كما ويمكنها منح الجنسية اللبنانية المكتسبة لأولادها من زواج سابق، بل أكثر من ذلك ان المرأة التي فقدت بزواجها من أجنبي لجنسيتها اللبنانية لا تستطيع مجدداً اكتساب هذه الجنسية الا بشرطي موافقة الزوج الأجنبي والاقامة خمس سنوات متتالية في لبنان.

تحليل المحامي غدير العلايلي

واستناداً إلى التحليل الذي أجراه المحامي غدير العلايلي (محام في الاستئناف) لمعظم القرارات القضائية الصادرة منذ صدور القرار 1925 حتى العام 2011، يتبين انه كان هناك توجه اجتهادي يقضي بإعطاء المرأة قبل فترة 1980 – 1983 حق منح الجنسية لأبنائها، وفي هذه الفترة كان الحل المبدئي المعتمد من محكمة التمييز ايجابياً، أي انه يقضي بإعطاء النساء هذا الحق ضمن الحدود الموسعة لما يمكن ان يفسر عليه نص المقطع الأخير من المادة 4، لكن بعد هذه الفترة أصبح الحل المعتمد من محكمة التمييز سلبياً اي انه أصبح يعتمد تفسيراً حرفياً ضيقاً جداً للنص،  والسبب بحسب المحامي العلايلي هي الأحداث السياسية والحربية في لبنان خلال تلك المرحلة والهواجس الديموغرافية والطائفية النابعة عنها، واللافت انه توصل الى استخراج 3 مستويات للاجتهاد ولتفسير المقطع الأخير من المادة الرابعة <من شأنها تسهيل عمل القضاء والفقه>. والجدير ذكره انه في العام 2009 أصدر القاضي جان قزي قراراً قضى بمنح المواطنة سميرة سويدان جنسيتها لأولادها الثلاثة، حينذاك تأهبت القوى الحاكمة لتسقط قرار قزي خوفاً من تكريس اجتهاده نموذجاً لإحقاق هذا الحق الذي يشكل جزءاً رئيسياً من مواطنة المرأة اللبنانية… وفقاً للمحامي غدير العلايلي فان القوانين اللبنانية بما فيها قانون الجنسية لا تنصف المرأة اللبنانية، فمثلاً المرأة اللبنانية لا تمنح زوجها الأجنبي جنسيتها كما يفعل الرجل اللبناني مع زوجته الأجنبية، مؤكداً أنه يؤيد منح المرأة اللبنانية هذا الحق، ونظراً لاهتمامه بهذه المسألة التي تعتبر مطلباً محقاً كان قد وقّع كتابه <حق المرأة اللبنانية بمنح جنسيتها لأولادها>.

<الأفكار> التقت المحامي غدير العلايلي وكان لنا حديث مفصل عن حرمان المرأة اللبنانية حقها بمنح جنسيتها لأولادها، وعما ينص القانون اللبناني بهذا الخصوص وغيرها من الأسئلة التي أجاب عنها ونسأله بداية:

ــ كنت قد أشرت في كتابك بأن المرأة اللبنانية في الماضي كانت قادرة على منح الجنسية لأولادها، فكيف ذلك؟

– ان نص المادة 4 يفيد قضيتنا اكثر من النص الفرنسي وهو وحده واجب التطبيق لأنه وحده المنشور في الجريدة الرسمية: ان المقترنة او المتزوجة بأجنبي اتخذ التابعية اللبنانية، والراشدين من أولاد الأجنبي المتخذ التابعية المذكورة، يمكنهم اذا طلبوا ان يحصلوا على التابعية اللبنانية بدون شرط الاقامة، سواء أكان ذلك بالقرار الذي يمنح هذه التابعية، للزوج او للأب او للأم بقرار خاص. وكذلك الأولاد القاصرون لأب اتخذ التابعية اللبنانية او لأم اتخذت هذه التابعية وبقيت حية بعد وفاة الأب فإنهم يصبحون لبنانيين الا اذا كانوا في السنة التي تلي بلوغهم الرشد يرفضون هذه التابعية، ولأن موضوعنا هو المقطع الأخير من هذا النص فإن الأولاد المعنيين بمداخلتنا الآن هم الأولاد القاصرون تحديداً، وهذا النص ناتج عن نظرة ذكورية كانت معتمدة في فرنسا المنتدبة منذ قرن ثم تخطتها هي وبقينا نطبقها نحن حتى اليوم: الرجل هو رأس العائلة، ولهذا عندما يموت الرجل تصبح المرأة هي رأس العائلة.

