24 October,2017

الليرة اللبنانية إلى ست سنوات جديدة من الاستقرار!

 

بقلم خالد عوض

riad-salameh

إذا كان هناك من إنجاز للحكومة الحالية هو عقدها النية للتجديد لحاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة. قيل الكثير عن الحاكم ومؤخراً كان الهدف الأول للإنتقادات المباشرة بسبب <الهندسة المالية>، واتهامه بمساعدة بعض المصارف حتى تصحح وضعها، ولكن العبرة في النتائج منذ منتصف تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم.

عندما عين على رأس حاكمية مصرف لبنان في أول آب (أغسطس) ١٩٩٣، كان احتياطي العملات الأجنبية يناهز ٣٠٠ مليون دولار، أما اليوم وبعد أقل من ٢٥ سنة أصبح هذا الرقم ٣٩ مليار دولار أي أكثر ١٢٠ مرة ما كان عليه قبل سلامة.

سعر الليرة لم يتزحزح رغم كل ما مر به لبنان من حوادث وأزمات.

في نيسان (أبريل) ١٩٩٦، عانى لبنان من أحد أسوأ الاعتداءات الإسرائيلية في عملية <عناقيد الغضب> ومجزرة <قانا>، حيث كانت أول هزة حقيقية لمسيرة النمو التي اطلقها الرئيس الشهيد رفيق الحريري. صمد سعر صرف الليرة يومئذٍ رغم كل التشاؤم الذي حام حول البلد.

مع انتخاب الرئيس اميل لحود وإزاحته للرئيس الحريري عن رئاسة الوزراء، انكفأ الخليجيون عن البلد وظن الجميع أن الليرة ستنهار لأنها كانت ليرة الخليج ورفيق الحريري. خاب ظن كل المضاربين وصمدت العملة اللبنانية مع أن الاقتصاد حقق أقل معدل نمو منذ نهاية الحرب إذ لم يتجاوز معدل النمو ١ بالمئة سنويا خلال كل عهد الرئيس لحود.

تحت جنون غارات رئيس وزراء العدو <ايهود باراك> الذي ظل يقصف لبنان وبنيته التحتية ومحطات الكهربــــــــــــــــاء عامي ١٩٩٩ و٢٠٠٠، ظن الجميع أن لبنان عاد إلى الوراء… ولكن الليرة ظلت ثابتة.

رغم كل ما رافق حملة التمديد للحود من ضغوط سياسية ومالية عام ٢٠٠٤، وخروج الحريري مجدداً من رئاسة الحكومة، لم تتأثر العملة.

اغتيل رفيق الحريري في شباط (فبراير) ٢٠٠٥، وكان الاعتقاد السائد أن ليرة رفيق الحريري ستموت معه ولكنها صمدت أيضاً وأيضاً.

ثم جاءت مرحلة الاغتيالات من ٢٠٠٥ إلى ٢٠٠٧ وساد الشلل كل المؤسسات في هذه الفترة وحلت حرب تموز (يوليو) ٢٠٠٦ مع إسرائيل وتبعها احتلال الناس لوسط البلد، ولكن الليرة ظلت ثابتة وكأن شيئا لم يكن.

ضربت الأزمة الاقتصادية العالمية عام ٢٠٠٨ كل اقتصادات وماليات ومصارف العالم، ولكن لبنان ونظامه المصرفي نجا منها تماماً وكأنه كان مستعدا لها.

حتى مع الانقلاب الأسود على الحريري الإبن، سعد، في كانون الثاني (يناير) من عام ٢٠١١، ودخول الاقتصاد مجدداً في مرحلة كساد قياسي لم يبتعد فيها النمو الاقتصادي عن الصفر إلا قليلاً، لم يتزحزح سعر صرف الليرة قيد أنملة.

مع بداية الحرب السورية واكتساح مئات آلاف النازحين السوريين للبلد وتعرض مناطق لبنانية كثيرة لهجمات ارهابية كبيرة، واهتزاز الوضع الأمني عدة مرات، ساد الاعتقاد أن الليرة ستدفع ثمن الانقسام السياسي الحاد الذي أصاب البلد ولكن ذلك لم يحصل.

منذ ايار (مايو) ٢٠١٤ وحتى تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٦، أي خلال سنتين ونصف السنة تقريباً، وقع لبنان لأول مرة في تاريخه تحت وطأة الفراغ الرئاسي، ولكن الليرة أبت أن تخاف من ذلك إلا قليلاً، وجاءت <الهندسة المالية> لتطمئن الأسواق أن العملة اللبنانية في أمان.

أي حدث من الأحداث المذكورة كان كفيلاً بإسقاط العملة في أي بلد. أنظروا ماذا حل بالجنيه المصري أو بالليرة التركية، رغم أن البلدين لم يمرا بنصف ما مر به لبنان.

هناك عامل واحد ثابت خلال كل هذه الفترة، اسمه رياض سلامة. منذ ١٩٩٣ وحتى اليوم ومهندس الاستقرار النقدي هو نفسه، ينجح في فصل سعر الصرف عن السياسة والاقتصاد وحتى عن الأمن والحروب.

لا يحمل رئيس البنك المركزي اللبناني عصا سحرية ولا يخلو سجله من بعض علامات الاستفهام، ولكنه الشخص الوحيد في الإدارة اللبنانية كلها منذ ربع قرن، الذي إذا حوكم وفق النتائج فسيأتي الأول بتفوق على الجميع. لا ينطبق ذلك على أي سياسي في البلد ولا على أي شخص تبوأ مركزاً متقدماً في السلطة منذ <إتفاق الطائف>. وإذا أضيف إلى إنجازاته في استقرار العملة، نجاح إعادة هيكلة <شركة طيران الشرق الأوسط> في نهاية القرن الماضي، والتحفيزات الاقتصادية التي قام بها وحقق من خلالها الاقتصاد بعض النمو، لتأكد أن رياض سلامة هو شخص إستثنائي بكل المقاييس.

لا تلوموه على الدين العام أو الفساد أو الشلل الاقتصادي أو عجز الموازنات. كلها أمور مرتبطة عضوياً بالأداء السياسي، بل هناك حقيقة أمرّ اليوم وهي أن الاقتصاد اللبناني أصبح مرتبطاً بالأزمة السورية، أي أنه من الصعب تحقيق أي نمو إذا لم تظهر بوادر الحل في سوريا، حتى لو اتفق الجميع على قانون الانتخاب وحصلت الانتخابات وتألفت حكومة حريرية بعد الانتخابات. ولذلك فإن المحافظة على الاستقرار النقدي في ظل الأزمة السورية والانكماش الاقتصادي القاتل يعتبر معجزة بحق.

 مبروك لليرة التجديد للحاكم، وهنيئاً للبنانيين بست سنوات جديدة من الاستقرار النقدي، وأطال الله بعمر رياض توفيق سلامة.