20 October,2018

الليرة اللبنانية ”يا جبل ما يهزك ريح“!  

بقلم خالد عوض

riad-salameh  

قال الرئيس الأميركي <باراك أوباما> منذ أيام ان سعر النفط المنخفض يشكل فرصة لفرض ضريبة على البنزين يمكن أن تساعد كثيراً في نهضة قطاع النقل في الولايات المتحدة. لو قال <اوباما> انه يمكن أن يستحدث ضريبة على البنزين من أجل تمويل نفقات مرتبات أو إجراء انتخابات أو ترحيل نفايات لكانت المطالبة باستقالته أصبحت على لسان كل أميركي. منتهى الوقاحة أن يعلن المسؤولون السياسيون في لبنان أنهم يريدون تمويل نفقات لا علاقة لها بالنقل والمواصلات عن طريق ضريبة على البنزين. فالوفر الذي تحقق من جراء انخفاض أسعار النفط أكثر من مليار دولار سنوياً، وبالتالي يزيد بكثير عن كلفة ترحيل النفايات وكلفة تثبيت موظفي الدفاع المدني وكلفة إجراء الإنتخابات، مجتمعة. وحتى لو افترضنا أن هذا الوفر هو لتخفيف العجز في الموازنة وبالتالي الدين العام وتعويض التراجع في ايرادات الخزينة، إلا أن المطلوب أقل من ٢٥ بالمئة منه لتحقيق كل ذلك، فلمَ التفكير أساساً في فرض ضريبة على البنزين؟ إنه مع الأسف العمى الاقتصادي في الحكومة ومكوناتها والإصرار على سياسة تحصين الفساد عن طريق الهروب إلى الأمام.

ألا تكفي زحمة السير الخانقة وضياع الوقت والإنتاجية من جرائها للتفكير في سياسة نقل عام متكاملة تبدأ بتطوير <مترو> في بيروت وإحياء السكك الحديدية لتسيير قطارات تربط شمال لبنان بجنوبه وشرقه بغربه؟ ساعتئذٍ يمكن أن تنزل إلى الشارع تظاهرات التأييد لضريبة البنزين لأنها ستكون ضريبة إنتاجية واستثمارية تؤدي إلى خلق آلاف فرص العمل وإلى تخفيف الهدر في الإنتاجية العامة في البلد. فالنمو الاقتصادي بحاجة اليوم إلى دفعة، والضريبة على البنزين بل أي ضريبة أخرى في هذه المرحلة يجب أن تكون من أجل النهوض بالحالة الاقتصادية وليس باتجاه المزيد من الإنهيار أو الفساد.

والانهيار هو العنوان <التخويفي> الذي أصبح يتنافس عليه كل من يتكلم بالاقتصاد في لبنان مع أن الصورة المالية أكثر من جيدة. نعم هناك مخاوف كبيرة في ظل استمرار التراجع الاقتصادي، والزيادة الكبيرة في عجز ميزان المدفوعات بسبب تراجع الاستثمارات والتحويلات من دول النفط، ولكن هناك بعض الأرقام المهمة التي تشير إلى إيجابيات كبيرة:

علي-حسن-خليل--1فالاحتياطي من العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان ما زال فوق ٣٧ مليار دولار، ناهيك عن أكثر من ١٠ مليار دولار من الذهب، مما يعني أن الليرة اللبنانية في موضع < يا جبل ما يهزك ريح>.

كما أن مستوى التضخم قريب من الصفر أي أن الأسعار في البلد شبه مستقرة، ولو توافرت رقابة عليها كما يجب، لكنّا شهدنا تراجعاً ملحوظاً في الأسعار كلها وليـــــــــــــــــــس فقط في البنزين. فالانخفاض في الواردات هو أكثر من ٤ مليار دولار سنوياً مقــــــــارنة بما كان عليه عام ٢٠١٢، منها أكثر من مليار دولار وفر في ارتفاع سعر صرف الدولار (والليرة) مقابل العمـــــــــــــلات الأخرى.

وإذا نظرنا فقط إلى انخفاض أسعار المحروقات نجد أن القدرة الشرائية عند المواطن اللبناني زادت أكثر من ٥ بالمئة في ٢٠١٥.

ليس المقصود من هذا الكلام تجميل الواقع المرّ، ولكن هناك فرصة اقتصادية مهمة اليوم من جراء الانخفاض في أسعار النفط. والكلام عن انهيار اقتصادي هو إضافة سواد إلى الصورة المهتزة أساساً ولكنه غير دقيق بالمطلق، إذ يكفي النظر إلى ما تعانيه البنوك الأوروبية اليوم من أزمات ومن تراجع كبير لأسعار اسهمها، ومقارنة ذلك بالقطاع المصرفي في لبنان ليتبين مستوى الأمان المالي الذي ننعم به. المشكلة الحقيقية هي أن الهوة أصبحت كبيرة بين الأداء المالي والأداء الاقتصادي، ومن غير الممكن الاستمرار في الاعتماد على القطاع المالي كرافعة وحيدة للاقتصاد.

الاقتصاد اللبناني يعاني ولا أحد يمكنه أن ينكر ذلك. والفراغ القاتل في رئاسة الجمهورية مواكب مع حكومة فاشلة في كل الميادين، ومع غياب جبان للمجلس النيابي. كل ذلك يثقل الاقتصاد بأعباء لا يمكن أن يتحملها أي بلد. ولكن في المقابل هناك مناعة مالية قياسية يصح أن تُسجَل في موسوعة <غينيس>، فالليرة اللبنانية لم ولن تهتز رغم كل ما يجري في الداخل ومن حولنا، بل ان استقرارها يمكن أن يزداد ثباتاً مع ارتفاع سعر الذهب.