19 March,2019

المبـادرة الروسيـة.. من هنا تبـدأ عـودة النازحين في لبـنان!

 

بقلم علي الحسيني

يعمل المسؤولون الروس وبتوجه مباشر من سيد الكرملين الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، على توفير الضمانات اللازمة لعودة مختلف اطياف النازحين السوريين الى بلادهم. ومن هذا المنطلق، أطلقوا منذ أشهر قريبة مبادرتهم لإعادة النازحين وذلك بناء على تحرك للرئيس المكلّف سعد الحريري مع موسكو، وبناء على رغبة الروس أيضاً في المساعدة في حل هذه المأساة الانسانية للشعب السوري. وكذلك انطلاقاً من ان اغلبية دول العالم تريد معالجة المشكلة التي تشكل مأساة لشعب هُجر منه اكثر من 6 ملايين نسمة في اصقاع الارض، اي في ٤٥ دولة. لكن مع كثرة المعوقات الدولية وتحديداً الاميركية والأوروبية التي توضع في وجه هذه المبادرة، ومع المبادرات الفردية التي تُقام في العالم ومنها سعي المديرية العامة للأمن العام وكذلك حزب الله في المجال نفسه، فهل يُكتب للمبادرة الروسية النجاح؟

 

حل منفرد للنظام وحزب الله

 

يُقسّم النظام السوري أزمة النازحين السوريين في لبنان إلى ثلاثة أقسام لا يقل أحدها خطورة عن الآخر. وهو في حالة التقسيمات التي اعتمدها والتي تقوم على فئة تريد العودة طواعية واخرى تتمنع لاسباب سياسية وأخيرة حائرة بين العودة والبقاء وذلك لأسباب نورد ذكرها لاحقاً، استطاع أن يتحكم بمصير جميع النازحين ودائماً تحت سلطة الدم وذلك بمعاونة حلفائه من خلال تبادل المعلومات حول من تنطبق عليه شروط العودة الآمنة ومن لا تنطبق عليه. وفي هذا الشق، يُعتبر حزب الله المُسهّل الأبرز لعملية عودة النازحين السوريين إلى سوريا، لكن الخدمات المجانية بالنسبة إلى الحزب في هذا الشق مرفوضة بشكل كُلّي، إذ ان <تأشيرات> العودة لا تُمنح عشوائياً لأي مواطن سوري بل ضمن عملية إحصاء لتحديد الجهات المؤيدة للنظام ومن هي ضده خصوصاً وأن دعوة اللجنة المُكلفة في <الحزب> لمتابعة العودة من خلال طلبات يتم إملاؤها في نقاط تم تحديدها سابقاً، جاءت بالتزامن مع دعوة وزارة الخارجية السورية  للذين اضطرتهم الحرب لمغادرة البلاد إلى العودة إلى وطنهم باعتبار بيان الوزارة أنه تم <تحرير> العدد الأكبر من المناطق التي كانت تحت سيطرة الإرهابيين.

المؤكد أن ثمة فئة من النازحين السوريين محسوبة على النظام السوري، لا تمانع على الإطلاق في العودة إلى سوريا اليوم قبل الغد سواء بدعوة من الأمن العام اللبناني أو حزب الله وتحت حمايته أو بطلب من نظام بلادهم، وهؤلاء سيعودون بالطبع إمّا إلى مناطقهم وبيوتهم، وإمّأ إلى مناطق أخرى جرى تأمينها لهم بحسب طبيعة الميدان والسيطرة عليها بين النظام وفصائل المعارضة المسلحة. وفي هذا الشق تؤكد مصادر من الداخل السوري  لـ<الافكار> أن قسماً كبيراً من العائدين إلى سوريا، يتم استيعابهم ضمن مناطق كان يسكنها معارضون تم ترحيلهم ضمن اتفاقيات بعد تنازلهم عن جميع ممتلكاتهم وأرزاقهم مقابل حياتهم مثل شمال حلب أو حمص والعديد من قرى القلمون مثل القصير ويبرود والنبك والسحل وعسال الورد وغيرها

الكثير من البلدات التي لم يجرؤ أهلها على العودة إليها بعد.

