26 September,2018

المجلس الدستوري عطل ”لغم“ تعليق العمل بالموازنة لكن مصير المادة 49 بات شبه حتمي!

 

سامي الجميليعتقد المراقبون ان المجلس الدستوري نجح في تعطيل <اللغم> الذي وضعه أمامه النواب العشرة الذي قدموا طعناً بمواد عدة من قانون موازنة 2018 الذي نشر في الجريدة الرسمية الأسبوع الماضي بعدما وقعه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبيل سفر رئيس الحكومة سعد الحريري الى مؤتمر <بروكسيل 2>، فلم يعلّق العمل بقانون الموازنة ككل، وانما بالمادة 49 منه التي تجيز منح كل عربي أو أجنبي يشتري وحدة سكنية في لبنان إقامة فيه طوال مدة ملكيته له ولزوجته وأولاده القاصرين، وذلك على رغم اعتراف الكثيرين بأن في قانون الموازنة مخالفات دستورية وقانونية. ونتيجة تدبير المجلس الدستوري ظلت موازنة 2018 نافذة كلها باستثناء المادة 49 التي يعود تعليقها الى كونها لا يمكن الرجوع عن ضررها في حال نفاذها. كذلك جنّب قرار التعليق تعريض مجلس النواب لاختبار يطاول صدقية النواب الذين كان عليهم أن يعيدوا درس هذه المادة لو لم يتوافق الرئيس عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري على التريث في إعطاء المجرى القانوني والدستوري للرسالة الرئاسية التي طالب فيها الرئيس عون بإعادة النظر بالمادة 49 نتيجة قبول المجلس الدستوري بالطعن شكلاً والمباشرة بدرسه.

وإذا كان المجلس الدستوري قد حصر اهتمامه بالمادة 49 من دون بقية المواد المطعون بها لاسيما تلك التي تتصل بمخالفة الموازنة للمادة 87 من الدستور (عدم تقديم قطع الحساب)، وبمخالفة الفقرة من مقدمة الدستور لجهة فصل السلطات وتوازنها، فإن ثمة من يعتقد بأن المجلس تجاوز قصداً ما يمكن أن يشكل مخالفات في قانون الموازنة حفاظاً على الانتظام المالي العام وتداركاً لامكانية تعذر إعادة درس الموازنة في المجلس الحالي الذي تنتهي ولايته في 20 أيار (مايو) الجاري. وهذا التخوف كان برز في الاتصال الذي تم بين الرئيسين عون وبري إثر تقديم الطعن بعد توجيه الرسالة الرئاسية الى مجلس النواب، لاسيما وان رئيس المجلس لم يكن متأكداً من تلبية النواب لأي دعوة يوجهها لعقد جلسة تتلى فيها رسالة الجمهورية وفقاً للدستور وللنظام الداخلي لمجلس النواب الذي عليه أن يشرع بدرس طلب الرئيس.

 

لا قرار قبل الانتخابات

 

وفيما تستبعد مصادر متابعة ان يصدر المجلس الدستوري قراره القاطع غير القابل لأي نوع من أنواع المراجعة قبل الانتخابات النيابية لئلا يُستغل ويُستثمر فيها، فإن الأكيد ان المجلس الدستوري سيأخذ وقته المنصوص عنه في القانون قبل أن يلفظ قراره، لاسيما وان التباسات عدة تحيط بالمادة 49. إضافة الى وجود تباينات في تفسيرها بين من يعتبرها مادة عادية لا خوف منها، وبين من يرى فيها <توطيناً مقنعاً> نتيجة الغموض الذي يعتريها. ولا تخفي المصادر المتابعة خشيتها من أن تؤثر الحملات الإعلامية المتبادلة حول هذه المادة، على مضمون قرار المجلس الدستوري، علماً ان في المادة 49 الكثير من النقاط التي تحتاج الى توضيح بهدف إزالة كل لبس أو سوء تفسير.

وتروي مصادر وزارية معنية ان المراحل التي قطعها إقرار المادة 49 أولاً في اللجنة الوزارية التي درست مشروع قانون الموازنة، ثم مجلس الوزراء ثانياً وصولاً الى مجلس النواب ثالثاً، أظهر وجود تباين في مقاربة مفاعيل هذه المادة كان يمكن توضيحها خلال مناقشة النواب لقانون الموازنة ككل والمادة 49 منها. إلا ان الذي حصل ــ وفقاً للمصادر نفسها ــ هو أن صيغة التسرع طغت على عمل مجلس الوزراء ومن بعده مجلس النواب، وكأن المطلوب إقرار هذه المادة بأي ثمن كان تحت ضغط هيئات اقتصادية وقطاعات انتاجية وجدت في مضمون المادة 49 ما يشجع على تنشيط الحركة العقارية من جديد بعد الخمول الذي عاشت فيه خلال الأشهر الماضية، ويدفع بالمزيد من الاستثمارات العقارية. كذلك فإن ثمة من لا يرى مفاعيل سلبية لهذه المادة طالما ان الأمن العام يمنح إقامة لكل عربي أو أجنبي يجمد مبلغ حده الأدنى 200 مليون ليرة ويكون مستأجراً أو مالكاً لشقة سكنية في لبنان. وهذا البعض ينفي جملة وتفصيلاً ان تكون المادة جسر عبور الى التوطين والتجنيس، وان كل ما قيل في هذا الاتجاه لا يعدو كونه استثماراً سياسياً عشية الانتخابات النيابية التي تزامن موعدها مع إقرار مجلس النواب لهذه المادة.

