19 July,2018

المؤلفة الموسيقية ومغنية الأوبرا هبة القواص: هذا هو مشروع العمر... وعيني وقلبي وروحي على إنشاء دار للاوبرا في لبنان!

Hiba Al Kawas Riyadh 7  eتجوب مسارح العالم في الزمن الصعب، آتية من خلفية موسيقية ثقافية لا تهادن. بالامس اقامت احتفالاً في المملكة العربية السعودية حضرته الاسرة المالكة والمثقفون والشباب، وقريبا تكون في جولة اوروبية على ابرز المسارح قبل ان تعود الى لبنان لاطلاق اكثر من مفاجأة، فما عساها تكون؟

في هذا الحوار الشيق مع المؤلفة الموسيقية والرائدة في الغناء الاوبرالي العربي هبة القواص كل التفاصيل لـ<الأفكار> وسألناها اولا:

 ــ ما هي أسباب الغياب عن الساحة الفنية لبنانيا وهل من ظروف فرضت ذلك؟

– لقد بدأت بجرحي ووجعي وهو غيابي عن لبنان قسرا ووجودي الدائم خارجه. الاسباب انتاجية بحتة. في كل عام افكر بإنتاج أقدمه في بلدنا وتستجد ظروف سياسية تجعلني اتراجع عن مخاطرة معينة خاصة اذا كانت مؤسستي هي التي تقوم به. كل الانتاجات الضخمة التي حققتها في السنوات الاخيرة في العالم العربي او في اوروبا ترافقها غصة عدم القدرة ان تكون في بلدي، وبالقدرة الانتاجية عينها التي تحصل خارجه… وعلى الرغم من ذلك انا مصممة على تقديم انتاج للبنان بالتعاون مع جهات راعية حتى ولو كان ابسط من الانتاجات الـ<اكسترافغانزا> التي نقدمها في الخارج بحيث يكون احتفالا بمقاييس رفيعة على أحد المسارح أو في احدى الاماكن المميزة في بيروت التي تملك قيمة تاريخية، وفي بالي اماكن معينة يمكننا ان نشيد فيها مسرحا خصيصا لهذه الليلة ولو كان في الهواء الطلق.

ــ ماذا عن احتفال السعودية الذي احييته وأهميته لك شخصيا؟

– عشت في <كونسرت> الرياض لحظة تاريخية بالنسبة لي لأكثر من عامل، ابرزها ثقة <الهيئة العامة للثقافة> بي في اول احتفال من هذا النوع الموسيقي يقدم في المملكة ما حملني مسؤولية كبيرة، وقد كنت في حالة رهبة في كل مراحل التحضير مع اختيارهم لاعمالي وموسيقاي الجامعة بين الشرق والغرب، بين العالمية والعربية، حتى أقدم العمل الاوبرالي العربي على المسرح، ومن الرياض… شعرت بفرح كبير ربطني اكثر بالمملكة التي تقدم هذا النمط الثقافي الموسيقي الغنائي. كذلك، فان الاقبال الشديد من قبل المستمعين السعوديين على الاحتفال جعلني اشعر بحب هذا الجمهور لموسيقاي واحتضانهم لها، اذ كانوا يعبّرون عن تفاعلهم واحيانا اسمعهم وانا على المسرح يرددون الأغنيات معي ويصلني صوتهم… انفتاح المملكة على الثقافة الموسيقية تحديدا هو بداية اشعاعات نور تجديدية تنطلق من هذا البلد الى العالم، اذ للمملكة ثقل كبير في اثرها السياسي والاقتصادي وأيضا الثقافي في العالم العربي المحيط بها والذي يتأثر بظروفها اكان انفتاحا ام انغلاقا، وحين يأتي انفتاحا، يكون املا يعطى للعالم العربي كله لانه بطبيعة الحال سينعكس في انفتاحات ثقافية أخرى ستأتي، والتأثير الايجابي الاهم انه يقف في وجه الاسفافات الحاصلة على غير مستوى مع التسطيح الفكري الكبير، ولعل هذا الانفتاح يكون المدماك الاول الذي يقف في وجهه.

ــ ما كانت أبرز محطات الاحتفال وهل من مقطوعات خصصتها به؟

– اختيار <الريبيرتوار> اتى خصيصا لهذه الليلة في الرياض من اعمالي السيمفونية الاوركسترالية او الغنائية الاوبرالية، وفي الوقت عينه اخذنا بالحسبان البعد الأكاديمي له، فنحن لم نكن في اي صرح، بل على <مسرح المؤتمرات في جامعة الاميرة نورا> مع كل ما تحمله هذه الجامعة من بعد تعليمي ثقافي واسم تاريخي، فكان <الريبرتوار> يشبه هذا الحدث والمكان ويتناسب مع جمهور تواق لحضور نمط يقدم له بشكل مباشر للمرة الأولى، كذلك خصصت في الوقت عينه عملين من التراث العربي اعدت توزيعهما اوركستراليا وتم تقديمهما بابعاد ادائية جديدة في الصوت.