إلى أين يعود هذا القسم؟

 

هناك قسم يتمنّع عن العودة وهو حُكماً يُعتبر مُعادياً للنظام أو من المعارضين لسياسته وبالتالي يخضع هؤلاء لمراقبة دائمة وشديدة في لبنان على يد جهات عدة حليفة للنظام إلى حين تسوية أمورهم. وهنا تقول مصادر في المعارضة السورية مواكبة لعملية العودة: إن العائدين لا يُشكلون نسبة عالية بالنسبة إلى مجموع النازحين الموجودين على الأراضي اللبنانية سواء بشكل شرعي أو غير شرعي، فجزء كبير من هؤلاء لم يعد يمتلك منازل بعد ان سواها النظام وحلفاؤه بالأرض وبعد أن مسح معالم قراهم ومدنهم عن بكرة أبيها، كونهم أعلنوا وقوفهم إلى جانب الثورة منذ بداية الأحداث، وحتّى من لم يتمكن منهم من مساندة المعارضة، آثر الخروج من بلدته إما إلى لبنان أو الأردن أو تركيا، أو حتى إلى بلدان أوروبية خشية من بطش النظام، وهذا الامر يؤكد أنه من سابع المستحيلات عودة هذه الفئة في ظل الظروف الراهنة.

وتكشف المصادر نفسها، أن النظام كان قد سلّم حزب الله لوائح بأسماء معارضين له مع عناوين سكنهم في سوريا وطلب منه التدقيق في أماكن وجودهم في لبنان، وما إذا كانوا ضمن من يريدون العودة إلى بلادهم. وعلى الرغم من ان الحزب يحاول القيام بما يُشبه المصالحات بين هذه الفئة والنظام في سبيل تأمين عودة سالمة لهم، إلا ان جزءاً كبيراً من المعارضين إن لم يكن جميعهم، تنبهوا إلى الفخ الذي نصبه لهم النظام عن طريق استدراج العديد من المعارضين إلى سوريا وقتل عدد كبير منهم وزجّ معظمهم في السجون. وهذا ما كان حذّر منه وزير الدولة لشؤون النازحين في حكومة تصريف الأعمال معين المرعبي عندما كشف عن قتل عدد كبير من المعارضين السوريين العائدين إلى بلادهم.

 

جهود استثنائية للأمن العام اللبناني

أما على صعيد الدولة اللبنانية، فتلفت مصادر محلية إلى أن سياسة لبنان قائمة على أن أي مواطن سوري يُريد العودة إلى بلاده، سنكون معه بكل تأكيد. ولكن في المقابل أي شخص لا يُريد العودة لأسباب عدة، فلن تتم إعادته بالقوة. ولهذا نحن نعتبر ان العودة الكُبرى المنظمة للاجئين السوريين، يجب أن تخضع لجملة شروط أبرزها: أن تكون بالتنسيق مع الأمم المتحدة وأن تكون هناك ضمانات أساسية من الدول الكبرى والمعنية، حول الوضع الداخلي في سوريا وتحديداً الوضع الأمني. كما لا بد

من تقديم ضمانات من الدولة السورية نفسها بعدم مصادرة أملاك العائدين أو اعتقالهم. وهذا الأمر عادة تطالب به الأمم المتحدة قبل أي عملية عودة للنازحين. ولهذا ما زالت الأمم المتحدة تعتبر أن شروط هذه العودة غير مكتملة بعد.

أمّا بالنسبة إلى الدور الذي يقوم به الأمن العام اللبناني، فثمة جهود استثنائية على هذا الصعيد بدأت منذ اشهر طويلة في سبيل تأمين عودة آلاف النازحين السوريين إلى بلادهم، وسط تأمين مستلزمات تضمن سلامة هؤلاء أقله إلى حين بلوغهم الحدود السورية. وينطوي عمل المديرية هذا ضمن تخفيف العبء على لبنان الواقع في مجموعة ازمات، بعضها سياسي وبعضها الآخر اقتصادي واجتماعي، ومع هذا يلقى عمل الأمن العام ترحيباً واسعاً لكن مع تسجيل بعض التحفظات من بعض الاطراف التي لا ترى في العودة ما يضمن حياة جزء من هؤلاء في ظل وجود النظام الحالي. وهذه الأطراف كانت تُفضّل لو ان عملية العودة تمت بالتنسيق مع الأمم المتحدة لضمان سلامة النازحين وأمنهم.

 

حزب الله يلعب الكرة وحده

 

على خط العمل على حلحلة ملف النازحين في لبنان، يُحاول حزب الله إنعاش مبادرته بعدما دخلت في حالة موت سريري نتيجة تفرده بالملف من دون العودة إلى المجتمع الدولي أو أقله الدولة اللبنانية، وذلك في محاولة منه لإنعاش النظام السوري ومنحه صك براءة من الدماء التي سفكها، ومن عمليات التهجير القسري التي تسبّب بها لأبناء شعبه بفعل إجرامه وممارساته العدائية.