عون طلب توضيحات

ويقول مطلعون على موقف رئيس الجمهورية انه مع تشجيعه كل ما يؤثر ايجاباً على الوضع الاقتصادي في البلاد ويحرك الاستثمارات ويجلب الرساميل، إلا انه بالمقابل يحرص على ان تكون القوانين واضحة لا لبس فيها، في وقت تطرح المادة 49 تساؤلات عدة أضاء عليها خبراء في القانون تحت توصيف <اشكالات يجب توضيحها>، منها وضع الإقامة التي ستعطى لمالك الشقة السكنية، وهل هي موقتة أو دائمة لاسيما وانها مربوطة بالملكية التي هي دائمة وتنتقل بالإرث من المالك الأساسي الى زوجته وأفراد عائلته، أي انها يمكن أن تدوم طوال أعمار المشتري وزوجته وأولاده. كذلك فإن الخبراء يتحدثون عن ان قانون الموازنة ليس قانوناً دائماً بل هو يتبدل سنوياً، ولا يجول بالتالي تضمين نصاً لقانون دائم مثل ما رمت إليه المادة 49 المشكو منها. وثمة من يتساءل أيضاً هل ان الوحدة السكنية المشتراة هي لسكن المشتري إلزامياً أم لا، إذ لا وضوح في النص لهذه الجهة لأن القانون يتحدث عن شراء وحدة سكنية من دون أن يلزم مشتريها بالسكن فيها، بحيث يمكنه تأجيرها أو تركها شاغرة والحصول على الإقامة. إضافة الى ذلك، فإن نص المادة 49 لم يلحظ امكانية إقدام المشتري الذي استفاد من إقامة، على بيع الوحدة السكنية المشتراة بوكالة غير قابلة للعزل ووكالة عادية، أو بعقد بيع لدى الكاتب العدل، الأمر الذي يفرض وضع نصوص توضيحية. كذلك فإن بعض الحقوقيين تساءلوا عن آلية ضبط القيمة في ضوء النص وكيف يصار الى التأكد من صحتها وهل يعتبر بيان القيمة التحضيرية كافياً لهذا الغرض وما هي آلية ضبط الثمن إذ من يمنع المشتري من رفعه في تصريحه ليبلغ الحد المطلوب. وماذا أيضاً لو تعدد المشترون لوحدة سكنية واحدة، فهل تعطى الإقامة للجميع أو لواحد منهم وكيف يتم اختياره. وما لفت أيضاً غياب آلية لحل ضغوط المطالبة بالإقامة من المشترين السابقين لوحدات سكنية تستوفي الشروط التي يحددها النص وهي مماثلة للحالة الراهنة.

وتوقف المراقبون عند كون المراسيم التطبيقية للقوانين تصدر عن مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير المختص، ولا تصدر عن وزير الداخلية وحده بناء على اقتراح المديرية العامة للأمن العام. ويرى هؤلاء انه مع غياب أي دراسة للجدوى الاقتصادية لإقرار القانون، ستبقى علامة سلبية فارقة تفرض مشروعية السؤال لمصلحة من تم التغاضي عن وضع دراسة الجدول، وماذا إذا اشترى أحد غير اللبنانيين أرضاً وبنى عليها شقة فهل يعطى إقامة أم لا، وهل يحق لورثة المشتري بالإقامة وبأية أعداد؟

ويتحدث خبراء اقتصاديون ان هذه المادة ستؤدي الى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية على نحو غير منطقي ويؤثر على قدرة ذوي الدخل المتوسط من شراء شقة للسكن، كما سيستتبع ذلك ارتفاعاً في أسعار الأراضي الصالحة للبناء، وفي سوق الايجارات، وبالتالي فإن ثمار القانون لن يجنيها إلا تجار البناء ورجال المال والأعمال. ويتخوف هؤلاء الخبراء من التداعيات الأمنية التي يمكن أن تنتج بعد إعطاء إقامات لأشخاص قد تكون لهم خلفيات أمنية أو على ارتباط بالجرائم الاقتصادية المنظمة أو هم يتهربون من دفع ضرائبهم وغيرها من المحاذير.

في أي حال، تشير المعطيات الى ان المجلس الدستوري يتجه الى إلغاء المادة 49، وفي أحسن الأحوال طلب تعديلها لإيضاح النقاط الملتبسة فيها، لكن قراره لن يصدر إلا بعد الانتخابات الأسبوع المقبل لئلا يكون مادة تستثمر في البازار الانتخابي المفتوح على الكثير من المفاجآت!