ــ كيف يمكن وصف الجمهور الحاضر من حيث الأعمار والفئات وهل للشباب حصة فيه؟

 – الجمهور كان عظيما ومتنوعا وقد استقطب الاحتفال نخبة المجتمع السعودي من كافة الاعمار، بدءاً بالعائلة المالكة التي حضرت بكثافة وهذا ما اعطاني زخما معنويا كبيرا، فضلا عن مجلس شورى الدولة والأكاديميين والمفكرين والباحثين والكتاب وكتاب الرأي والنقاد والشعراء والادباء، وحضر الاحتفال مثقفو الرياض والعائلات الكبرى فيها، وما لفتني فعلا كان التنوع في الاعمار من سن 16 عاما الى 75 وهذا له دلالاته، وحتى فريق مؤسستي تعجب للأمر وراهن بأن الشباب سيتركون الاحتفال في بداياته فإذ بهم يبقون حتى النهاية ويلاقونني الى الكواليس لالتقاط الصور والتواقيع، وهذا يعطيني أملا بالمستقبل وبأن هناك شبابا يملكون ابعادا ثقافية ويتوقون للمختلف ولانماط موسيقية معينة اصعب من المتداول ومغايرة عن السائد لمثل عمرهم وهذا جميل جدا، اذ يبدو ان شدة التوجه الاستهلاكي في عالمنا جعلت الشباب يبحث عن حالة جديدة تعطيه ابعاداً أخرى لحالته النفسية والفكرية والعاطفية.

 الطوفان… والخطأ!

 

ــ تمشين بعكس السير موسيقيا وفنيا. هل تلمسين تبدلا في ذوق الجمهور اللبناني لناحية ما تقدمينه ولماذا يعتبر الكثيرون ان ما تقدمينه صعب للجمهور الشرقي؟

 – ربما امشي عكس التيار السائد في محيطنا واعلامنا، لكنني اسير من ضمن تياري الذي وضعني ربي فيه. انا اعمل بتلقائية في موسيقاي. حلمت بهذا المشروع من عمر مبكر. كنت في الرابعة من عمري لما بدأت بالتأليف الموسيقي ومن حينذاك بقيت موسيقاي تتطور حتى وصلت الى حيث انا عليه اليوم. انها فكرة متكاملة صقلتها بالدراسة والخبرة والسفر. لم اعتمد الافتعال يوما. موسيقاي تأتي كطوفان علي ولا اعمل على تركيبها، فلحظة الابداع هي لحظة هطول كبير في نفسي حيث تصدر الموسيقى لوحدها وصوتي يشبهني. اكتب أغنيات منذ عمر الست سنوات واؤديها ولا زلت في الاتجاه نفسه كصوت واداء وتأليف موسيقي مع فارق العمر والخبرة. اعتبار موسيقاي صعبة اعتبار خاطئ، فهناك مستمع لم يعتد على هذا النمط الموسيقي والسبب هو ربما تقصير مني في ايصال هذه الموسيقى اعلاميا، ولكن في احيان كثيرة التقي بأشخاص ليسوا من الوسط الثقافي او النخبوي ويعبّرون عن حبهم لموسيقاي ويسألونني عن غيابي عن الاعلام والتلفزيونات.

وتضيف حاملة جائزة <الابداع اللبناني>:

–  انني من خلال وسائل التواصل الاجتماعي حيث على صفحتي على <الفيسبوك> نحو مليونين وأربعمئة الف متابع، وانطلاقاً من مدى محبة الجمهور وتفاعلهم من مختلف أنحاء العالم العربي ومن اعمار مختلفة وجنسيات مختلفة، أرى ما يثبت العكس تماما… قد يكون العائق الكبير هو عدم حضوري الدائم في لبنان من ناحية، وعدم تكثيف حضوري الاعلامي من ناحية أخرى… وفي فترة من الفترات كنت ارفض أي اختلاط غنائي أو موسيقي بأنماط أخرى بعيدة عنها فلا اكون في المكان او الزمان عينه، واذا عدنا 20 سنة الى الوراء كانت الكلاسيكية السائدة في التفكير أن هناك تفاصيل لا يمكن تخطيها، لكن وللحقيقة، ان سرعة التحول التي حدثت في عصرنا جعلت الممنوعات مسموحا بها فجأة، وما كان ممنوعا اعلاميا بات ممكنا، لذلك ستجدونني في الفترة المقبلة أقوم بتغيير في التوجه الاعلامي وليس في الموسيقى – الغنائية بالطبع.

