19 September,2018

اللقــاء مــع السفـــراء فــي بعبـــدا لـــم يـــرضِ عــــون: ”موقفهم غير موقفنا“... لكن أمن لبنان فوق كل شيء!

عون-السفراء-الديبلوماسيين---aما بدأه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون من تحرك في نيويورك وباريس لمعالجة قضية النازحين السوريين في لبنان، لم يتأخر في استكماله وفق ما كانت <الأفكار> قد أشارت إليه في عدد سابق، فأتى استدعاؤه لسفراء الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وممثلة الاتحاد الأوروبي في لبنان، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة، وممثل جامعة الدول العربية، ترجمة عملية للرغبة الرئاسية في إخراج هذا الملف الشائك من <غياهب> النسيان وإبقائه <حياً يرزق> لإدراكه بأن معاناة لبنان مع النازحين لن تنتهي على خير إذا لم يتم التوصل الى حلول عملية لأوضاعهم تكون بدايتها من خلال تلقف المجتمع الدولي والأمم المتحدة هذه المسألة بذهنية الحل القائم على العودة ولو تدريجاً، وليس التمسك الى حين التوصل الى حل سياسي أو أمني للأزمة السورية.

مداخلة الرئيس عون أمام السفراء لم تكن <مداخلة مجاملة> ولا هي كلمات عامة تحتمل تفسيرات عدة غب الطلب، ذلك أن رئيس الجمهورية قدم للسفراء معلومات وتقارير وأرقاماً غير قابلة للتشكيك بصحتها – كما كان يحصل سابقاً – محذراً من انفجار الوضع في لبنان إذا بقي ملف النازحين من دون حل، ولافتاً الى أن هذا الانفجار لن تسلم منه دول أوروبا الأقرب الى لبنان، لأن خروج النازحين عن الإطار المضبوط القائم حالياً – على رغم بعض التفلت – سوف يضعهم في مواجهة مع الدول لأن بقاءهم إذذاك في لبنان لن يكون سهلاً وخروجهم في اتجاه سوريا لن يكون ممكناً، لاسيما في ظل استمرار الوضع السياسي والعسكري على حاله، ولن يبقى أمام النازحين إلا البحر ينتقلون منه الى الدول الاوروبية المجاورة مع ما يعني ذلك من تمدد ودخول غير شرعي الى دول أوروبية.

لماذا تهديد النازحين الراغبين بالعودة؟

 

وقد أراد الرئيس عون في كلامه أمام السفراء التشديد على أن مقاربته لملف النازحين لا تهدف الى وقوفه مع فريق من اللبنانيين ضد آخر، بقدر ما تهدف الى إيجاد حالة وطنية شاملة تواجه المخاطر التي يرتبها وجود النازحين السوريين والتي لم تعد تقتصر على العدد الكبير من النازحين فحسب، بل أصبحت تشمل ممارساتهم وارتكاباتهم الجنائية، ناهيك عن وجود خلايا إرهابية نائمة في عدد من المخيمات وأماكن تجمّع النازحين والتي دهمها الجيش أكثر من مرة وصادر أسلحة وذخائر ومتفجرات… وصارح الرئيس عون السفراء بأن ما يقوم به من تحرك هدفه مصلحة لبنان وليس مصلحة أي طرف ولاسيما مصلحة الدولة السورية، معتبراً أن لبنان هو الذي يتحمّل وزر النازحين وممارساتهم وتداعيات وجودهم اقتصادياً وسياسياً وأمنياً واجتماعياً وصحياً إلخ… أما سوريا فقد تكون <مرتاحة> من وجود سوريين خارج الأراضي السورية، لذلك حرص رئيس الجمهورية على القول للسفراء أن أي دعم دولي للبنان في ملف النازحين يجب أن يصب في خانة تسهيل عودتهم الى بلادهم ونقل المساعدات التي تقدم لهم في لبنان الى الأماكن التي سيحلون فيها في سوريا، لأن نسبة كبيرة من النازحين يغادرون شهرياً الى سوريا ويعودون عند موعد توزيع المساعدات العينية والبطاقات المالية التي تمكّنهم من شراء مأكولات و<مونة>.

إلا أن أكثر ما أثار ممثلي الدول الحاضرين فقد كان استغراب الرئيس عون كيف أن ممثلي المنظمات الدولية يزرعون الخوف في نفوس النازحين الراغبين في العودة الى بلادهم وينقلون معطيات ومعلومات لا تشجعهم على العودة، معتبراً أن مثل هذه المواقف تطرح علامات استفهام حول الأسباب التي يلجأ إليها ممثلو المنظمات لـ<تخويف> النازحين مغادرة لبنان والالتحاق بالأماكن المستقرة والآمنة في سوريا أو الى بلداتهم وقراهم التي تحررت من الإرهابيين، علماً أن مساحة الأراضي المحررة باتت تفوق 86 بالمئة من الأراضي السورية، وثمة عائلات موجودة في لبنان أبدت رغبة في مغادرته وطالبت المنظمات الدولية بتسهيل عودتها، إلا أن رد هذه المنظمات كان سلبياً وتحذيرياً بأن <الحرب لم تنتهِ بعد>!

