24 October,2017

اللاجئــون السوريــون.. سياسة وثورة وجرائــم

بقلم علي الحسيني

ناطور-المبنى-الذي-حاول-اغتصاب-سلامة

تتصاعد الأصوات المطالبة بحل ملف النازحين السوريين في لبنان، في ظل الانقسام الحاد في المواقف السياسية الداخلية، ما بين ضرورة التعاون والحوار مع الحكومة السورية لبدء عودة النازحين إلى بلادهم، وبين الرفض القاطع للحوار مع الجانب السوري. وعند الجهة المقابلة للمقاربة السياسية في هذا الملف، ثمة شق متعلق بالوجود السوري نفسه في لبنان وما ينتج عنه من أفعال وارتكابات وصلت في الفترة الاخيرة الى مرحلة لم تعد تُحتمل إن بفعل ضيق المعيشة او بفعل الجرائم وعمليات السرقة والاغتصاب التي يرتكبها بعض هؤلاء النازحين بحق اللبنانيين والتي وصلت الى حد يفوق الوصف والخيال.

النازحون في الميزان السياسي

فريق لبناني يرى أن معالجة ملف النازحين السوريين في لبنان تبدأ بالضغط لإنجاز الاتفاق السياسي في سوريا، الذي سيساعد على وجود مناطق آمنة يعود إليها النازحون السوريون بشكل يطمئنون فيه إلى سلامتهم، وأن إنجاز الحل السياسي في سوريا هو المطلب الأول. ويرى هذا الفريق أن آلية العودة يجب أن تشرف عليها الأمم المتحدة، ويتولاها الجيشان اللبناني والسوري من حيث التطبيق العملي، وبالتالي يشرفون بعد ذلك على نقل مواكب النازحين العائدين إلى سوريا وهناك يستلمهم الجيش السوري ويتولى إيصالهم إلى المناطق الآمنة. لكن ماذا عن إمكانية إجراء حوار رسمي لبناني سوري حول هذا الملف؟ هنا يذهب الفريق نفسه الى حد التأكيد لا بل الجزم، بأن هذا الملف تحول الى عبء كبير على الدولة اللبنانية خصوصاً في ظل غياب المساعدات الدولية والدعم الذي وعدت فيه حكومة لبنان التي تصر حتى اليوم على عدم التدخل في الشأن السوري، وبالتالي برأيها أنه إذا تعاطت مع الحكومة متى-يُنظم-وجودهم-في-لبنان؟السورية فهذا نوع من الانحياز إلى وجهة نظر هي في غنى عنها في الوقت الحاضر. ولذلك تصر على أن الاتصال بين الجيشين لا يشكل مشكلة وهو أمر متبع عندما تكون العلاقات السياسية مقطوعة.

أما في ما يتعلق بالفريق المؤيد للحكومة السورية، فهو يرى ان هذا الملف قابل للحل إذا كان هناك إجماع فعلي وليس إجماعاً لفظياً من قبل السياسيين اللبنانيين. ويأسف هذا الفريق لأن هناك إجماعاً لفظياً حتى الآن، في وقت لا بد فيه من التفاهم مع الحكومة السورية من أجل الحوار معها لتسهيل العودة. وفي هذا الشق يعتبر المحلل السياسي جورج علم أنه <لا يوجد تفاهم داخل الحكومة حول إجراء مفاوضات مع الجانب السوري بهذا الملف تحديداً، وهذا يعكس مدى الانقسام الداخلي المتأثر بالصراع المحوري في المنطقة، وبالتالي فإذا كان حزب الله يريد معالجة هذا الموضوع من خلال الحوار مع الدولة السورية، نرى أن تيار <المستقبل> الذي تأثر بالسياسة السعودية يرفض أي حوار مع الحكومة السورية وهذا يعني أن الملف سيبقى من دون حل. وأوضح أن ملف النازحين السوريين لا يمكن معالجته إلا من خلال التفاهمات ما بين الحكومتين السورية واللبنانية، خصوصاً أن العلاقات الديبلوماسية لم تنقطع بين دمشق وبيروت، ولا تزال هناك بعثات ديبلوماسية متبادلة، ويعود للمجتمع الدولي الدور الكبير والمؤثر، لكن الدول الكبرى لا تحل مكان الحكومة اللبنانية، التي تتحمل المسؤولية على هذا الصعيد والتي عليها تحديد خياراتها بنظرة موحدة>.