ــ محاولات الاوبرا عربيا ولبنانيا لا تزال تجهد لتثبت حضورها. بغير عدم اعتيادنا عليها وتشربنا لها ما الصعوبات الأخرى التي لا تزال امامها؟

 – شخصيا لدي الكثير من الاغنيات غير الصعبة على المستوى الاوبرالي. ليست <ارياز> بقدر ما هي أغنيات عربية حديثة يمكن وصفها بالنابعة من النمط والغناء العربي. هذه تصل ببساطة للمستمع العربي واذنه من دون تعب، وهي بالاساس من اكثر الأغنيات المتداولة لي <اون لاين> لدى المستمعين. يبقى الاوبرا البحتة والاعمال السيمفونية الدرامية الكبرى التي قدمت في اهم المسارح، وعزفتها ابرز اوركسترات العالم ومنها رويال ولندن وبولشوي وبراغ اوركسترا، وهي تصل بالتأكيد لهواة هذا النوع… يتوجب علينا التوعية ونشر الموسيقى وانماطها المختلفة لأكبر عدد من الناس ليس في لبنان وحسب بل في العالم العربي كله، واستطيع القول انني قدمت مقطوعات اوركسترالية سيمفونية في الرياض نالت اعجاب المستمعين بشكل عالٍ جدا وهذه كانت فرحة كبيرة، ذلك ان الناس لم تتجاوب فقط مع الأغنيات بل مع الاعمال السيمفونية التي قدمت ايضا.

وتشرح هبة اكثر:

 ــ  بالنسبة الى الاوبرا العربية فقد عملت منذ بداية التسعينات على ايجاد التقنية المناسبة ان كان لصالح كيفية الاداء الصوتي مع الحرف العربي، وان كان لصالح التأليف الموسيقي وتعامله مع الحرف العربي، وان لناحية الايقاع الموسيقي وتعامله مع الموسيقى الشرقية العربية وخصوصيتها في الكتابة والبناء الموسيقي. هذه التجربة قطعت مرحلة كبيرة جدا ومن خلالها عبرت الاوبرا العربية الى مسارح عديدة في العالم وتم احتضانها. كمثال على ذلك، قمت بتقديمها في دار الاوبرا الفرنسية في العام 2007 وفي صروح ومسارح عالمية… هذا النمط الغنائي مهم جدا بالنسبة لي، خاصة وان هناك مغنين كبارا من حول العالم حاضرون لاستخدام هذه التقنية والغناء وفقها وهم يرغبون في تقديم الاوبرا العربية.

واضافت:

– ان تحديات الأوبرا العربية حاليا تكمن في كيفية انطلاقها من عندنا الى العالم وليس فقط باصواتنا ولكن بأصوات عالمية وغير عربية، مع علمنا المسبق بمدى صعوبة هذه اللغة من ناحية النطق والكلام والاداء والخصوصية. فأنا استخدم الشرقية العربية للتطريب ضمن الاوبرا، وهذه الحالة الغنائية الشرقية التي يجري وضعها في الاوبرا لها تقنية اكاديمية اوجدتها، وستكون هي بداية الطريق لتدرس عندنا او في الجامعات خارج لبنان كما في اميركا واوروبا، وبذلك تضحي الاصوات غير العربية قادرة على غناء الاوبرا العربية… هذا مشروع العمر! لقد بدأت بهذه التقنية وفي الفترات المقبلة ستتوسع انطلاقتها اكثر واكثر لاصوات عربية وغربية وستكون هناك مفاجأة قوية جدا في هذا المجال.

وبحماسة تضيف هبة:

 – على مستوى آخر يبقى الوقت هو الأمر الذي يحتاجه هذا النمط لان كل الاوبرات اخذت مجالها حتى وصلت الى مكانتها، فلما كتب <موزارت> الاوبرا الالمانية بعد الايطالية هاجمه الجميع ولم تستوعب الناس ما يقوم به معتبرين ان هذه اللغة ليست للغناء الاوبرالي، فيما اصر هو وبقيت تتطور حتى وصلت الى <فاغنر> وغيره، فكيف بالحري مع موسيقى عربية لها خصوصيتها وحرفها العربي المختلف تماما؟ الأمر يتطلب وقتا بالتأكيد، وانا قطعت شوطا تأسيسيا كبيرا للانطلاقة الكبيرة التي حضرت لها وستكون في خلال السنتين المقبلتين.

 

خطة…!