وأضاف:

– النقطتان القانونيتان الرئيسيتان: مدى تكريس حق المرأة اللبنانية بمنح جنسيتها لأولادها في آخر نص المادة 4، ومدى جواز اجتهاد القاضي بهذا النص مع التذكير بأن مهمة القضاء احقاق الحق تحت طائلة الاستنكاف عن احقاق الحق.

ويتابع:

– ان غاية قانون الجنسية، لاسيما في المقطع الأخير من المادة 4، هي توحيد جنسية العائلة باعتبارها رمز وحدة وانصهار الأسرة في بوتقة وطنية واحدة، وضمان اقامتها واستقرار أعضائها جميعاً في البلد ذاته دون عراقيل، وكذلك تأمين مصلحة الأولاد لاسيما القاصرين، وتعزيز علاقاتهم بوطن والدتهم الذي ينتمون اليه فعلاً. ونظراً لدور الاجتهاد القضائي في حماية العائلة والفئات المهمشة والحؤول دون التمييز ضد النساء وبالتالي أولادهن (راجع خصوصاً قرار الرئيس جان القزي 2009 في قضية سميرة سويدان)، فإننا نطالب بهذا الحق، لاسيما في ظل امتناع المشترع عن لعب دوره في تعديل القوانين ومراجعتها لمواكبة تطور المجتمع والزمن.

وأضاف:

– يقتضي رفع تحفظات الجمهورية اللبنانية على اتفاقية مناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة عن الأمم المتحدة في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1979، لاسيما بشأن المادة 9 فقرة 2 المتعلقة بحق منح الجنسية للأولاد، إذ يجب مراجعة قانون الجنسية ككل لازالة اي غموض او تمييز وجعله منطبقاً مع الدستور والتزامات لبنان الدولية لاسيما لجهة مبدأ المساواة. وبانتظار كل ذلك يجب اعتماد تفسير واسع ومنصف من قبل الاجتهاد القضائي. تكريس الحس الوطني والانتماء الى الهوية اللبنانية لدى المرأة وعائلتها (أولادها وزوجها) دون استثناء اي جنسية بما في ذلك الفلسطينيون (والعراقيون) وذلك عمــــلاً بالاتفاقيـــــة الدوليـــــة لإزالة جميع أشكال التمييز العنصري (نيويورك 21 كانون الأول (ديسمـــبر) 1965)، مما يعـــــزز المواطنـــــة عمـــــلاً بالمبـــــدأ الدستـــــوري: المســـــــاواة بين المواطنين اللبنانيين بعيداً عن مبدأ المواطنة درجة ثانية. جعل القانون منطبقاً مع الواقع. تفادي التحايـــــل علــى القانـــــون عــــبر تسجيـــــل الأولاد كأولاد غير شرعيين بغية إعطائهم الجنسية. تصحيح خلل لجوء بعض الأمهات المعنيات الى تجنيس أولادهن عوض تخويل الأمهات الحق بإعطاء أولادهن جنسيتهن اللبنانية بالولادة. الحد من الصعوبات العملية اليومية الحياتية التي تواجه العائلات المعنية في المعاملات الادارية المطلوبة من الأجانب وإعطاؤهم الحقوق المحرومين منها. تفادي تضارب الاجتهاد القضـــــائي وتناقضـــــه وذلك تعزيزاً للأمان القانوني للأفراد والعائلات المعنية. وتخفيف عــــدد الملفــــــات العالقـــــة أمـــــام المحاكم. والمسألة بسيطة اذ يجب ان نكرس مساواة المواطنـــــين أمـــــام القانــــون بغض النظر عن جنسهم ودون التمييز في ما بينهم دون اي مبرر مشروع.

