14 November,2018

المانيــا مـع الشرق العـربــي مــن ”هـتـلـــر“ الــى ”ادينــاور“!

 

بقلم وليد عوض

hariri merkel  2

المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> عندنا، يا مرحبا يا مرحبا، خصوصاً إذا كانت تملك مفاتيح الحل للنازحين السوريين الذين يربو عددهم على المليون ونصف المليون انسان، ويريد أكثرهم العودة الى الوطن، شرط أن تكون عودة مسيجة بالأمان، وتفادي الأخطار، وأن تجد العائلة السورية النازحة فرصة العمل المطلوبة لرب العائلة، والمدرسة الموصوفة لأبناء وبنات العائلة حتى لا يكونوا فريسة التشرد والضياع، فيعيش النازح المأساة مرتين: مأساة النزوح ومأساة عدم الوقوع في نزوح عن الانسانية.

ولبنان يتكل على ألمانيا لأن المستشارة <ميركل> تملك مفتاح الحلول، وهو المال. والتبرع للبنان بمبلغ 150 مليون يورو هو مجرد غيض من فيض. وألمانيا منذ المستشار <كونراد اديناور> في أعقاب الحرب العالمية الثانية تريد أن يكون لها باب مفتوح على هذا الشرق العربي، للتعويض عن هزيمة <أدولف هتلر>، برغم ان الرجل كان صديقاً للعرب، وحالة قصاص لليهود، ولكنه بالمقابل جعل لهم قضية <الهولوكوست> التي استغلتها اسرائيل ولا تزال حتى الآن وتزعم ان ضحايا نكبة اليهود مع ألمانيا تجاوزت المليون نسمة.

وعندما نفتح سيرة <هتلر> فإننا نكون قد فتحنا سيرة القائد النازي <رومل> الذي كاد يصل الى القاهرة من صحراء العلمين وهزمه الجنرال <مونتغومري>، ونفتح كذلك سيرة الحاج أمين الحسيني الذي التقى <هتلر> سنة 1941، وكانت له معه صورة تذكارية. كما نكون قد فتحنا سيرة القائد اللبناني فوزي القاوقجي الذي دخل في جبال الجليل خريف 1947 على رأس جيش الانقاذ. وكان في هذا الجيش المجاهد معروف سعد الذي أصبح نائباً عن صيدا، وورثه في النيابة ابناه المرحوم مصطفى، والنائب الحالي الدكتور أسامة صهر المصريين. ومن المستشارين الألمان الذين توافدوا على لبنان الهر <غيرهارد شرويدر> الذي امتلك ناصية الجغرافيا السياسية في لبنان ولكنه لم يتقدم بأي مشروع تغييري. وقد اشتهر الرئيس سليمان فرنجية على طول الخط باستذكار المستشار <لودفيك ايرهارد> واعتبره أفضل من تعاطى الملف الاقتصادي.

ولكن <أنجيلا ميركل> خطفت الضوء منذ ثلاث سنوات حين فتحت باب الهجرة أمام ثلاثمئة ألف انسان آتٍ من تركيا واليونان وبلغاريا. وقد واجهت بسبب ذلك موجة برلمانية معاكسة ولم تملك بعد ذلك إلا أن تتراجع عن الرقم!

 

درسوا في ألمانيا!

 

وفي طرابلس كان هناك من درس الطب في ألمانيا مثل الدكتور عبد اللطيف البيسار الذي أنشأ في بيروت عند منطقة الزيتونة فندق <نورماندي> الذي كان واسع الشهرة مثل فندق <فينيسيا> الآن. وكان الدكتور بيسار واسطة العقد بين الشباب الجامعي اللبناني والجامعات الألمانية، ولكن الخيوط الانشائية ما لبثت أن انقطعت بين لبنان وألمانيا بسبب تداعيات ما بعد الحرب العالمية الثانية.. ومن حسن حظ ألمانيا أنها ارتبطت مع لبنان بخلية ثقافية هي المدرسة الألمانية في رأس بيروت، وهي السفارة الألمانية الثقافية في لبنان، مع أنها لم تستطع أن تنشر اللغة الألمانية في مدارس لبنان كما هو واقع الثقافة الفرنسية والثقافة الانكليزية، ومع ذلك فإن مشاركة فرقة المانية في قوات <اليونيفيل> دليل على أن المانيا لا تتخلى عن لبنان، وما فرص العمل التي أعلنها الرئيس سعد الحريري للبنانيين في ألمانيا خلال لقائه بالسيدة المستشارة إلا مقدمة التلاقي الاقتصادي بين برلين وبيروت.