 

الوجود السوري في لبنان

لا يمر يوم إلا ونسمع فيه بحدوث جرائم قتل واغتصاب وسرقة وخطف وفي اغلب الاحيان، وبعد إجراء التحقيقات يتبيّن أن الفاعلين هم من التابعية السورية، والضحايا من اللبنانيين الذين يتحملون لغاية اليوم تداعيات اللجوء السوري العشوائي الى لبنان منذ آذار/ مارس العام 2011 حتى وصل العدد الى مليوني لاجئ دخلوا لبنان عبر طرق غير شرعية ومن دون أي رادع من الدولة، فلا قيود ولا شروط او رادع لكل افعالهم الجرمية. مع الاشارة الى ان ليس كل اللاجئين يحملون هذه الصفات ولا العمال السوريين بل البعض ممن يقومون بهذه الجرائم، مع التأكيد على ان اللبنانيين ليسوا ضد الشعب السوري بل ضد الفلتان الذي لا يوصف ولم يعد يحتمل.

الفنانة-سلامة-تروي-محاولة-اغتصابهامن المعروف أن عدد النازحين السوريين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان (UNHCR)  حتى آذار/ مارس 2017 بلغ مليون و752 ألفاً و468 نازحاً.

وهذا الرقم مخيف، إذا ما قورن بأعداد اللبنانيين القاطنين في لبنان، والذي لا يتجاوز أربعة ملايين ونصف مليون مواطن لبناني. كما وانه لا تشمل أرقام المفوضية جميع النازحين الموجودين في لبنان، وفي أحسن الأحوال تسجل الإحصائيات ثمانين في المئة منهم، أي أن الرقم يناهز المليونين. ويبلغ عدد المخيمات غير الشرعية أو تلك القائمة على مشاعات أو أراضٍ تعود ملكيتها للدولة أو البلديات، نحو 6300 مخيم، يتراوح عدد الخيام فيها ما بين خيمة واحدة و56 خيمة، ويتراوح عدد قاطني الخيمة الواحدة ما بين أربعة أفراد إلى 10. لكن وسط كل هذه التقديرات والاحصاءات، ثمة حقيقة واحدة هي أن اللاجئين السوريين أُخرجوا من ديارهم ولم يخرجوا منها بإرادتهم وانتقلوا بين ألسنة النار حيث قضت الحرب على الكثير منهم. فهناك نساء وأطفال وعجز وشباب لم يجدوا طريقاً للنجاة إلا بالرحيل، فتشتتوا بفعل الذين قرروا اقتلاعهم وتهجيرهم وقتلهم أيضاً.

لكن كل هذه التبريرات التي تُمنح للاجئ السوري وأحقيته في ايجاد مكان آمن له ولعائلته، لا يمنع من قول الحقيقة وهي ان هذا الوجود وبفعل كثافته التي تجاوزت حدود المنطق، يتسبب بإجرام متنوع بحق اللبنانيين لا يمكن ان يستمر على هذا النحو. ونتيجة هذه الارتكابات وعمليات القتل والاغتصاب والسرقات، قررت العديد من القرى والمناطق في لبنان، منع اي وجود للنازحين السوريين والطلب منهم المغادرة. كما وانه في العديد من البلدات اللبنانية، بات يُمنع على اللاجئ التجوّل ضمن ساعات محددة خوفاً على أمن المواطن اللبناني الذي تحول في الفترة الاخيرة، الى ضحية دائمة وهدف لبعض هؤلاء اللاجئين اذ ما عاد البعض منهم يكتفي بالقتل او الاغتصاب أو السرقة، بل تحول هوسه الى قتل الضحية طعناً او بإطلاق النار أو حتى خنقاً.

وعلى سبيل المثال، فبعد الجريمة البشعة التي هزت بلدة مزيارة في قضاء زغرتا والتي قتل فيها ناطور سوري الشابة ريا الشدياق بعد اغتصابها بوحشية وتكبيلها وخنقها بكيس، ساد الغضب بين اهالي البلدة واتخذوا قراراً بطرد السوريين من بلدة مزيارة، ورفضوا ان يدخل سوري واحد الى البلدة، وطلبوا من القاطنين فيها المغادرة. وفي اليوم التالي على وقوع الجريمة، شوهدت شاحنات تنقل أثاث المنازل والسوريين النازحين الضحية-ريا-الشدياقوالعاملين الى خارج البلدة، خوفاً من ردة فعل ما من الاهالي تجاههم.

جرائم… وجرائم… وجرائم…!