المحامي-غدير-العلايلي----1المجتمع المدني والتظاهرات

ــ هل مطالبة المجتمع المدني من خلال التظاهرات كافية لدفع مجلس النواب لتحويل الملف الى التشريع؟

– طبعاً الجمعيات المعنية بشؤون المرأة دعت لتظاهرات عدة، لا بل هناك تظاهرات دورية، كما تُقام حملات في العديد من البلدان العربية أيضاً في هذا المجال اذ هناك العديد من البلدان العربية لا تمنح المرأة أيضاً الحق بإعطاء جنسيتها لأولادها اذا تزوجت من أجنبي، ما عدا في مصر وتونس حيث أصبحت المرأة قادرة على منح الجنسية منذ اندلاع الثورات في كلي البلدين، وطبعاً الشارع يشكل قوة ضاغطة ولكن هناك العديد من الأمور المهمة مثل المشاريع القانونية والاقتراحات القانونية والندوات الى ما هنالك، فهذه كلها تخدم القضية التي نتحدث عنها ولكن لا نقدر ان نعتمد على أمر واحد انما علينا ان نعمل في كل هذه الاتجاهات في الوقت نفسه، لانه اذا لم نناضل ضمن كل هذه المستويات فلن نصل الى أهدافنا ولن نحقق مطالبنا لانصاف المرأة اللبنانية.

ــ وهل تعتقد ان السلطة الحاكمة التي لم تتحرك حتى اليوم لحل هذه المشكلة ستأخذ بعين الاعتبار كل هذه المطالبات والحراك المدني المتواصل؟

– برأيي انه في ظل هذه السلطة الحاكمة، فإننا لا نعرف اذا يمكننا ان نحقق هذا المطلب أو ان نصل الى هدفنا المنشود مع العلم انه مطلب محق ولا يجوز الاستمرار بحرمان المرأة اللبنانية من هذا الحق. فاذا كان الرهان على السلطة الحاكمة فقد يتطلب الأمر سنوات وربما عقوداً الى ان نحقق هذا المطلب، ولكن الرهان هو على التغيير لانني ارى المسألة جزءاً من سلة حقوقية وليس الأمر متعلقاً بالمرأة فقط، والرهان على الجيل الصاعد وليس على السلطة الحاكمة وذلك بترشيد صوت الناخبين. ولكن هذا لا يعني اننا لن نتحرك او لن نقوم بشيء لحين تغيير النظام، بل على العكس فسنظل نطالب ولن نراهن على استحقاقات جزئية بل لدينا رؤية مستقبلية للبنان لاسيما في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد وأيضاً العالم العربي ككل. وأود ان انوه هنا الى انني لا اخشى من مسألة التوطين اذ أجد بالأمر مبالغة عندما يتحدثون عن خطورة التوطين اذا أصبح بامكان المرأة اللبنانية منح أولادها جنسيتها لانه لا مجال للخوف من ذلك. وهنا نتساءل الا يجب ان نفكر أيضاً بالرجل الذي يتزوج بامرأة أجنبية انه يمنحها الجنسية اللبنانية؟ وبالتالي يجب النظر للموضوع من هذه الناحية أيضاً وليس بالنسبة للمرأة فقط، وبالتالي يجب الأخذ بعين الاعتبار هذه المسألة من جانب الرجل ايضاً.

 

أهل السياسة وذريعة المصلحة العليا

 

ــ برأيك هل سيولي المعنيون وأهل السياسة اهمية لمسألة حق المرأة بمنح جنسيتها لأولادها بعد سنوات من المطالبة؟

– لا ارى ان هذه المسألة ستحظى باهتمام أهل السياسة في لبنان، لانه كلما طالب المواطن بمشروع أساسي ومحق يتحجج السياسيون والحزبيون بذريعة المصلحة العليا ويقولون بأنه في ظل الظروف الراهنة والأوضاع الصعبة التي تمر بها المنطقة ككل والخوف على الكيان، فان الوقت غير ملائم لهذا المشروع، فيتم وضع المسألة جانباً بحجة ان الوضع الحالي لا يسمح بمعالجتها، وانطلاقاً من هنا فإننا لا نراهن على السلطة الحاكمة. وأود ان اتوجه لكل مواطن لبناني ولكل مواطنة لبنانية انه يجب ان نطالب بسلة حقوقية كاملة وليس بمطلب محدد لاننا نريد ان نطالب بمواطنة لبنانية، وهذا يتطلب القيام بتحرك وطني عام، لذا علينا ان نعيد النظر بخياراتنا الوطنية بمعنى آخر يجب اعادة النظر بالأشخاص الذين نمنحهم أصواتنا في صناديق الاقتراع طالما هم لا ينظرون لقضايانا المحقة ولا يلبون مطالبنا ولا حتى يحاولون معالجتها.