ولكن، هل كان بالإمكان الحصول على دعامات مالية أكبر من أجل النهوض بورشة النازحين السوريين؟ الجواب أن المانيا ليست مؤسسة خيرية، وحسب لبنان إنه ضرب صفحاً عن تجاوزات المدرسة الألمانية القديمة في طرابلس الأسواق، ولم يقف عند ما أثارته من تظاهرات في طرابلس. فالماضي مضى ولا سبيل الى تذكار الأيام الأسوأ. ومما أنتجته زيارة السيدة <ميركل> أنها وافقت الرئيس سعد الحريري على خلق فرص العمل لدعم النازحين السوريين ومشاركة القطاع الاقتصادي الخاص مع القطاع العام، وهي شراكة تحفظ للبنان سياسة النأي بالنفس. وتأمين عودة النازحين السوريين الى سوريا يفترض تهيئة الأجواء المطلوبة لهذه العودة، والتمسك بأهداب مؤسسة الأمم المتحدة بدءاً من القرار الدولي 1701 الذي يضبط الحدود الجنوبية مع اسرائيل، وتأمين الرخاء الاقتصادي للبنان في ظل منطقة تضج بعدم الاستقرار.

الرئيس عون والموت

aoun merkel  1

ومن محاسن الصدف أن تأتي صرخة النازحين السوريين في لبنان، وبحثهم عن سبيل كريم للعودة مع وجود <ميركل> في لبنان، فلا تكون هذه العودة الى أرض خالية من الأمان. وقد كانت المستشارة <ميركل> مسرورة جداً وهي تسمع الرئيس ميشال عون يقول لها بصراحة عن النازحين: <لا نريد أن نموت قبل أن يأتي أوان عودتهم>، كما كانت سعيدة بأن تسمع من الرئيس سعد الدين الحريري قوله إن لبنان لا يطلب للنازحين مالاً من ألمانيا، فنحن ضد سياسة التسول، بل ان لبنان يطلب من ألمانيا دعماً سياسياً واقتصادياً وشراكة عمل بين القطاع اللبناني العام والقطاع اللبناني الخاص، ومشاركة في المشاريع الانشائية في لبنان بين رجال أعمال لبنانيين ورجال أعمال ألمان.

وقد غادرت <أنجيلا ميركل> لبنان أصيل الجمعة الماضي وهي سعيدة بأن تكون قد سمعت من الرؤساء ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري كلاماً حافلاً بالمسؤولية وتحديداً لقدرة لبنان على دعم النازحين السوريين لأنه لا يملك وحده هذه القدرة.

عادت <أنجيلا ميركل> وهي مؤمنة بقدرة اللبنانيين على التماسك وترجموا لها شعراً عربياً عن التماسك يقول: <كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى خطب ولا تفرقوا أحادا/ تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت أحادا>.

وكانت الثغرة البارزة في زيارة <أنجيلا ميركل> للبنان هو عدم حصول لقاء لها مع وزير الشباب والرياضة محمد فنيش، أو مشاركة هذا الوزير في اجتماعات السراي، ذلك ان الرياضة في ألمانيا هي واحدة من ثروات البلاد والنشاطات الرياضية فيها دوارة كل يوم. ويمكن أن يكون التقصير ناتجاً عن البرنامج السريع للزيارة، ولكن يمكن المتابعة وفتح قنوات رياضية بين بيروت وبرلين. والأمر نفسه يمكن أن ينسحب على جمعية حقوق الانسان البرلمانية التي يرئسها النائب ميشال موسى وسحب حقوق الانسان على مخيمات النازحين.

على أي حال اكتشفت المستشارة الألمانية ان لبنان قيمة وطنية في مجال حقوق الانسان، وإلا ما كان للمسؤولين فيه أن يصبوا اهتمامهم على مخيمات النازحين واستقبال هذه المخيمات لنجوم سينما عالميين مثل <أنجيلينا جولي>.

والمهم بعد ذلك كله هو معرفة المكاسب التي سجلتها هذه الزيارة. إن المستشارة <ميركل> تعرفت الى بلد يضع حقوق الانسان فوق كل اعتبار، ويملك المؤهلات التي تسمح له بأن يكون وضعه مختلفاً عن أوضاع باقي أطراف المنطقة، وله طلاب وأساتذة في عقر الدار الألمانية، كذلك يحرص بعض العائلات في لبنان على إبقاء العلاقة مع ألمانيا على حد السيف، مرة موضع ترحيب، ومرة شجب ومناقشة وتلك هي حقوق الانسان. وفي تصور <أنجيلا ميركل> أن لبنان يستطيع أن يتكل على الأمم المتحدة للحصول على الدعم المطلوب لاستمرار العناية بالنازحين الذين هم جزء من حقوق الانسان. كذلك يستطيع لبنان أن يتكل على ألمانيا في الاسهام بتمويل مشاريع مؤتمر <سيدر> الذي انعقد في باريس لأنها تملك الامكانات المادية واللوجستية لمثل هذه المقررات.

وهناك الآن محاولات لإرغام الحريري على رمي القفاز وقلب الطاولة ولن يكون هناك غيره لتأليف حكومة جديدة إلا إذا اختار أن يؤلف حكومة تكنوقراط!

وهكذا تكون زيارة <أنجيلا ميركل> (64 سنة) قد أدت الغرض المرصود، والآتي من الأيام كفيل بكشف المراد!