البعض شبّه حزب الله في إدارته لملف النزوح السوري في لبنان، بلاعب كرة القدم الذي يُمارس هوايته في حارة ضيّقة بعد أن وضع لها قوانين خاصة لا تتطابق لا بشكلها ولا بمضمونها مع القوانين التي وضعها الإتحاد الدولي لهذه اللعبة، وبذلك يُعرض الحزب نفسه لخسارة كبيرة على ملعبه وأمام جمهوره، وبالتالي قد يفقد أي رصيد في أي من النقاط التي كان يُمكن أن تؤهله للعب أدوار أخرى، ذلك لو كان تعامل مع الملف بحسب الأصول والأعراف المُتبعة التي وضعتها الأمم المتحدة. والأبرز أن الضربة القاضية التي أخرجت حزب الله من حالة أو محاولة تعويم حليفه، جاءت من الروسي شخصيّاً الخبير بكيفية صناعة اللعبة السياسية منذ زمن الإتحاد السوفياتي.

 

المنلا: الروس فاجأوا الجميع بمبادرتهم

<الروس فاجأوا الجميع بمبادرتهم المتعلقة بملف عودة النازحين السوريين إلى بلادهم>. بهذه الجملة يبدأ مستشار رئيس الوزراء سعد الحريري لشؤون النازحين الدكتور نديم المنلا حديثه لـ<الأفكار>. ويُضيف: الدولة اللبنانية رحبت بهذه المبادرة بعدما اطلعنا على الخطة ( 1 )، وقلنا إنه إذا تمكّن الروسي من إعادة 600 إلى 900 نازح إلى سوريا، فهذا أمر جيد ولبنان مستعد للتعاون بهذا المجال بكل رحابة صدر>.

ويُضيف المنلا: إن لبنان وضع نقطتين أساسيتين بمحادثاته مع الطرف الروسي. أولاً: الحصول على ضمانات منه أو من الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> شخصياً، يكفل من خلالها تأكيد الحكومة السورية على موضوع العفو والتخلي عن مصادرة الأملاك وعدم إجبار العائدين بالخدمة العسكرية وعدم إحتجاز أي شخص يعود إلى قريته أو مدينته. يعني طالبنا بالشروط الأساسية لمساعدة النازحين على اتخاذ القرارات بالعودة. أما الشق الثاني، فقد طلب لبنان من روسيا التعاون مع مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة كونهم يمتلكون من الخبرة ما يكفي وما يؤهلهم لمتابعة حركة مئات الاف النازحين وهم أيضاً لديهم الإمكانيات والمعرفة لكي يُكوّنوا اسباب النجاح لعملية بهذا الحجم وهذه الدقة>.

والطرف الروسي اصطدم لاحقاً بحاجز كبير إذ كان يتوقع ترحيباً اميركياً واوروبياً  بهذه المبادرة، وكان مطلوب روسياً من الطرفين الأوروبي والأميركي تمويل العودة، لكن الأوروبي والأميركي كانا حذرين ولم يتوقعا الوصول الى حل، كما اعلنت كل من اميركا واوروبا عن عدم استعدادهما لدفع مبالغ لإعادة إعمار سوريا من دون مواكبة عملية سياسية لها وبالتالي اصطدمت المبادرة  برفض أميركي واوروبي في عملية التمويل. ويوضح ان <مفوضية اللاجئين حضرت الإجتماع الأول لـ<سوتشي> بعد المبادرة الروسية وجرى خلاله حوار نتج عنه قناعات مشتركة توجت بالإجتماع الرباعي في اسطنبول بين الروس والأتراك والألمان والفرنسيين. الأوروبيون هنا تحركوا إيجاباً نحو رصد أموال لهذه العملية من خلال إعادة دمج النازحين بقراهم ومدنهم وبهذا لم يعد التمويل منوطاً فقط بإعادة إعمار سوريا ولكن أيضاً بإعادة دمج النازحين بقراهم ومدنهم، وبالمقابل توصل الروس إلى قناعة بأن هذه الأعداد الكبيرة يُمكن ان تعود بسرعة، ولذلك يمكن القول ان المبادرة الروسية

عادت وحملت زخماً جديداً  بسبب قناعات تكونت من جديد بفضل مؤتمر اسطنبول ومفوضية اللاجئين.