ــ هل يقدم عصرنا الحالي تسهيلات للاوبرا والتأليف الموسيقي مع انتشار الفضائيات (ميززو مثلا) وامكانية مواكبتها عبر الانترنت ما يجعلها اقرب للعامة؟

– يقدم عصرنا تسهيلات كبيرة لكن الصعوبات أكبر لأن الاستهلاك هو السائد في العالم أجمع، والثقافة الى تسطيح، وكأن هناك خطة لجعل الناس عبيدا للاستهلاك، فيحول الإنسان إلى أقل ما هو عليه، والسؤال هو: إلى أين يؤخذ هذا الانسان؟… صحيح ان هناك قنوات مثل <ميززو> وغيرها لكن الاستهلاك يكتسح، وفي بعض الأماكن يتم إقفال دور أوبرا ومسارح بسبب البحث عن الربح، فالدول التي تقتصد، تقتصد في الثقافة بينما يبقى الصرف على أمور أخرى بحجة وجود تقشف، وكأن الإنسان هو المقصود في كافة أصقاع الأرض! مؤكد في أوروبا وأميركا نجدهم محصنين أكثر بسبب وجود عدد كبير من المسارح والمعارض ودور الأوبرا.. يجب التنبه الى عقول الشعوب وبخاصة الشعوب العربية وتوعيتها فيصبحون متحكمين بدل أن يساقوا في الأسواق العالمية… في لبنان ظاهرة انتشار قناة <ميززو للموسيقى> وطلبها مؤشر مهم على تمسك البعض بالبعد الجمالي الاصيل وهذا امل كبير، ومن المهم جدا أيضا نشر الوعي منذ نعومة الاظافر، وقد سبق ان اقرت خطة تعليمية لبنانية شاركت بوضع منهاجها والفناها وكتبناها ولكنها توقفت لاسباب سميت بالمادية، آمل أن تعود لأهميتها الكبيرة.

ــ كانت للفنان غسان صليبا <أوبرا عنتر وعبلة>، هل تسنى لك الاستماع اليها وكيف يمكن تقييمها؟

– بالنسبة لـ<عنتر وعبلة> فلم استطع متابعتها لأنني كنت خارج لبنان ولكن هي من المحاولات التي دعمتها من خلال تقديم كافة التسهيلات اللازمة من الكونسرفاتوار الوطني بصفتي عضو مجلس ادارة فيه… فيها ظروف تقنية يلزمها تطوير على مستوى الصوت والكتابة وطريقة التعامل مع اللغة العربية وهذا طبيعي للعمل الأول، الا انهم يستحقون التقدير على عملهم، وغسان عمل على النمط الغنائي وليس الأوبرالي والذي يشبهه وقد أحببته فيه، وهو دائماً صاحب صوت جميل.

ــ لـو تسنى لك ترجمة اوبرا وتقديمها باللغة العربية ايها تختارين؟

– مع انني لست من هواة الفكرة لان الموسيقى مرتبطة بالكلمة وتقطيعاتها وحروفها وايقاعها وحضارتها الا انني اختار مقطوعات من اوبرا <توسكا> وقد اختار أيضا اغنيات عالمية من خارج نطاق الاوبرا.

ــ هل يمكن ان نراك في عمل مسرحي في لبنان من دون ان يكون مختصا باللون الذي تقدمينه؟

– ممكن أن تروني في أنماط جديدة أحضرها حاليا وستشكل مفاجأة، كذلك سبق وقدمت عملا مسرحيا ضخما العام 2014 في مسقط بعنوان <أنوار الأندلس> اتمنى ان يقدم في لبنان، وقد جمع الاندلس العربي والاوبرا الاندلسية ومختلف انماط الرقص والموسيقى والغناء في توليفة موسيقية ضخمة اعددتها وتخطت الـ250 فناناً على المسرح، ولم نأت به الى لبنان لظروف انتاجية للأسف مع أملي بأن نراه فيه، وهناك مفاجأت عديدة اعد لها، بينها اطلاق اسطوانة قريبا باتت جاهزة فضلا عن جولة اوروبية حتى نهاية تموز/ يوليو المقبل، كما اعلن لكم عن عمل ضخم جدا سيتم اطلاقه من خلال مؤتمر صحفي وسيشكل مفاجأة عالمية ومحلية وهو يجسد خلاصة الفكر الموسيقي الذي عملت عليه حتى اليوم…

ــ جبت مسارح العالم، عينك على اية امكنة بعد؟

– جبت مسارح العالم ولي وقفات تاريخية تعني لي كثيراً وآمل أن اكون في اخرى مهمة جدا وقد تحصل قريبا، الا ان عيني وقلبي وروحي تبقى على وجود <اوبرا هاوس> في لبنان أقدم منها عملي الى العالم كله!