وفي إطار عمليات الإجرام التي تُرتكب، لا بد من التذكير بجرائم حصلت في لبنان ارتكبها سوريون، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما جرى في منطقة ضهر صربا منذ ايام قليلة، حيث قام ناطور من التابعية السورية يعمل في مبنى ضمن المنطقة المذكورة بالتسلّل عبر <منور> المبنى الى شقة تقيم فيها الممثلة اللبنانية آن ماري سلامة، محاولاً الاعتداء عليها إلا انها قاومته وأجبرته على الفرار فهرب مسرعاً الى جهة مجهولة، فيما حضرت الأدلة الجنائية لأخذ البصمات وبوشر التحقيق، وفوجئت القوى الأمنية بأن سكان المبنى يجهلون كامل هوية الناطور ولا يعرفون عنه سوى أنه يدعى بلال.

ريا الشدياق في مزيارة

الضحية-مريام-الاشقر

والحادثة الافظع التي لا ُتنسى تلك التي حصلت في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2011 في منطقة ساحل علما، حيث قتلت الشابة ميريام الاشقر 28 عاماً قرب دير سيدة بقلوش اثناء توجهها الى الدير للصلاة ، لكن عثر عليها في اليوم التالي جثة مرمية ومضرجة بالدماء في منطقة حرجية بين ساحل علما وحريصا.  بعد قتلها على يد ناطور الدير السوري فتحي جبر السلاطين الذي اعترف بأنه حاول الاعتداء على ميريام فهددته بالإبلاغ عنه، فما كان منه الا ان قتلها خوفاً من أن يفتضح امره. وقد عثر على جزء من ثيابها قرب غرفته مغطاة بالدم ما دفع فرق البحث الى تكثيف عملها لتكتشف جثة المغدورة مرمية في كيس في مكان يصعب الوصول اليه، ما استدعى قيام الجيش بالنزول بواسطة الحبال الى قعر الهاوية وسحبها.

هذه الجرائم هزت الضمائر في لبنان والعالم ولم تهز ضمير السلطة بعد، لأنها لم تتخذ لغاية اليوم التدابير المناسبة للحد من هذه المآسي التي تتكرر. فالأمثلة تتوالى وتؤكد بشاعة هذه الجرائم من خلال قتل شابات لبنانيات في ربيع العمر لا ذنب لهن سوى انهن يدفعن ثمن قلة وعيّ دولتهن، وعدم ادراكها لحقيقة تداعيات لجوء هؤلاء الى لبنان من دون اي تنظيم للعمالة وقوننتها كي لا يبقى عشوائياً كما هو الوضع السائد مع السوريين. وكما بات معروفاً، فإن إشكالية تدفّق اللاجئين السوريين إلى الأراضي اللبنانية، أنتجت تساؤلات عديدة حول قانونية وجودهم وحقوقهم المشروعــــــة كلاجئـــــين في البلــــــد الــــــذي يلجــــــأون إليـــــه،وأيضــــاً تحديـــــد واجبـــــات الدولــــــة تجاههـــــم مع الكثير من القضايا الإنسانية والقانونية غير الواضحة في مجتمعنا.

وللبعض في لبنان رأي مغاير لكل ما يجري من عمليات قتل وجرائم اغتصاب وسرقات، فيقول هذا البعض إن اللاجئين السوريين غالباً ما يعانون من موجات تحريض ضدهم في دول الجوار السوري، سواء في الأردن أو لبنان أو تركيا، وإلى جانب ما تسببه هذه الحملات من أثر معنوي وضغط في الحياة اليومية التي يعيشها السوريون الهاربون من الحرب في بلادهم، قد يكون خطاب الكراهية هذا سبباً غير مباشر في جرائم تم ارتكابها، إضافة إلى اتساع الهوة بين اللاجئين وسكان تلك البلاد. كل ما سلف، لا يبرر ارتكاب هذا الحد من الجرائم التي تأتي في غالبيتها في سياق الفعل الاجرامي الذي يكتنز داخل الشخص نفسه، وإذا ما قورنت الجرائم التي يرتكبها اللبنانيون بتلك التي يرتكبها اللاجئون السوريون، نرى ان التفاوت بفعل الجريمة يختلف بين اليأس من الحياة والاخذ بالثأر سواء الشرف أو العادات القبلية، وبين عمليات السرقة وتجارة المخدرات واغتصاب الاطفال والنساء ثم قتلهم خنقاً أو طعناً بالسكاكين.