مسألة أخرى حرص الرئيس عون على اطلاع السفراء عليها وهي أنه في تحركه لا يدخل في التفاصيل المتعلقة بإمكانية حوار بين الحكومة اللبنانية والنظام السوري لمعالجة قضية النازحين، لأن مثل هذه المسألة سيادية ولا علاقة للمجتمع الدولي بها، والحوار – إذا حصل – يكون بقرار لبناني فحسب، وبالتالي فإنه بذلك تجاوز الانقسام الحكومي حول الحوار مع سوريا، وذهب الى حد تدويل الملف من خلال الدعوة كي يتحمل المجتمع الدولي ومعه الأمم المتحدة هذه المسؤولية التي لا يمكن التساهل فيها، خصوصاً بعدما بات النازحون السوريون يشكلون 37 بالمئة من عدد سكان لبنان (من دون أن تشمل هذه النسبة اللاجئين الفلسطينيين)، وان في الكيلومتر المربع الواحد 153 نازحاً سورياً، وأن 60 بالمئة من العدد الاجمالي للموقوفين في لبنان هم من السوريين. أما في التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، فالأرقام التي أوردها الرئيس عون أمام ممثلي الدول والمنظمات الدولية والاقليمية فركزت على انخفاض النمو في البلد من 8 بالمئة العام 2010 الى 1,1 بالمئة في العام 2016، وبلوغ حجم الدين العام 146,5 بالمئة، فيما بلغ عجز المستشفيات الحكومية جراء كلفة النازحين 15 مليون دولار أميركي، وان 48 بالمئة من المسجلين في المدارس الحكومية من التلامذة هم من غير اللبنانيين، ووزارة التربية بحاجة الى 25 مليون دولار زيادة على الهبات لسنة 2018، كما أن ارتفاع نسبة الولادات بين النازحين قياساً بولادات اللبنانيين كان ملحوظاً، فضلاً عن أن 85 بالمئة من النازحين يعيشون تحت خط الفقر، وارتفاع البطالة في صفوف الشباب اللبناني قد تجاوزت 35 بالمئة بعدما كانت 11 بالمئة في العام 2012.

أمن لبنان يتقدم على أمن النازحين

وبصراحة كاملة ختم الرئيس عون مداخلته أمام السفراء بالقول <إن أمن لبنان يتقدم بأهميته على أمن النازحين السوريين، ومهما كانت المواقف الدولية من مسألة عودة النازحين، فإن لبنان لن يتوقف عن المطالبة بإعادتهم الى بلادهم، ومن الأفضل أن يتعاون المجتمع الدولي معه في هذه المهمة التي تحفظ السوريين في أرضهم وتجنب لبنان تداعيات معاناتهم، لاسيما وانها تجاوزت الخطوط الحمر بكثير.

وتقول مصادر ديبلوماسية تابعت اللقاء مع السفراء، إن المداخلات التي أدلى بها السفراء والتي لم تكن مكتوبة، باستثناء مداخلة ممثل جامعة الدول العربية السفير عبد الرحمن الصلح، لم تحمل جديداً بل أتت تكراراً لمواقف سابقة معروفة سبق للرئيس عون أن سمعها من السفراء خلال لقاءاته الإفرادية معهم، وهي حفلت بالتأكيد على أن الوضع الأمني في سوريا لا يسمح بعد بالعودة، وان ثمة ممارسات للنظام <لا تطمئن> العائدين، فضلاً عن طروحات تتناول تفسير <المناطق الآمنة> و<المناطق الأقل توتراً> و<العودة الطوعية>، وهي مسائل كان الرئيس عون حاسماً لجهة التأكيد على الموقف الرئاسي منها، والذي لم يتناغم مع مواقف السفراء الى درجة قال الرئيس عون عندما سُئل في مجلس الوزراء عن حصيلة اللقاء مع السفراء بأنه لم يكن راضياً عنها كثيراً <لأنهم هم في مكان… ونحن في مكان آخر…!>.

هل من خطة لإبقاء النازحين؟

وتقول مصادر حكومية ان ملاحظة الرئيس عون السلبية عن لقائه مع ممثلي الدول الخمس الكبرى والأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي، تركت صداها في مجلس الوزراء والأوساط السياسية والديبلوماسية على حد سواء، لأنها تزامنت مع كلام كثير ينقل عن ديبلوماسيين وموظفين دوليين عن ضرورة تحمل لبنان وجود النازحين السوريين على أرضه وتأمين حمايته الى حين يتحقق الاستقرار العام في سوريا، ولن تسهّل عودة اي نازح سوري قبل <جلاء> الوضع في بلاده. ومثل هذا الكلام تردد ايضاً في أروقة ديبلوماسية دار فيها حديث عن ضرورة انتظار ما سيؤول إليه الواقع الديموغرافي الجديد في سوريا، ليصار بعد ذلك <الإفراج> عن ملف النازحين لجهة المباشرة بعودتهم وفق المشهد الجديد الذي سيرتسم جغرافياً وسياسياً وطائفياً لسوريا ما بعد انتهاء الحرب فيها. وقد تخوفت مصادر متابعة من <النسخة طبق الاصل> التي يتحدث فيها السفراء حيال ملف العودة، ما يزيد التساؤلات عن <التواطؤ> الدولي لإعاقة عودة النازحين الى حين يتبلور الوضع في سوريا.

في المقابل، يؤكد القريبون من الرئيس عون أنه عندما قرر فتح هذا الملف في نيويورك وباريس ثم في بيروت، كان يعرف أن ثمة <ارادة ما> في عرقلة عودة النازحين السوريين الى بلادهم، لكنه أصر على إلقاء الضوء على الملف وعدم إبقائه في الأدراج وإبعاده خصوصاً عن التجاذب المحلي لناحية اعطائه صفة التدويل، علماً أن لا أحد بإمكانه أن يمنع رئيس الجمهورية الذي أقسم اليمين على المحافظة على استقلال لبنان وسيادته وسلامة أراضيه أن يفي بقسمه، فكيف إذا كان ذلك مطلب شريحة كبيرة من اللبنانيين تشعر بالخطر المتنامي للانتشار السوري في المناطق اللبنانية ولتداخلهم مع المجتمع اللبناني بكل مكوناته؟