مفاجأة الفاتيكان تصدم لبنان.. ولكن

وحول ما صدر عن الفاتيكان منذ أيّام قليلة وقوله إن الدول لا تُريد عودة النازحين السوريين إلى ديارهم، يستغرب المنلا هذا الكلام ويضعه في إطار غير المقصود، وهو  كان خرج عن الفاتيكان أيضاً منذ اسبوع أو أكثر، لكن ما وصلنا أمس وقبل أمس من معلومات في هذا السياق، يؤكد أن المفوضية العليا للاجئين بنت مواقف حول كلام الفاتيكان، تتسم بالكثير من الإيجابية والجيدة. أمّا بالنسبة إلى الدور الذي يؤديه حزب الله على الصعيد نفسه، فيلفت المنلا إلى انه <كان يُفضل لو ان <الحزب> ظل بعيداً عن هذا الملف ولم يتدخل فيه. وعن الأسباب يشرح المنلا أن حزب الله لا يتمتع بصدقية لدى الشعب السوري ولا هم يرحبون بدوره للقيام بخطوات تتعلق بمصيرهم، على الرغم من إشاعة الحزب لأجواء مصالحات يقول إنه يقوم بها وإنه نجح إلى حد بعيد في تحقيق جزء منها بالتعاون مع النظام السوري. وهنا يجب التأكيد أن العلاقة بين حزب الله والسوريين لم تصل الى مرحلة الثقة وهناك شكوك بدوره. ولذلك لا بد من التأكيد على المبادرة الروسية التي نعتبرها أفضل حل حتى الساعة.

الحريري للروس: ليس وارداً فتح الباب مع النظام

الوفد الروسي الذي كان زار لبنان بهدف إزالة العقد من أمام عودة النازحين، كان عرض على الرئيس المكلف سعد الحريري ان يتم التنسيق اللبناني ــ السوري حول عودة النازحين، على مستوى حكومي، ومن دولة الى دولة، وليس فقط على مستوى الخبراء والتقنيين. انما الحريري كان واضحاً في هذا المجال، اذ قال للوفد، انه ليس وارداً فتح باب من التواصل الحكومي او الديبلوماسي مع النظام، اذ ان هذا الموضوع هو موضوع انقسامي وخلافي في البلد، وليس من مصلحة لبنان فتح نقاش، لأن النقاش سيزيد في الشرخ والانقسام، الى حد خطر حصول صراع فعلي. وتفهّم الروس هذا الموقف، ولاسيما ان الحريري عبّر امام الوفد انه عمل على التضحية الى ابعد حد من اجل لبنان، وهو ذهب الى سوريا من اجل لبنان، وسأل: ماذا فعل النظام بعد ذلك؟ اذ ليس هناك من ثقة للتعاطي مع هذا النظام ولن يتم ذلك التعاطي.

 الروسي اقتنع انه في المسائل الروتينية ليس لدى الحريري أي مانع في تسيير الامور بشكلها العادي والطبيعي. اما الامور الاخرى في القرارات الحكومية والعلاقات الخارجية والديبلوماسية على الصعيد الحكومي فهذا غير وارد. وموقف الحريري لن يتغير، وهو ومن يمثل من اللبنانيين لن يقبل بعودة العلاقات على اعلى مستوى. وعلى الصعيد الداخلي اللبناني، فإن التجاوب الروسي مع الحريري في موضوع اعادة النازحين، شكل رسالة في اكثر من اتجاه. فهي في اتجاه كل من دخل على خط المزايدة في السعي لاعادتهم، بحيث لا يمكن ان يتم تخطي دور الدولة والحكومة تحديداً في الموضوع. اذ بعدما سعى حزب الله والتيار الوطني الحر لإعادتهم قبل أن يتبيّن لاحقاً أن الهدف فقط كان انطباع بأن مؤسسات الدولة غير مؤهلة للتعامل مع هذا الموضوع وهذا غير صحيح.

 أما بالنسبة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، فقد عبرت مصادر عين التينة عن ارتياحه الكبير للمحادثات التي كانت دارت مع الموفد الرئاسي الروسي <ألكسندر لافرنتييف> في القصر الجمهوري، لاسيما أن الرسالة التي نقلها الموفد من دمشق أكدت استعداد الدولة السورية في المساعدة والتساهل إلى أبعد الحدود، بما يخدم إنجاح المبادرة الروسية. وكذلك التشديد على عدم التعرض للعائدين بأي شكل من الأشكال.

وتكمن أهمية المبادرة، بحسب أجواء عين التينة، بأنها جديّة وتشمل ملف النازحين في كل المنطقة، وتحظى برعاية دولية وإلا لما كانت قد سلكت طريقها نحو التنفيذ. واللافت أن الوفد الروسي الذي كان جاء مطالباً بموقف واضح من الجانب اللبناني، سمع بحسب مصادر عين التينة موقفاً موحداً جعل من الاصطفافات الداخلية حول هذا الملف لا قيمة لها.

وفي السياق نفسه، سأل مرجع وزاري عن دور المبادرة الروسية التي كان هدفها تسريع وتيرة عودتهم الى سورية؟ وماذا ايضاً عن اللجنة التي كانت ستضم كلاً من لبنان والأردن وتركيا لتنسيق آلية العمل؟ فهل أراد المجتمع الدولي ومن خلفه الولايات المتحدة وأد المبادرة قبل أن تولد؟ أم أن لروسيا في المرحلة المقبلة كلاماً آخر يناقض كل ما يُشاع؟