7 June,2020

الكاتب والمخرج والمنتج السينمائي فيليب عرقتنجي: نساء الثورة على باب الخندق الغميق مشهد لا أنساه!

[whatsapp]

  

بقلم عبير انطون

حمل كاميرته ونزل

على أكثر من محور كان الحديث مع السينمائي فيليب عرقتنجي حامل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية. والاسئلة اليوم، تحديدا لمثقف مثله عاش ما بين الشرق والغرب فنهل منهما  وغاص في مواضيعهما طارحا اياها في سلسلة افلام ناجحة تتعلق بالسفر والهجرة والهوية والانسان بدءا من “البوسطة” الى “تحت القصف” و”ميراث” و”اسمعي” وغيرها الكثير، تفتح النقاش معه على أكثر من محور في عالم السينما والتاريخ والاجتماع والسياسة ايضا. وفيليب، للتذكير، كان قد عمل في العام 1992 على فيلم شعريٍ يصور مآسي الحرب ويكشف عن ندوب بيروت المنكوبة، رابطا بعض نصوص الشاعرة اللبنانية ناديا تويني مع صور من أنقاض المدينة.

لهذا العام وعلى دراجته النارية، حاملا كاميراه، راح فيليب يوثق لثورة هي “تأسيسية” برأيه. رؤيته لها، المشهد الذي تختزنه ذاكرته منها، مستقبل السينما انتاجا ومواضيعا وصالات عرض، اثار “الكوفيد 19” وما رتبه على الكون وعلى لبنان وسينمائييه، جميعها طرحناها معه، فكان هذا اللقاء الشيق وبدأناه بالسؤال:

* ما الذي شجع شركتك “فانتاسكوب” على انتاج هذه الافلام الوثائقية الـ15 عن الثورة؟ وعلى اي اساس تم اختيارها؟

– انا آت أساسا من عالم الافلام الوثائقية والاخبار والربورتاجات، وبعمر الستة عشر عاما كنت اعيش على خط التماس في بيروت وكان عندي كاميرا أهداني اياها والدي، وكنا نترجم للصحافة الفرنسية بحكم اننا “نترغل” الفرنسية، وهذا ما جعلنا نرافق الصحافيين ونصور معهم ونترجم لهم عندما كانوا يقصدون خطوط التماس لنقل ما يجري. ولّد هذا الأمر لدي نوعا من ردة الفعل الاوتوماتيكية، اذ بتّ مع كل “علقة” او حدث يندلع، أستلّ كاميرتي وانزل لارى بأم العين وأوثق.. هذا ما حدث معي في الـ2006 مع اندلاع “حرب تموز” حيث نزلت بشكل عفوي ورحت اصور فكان فيلمي “تحت القصف”. وحين بدأت الثورة شعرت ايضا بضرورة ان اكون في الساحة مع كاميرتي، وتنبهت الى ان الثورة ليست محصورة في بيروت او في منطقة واحدة ولا بحدث واحد، انما تمتد على عدة احداث ومجالات في الوقت عينه. وعندما يتجه أحدنا للتوثيق، من المفروض ان تكون له كاميرات عدة وهذا ما ليس ممكنا لشخص واحد، ففكرت بالاتصال بزملاء لي، من مخرجين ومصورين، واكبوا الثورة عفوياً كما فعلت، كلّ على طريقته وبالتقنية التي يختص بها، بالصورة الصحفية أو الفنية أو بالفيديو، من الأرض أو بواسطة المسيّرات الجوية (الدرون)، فكانت رؤىً متنوعة تشبه تَنوّعَ الثورة. 

ويضيف فيليب:

عرقتنجي يستمع للمصور ايلي بخعازي

– بالاساس كنت انوي اعداد فيلم وثائقي واحد، لكن رويدا رويدا راح كل من الذين صوروا، (إيلي بخعازي وكارلوس هيدموس وعمّار عبد ربه وباتريك باز وثراء قبطان ونذير حلواني وحسين بيضون ومروان طحطح ولوسيان بو عبدو والمخرج أيمن غالي ومهندس الصوت هيثم عتمة) يخبرني عما قام به، وشعرت ان هناك قصة خلف كل صورة، فكانت عدة افلام وثائقية قصيرة مع هؤلاء الشباب، هي عبارة عن مجموعة من الشهادات المصوّرة حيث يتحدث كل واحد منهم عن نتاجه خلال هذه المرحلة من خلال شرح خلفيات صورهم والمشاهد التي التقطوها، ولكن ليس فقط من باب الوصف ورواية الوقائع والظروف التي أحاطت بالتقاط الصورة أو المشهد بل كذلك لتفسير كل أبعادهما وقراءتهما من زاوية ما حملته الثورة من معانٍ. جل همي في الاختيار كان ان اسمع القصة التي خلف الصورة. هناك من التقط صورا رائعة وارسلوها الي لكن من دون قصة تخبرها فتجاوزتها لانني آتٍ من عالم الوثائقيات والروايات، وانا أحب القصص وأحب الصورة..

* لماذا بثها على الموقع الالكتروني للـ”حرة”؟

– عندما بدأت لم اكن اعرف مصير هذه الأفلام. قمت بنوع من “بيلوت” تجريبية وعرضتها على تلفزيونات عدة أثنت عليها لان انتاجها “جميل”، و”الحرة” قررت ان تأخذها وتبثها على موقعها الالكتروني، ووافقنا على الامر.

* هل تعتبر هذه الثورة والافلام عنها كما الهاشتاغ المرافق لها، خطوة في “معركة البقاء”؟

– الهاشتاغ “معركة البقاء” كانت “الحرة” اختارته. لا أعارضه، لكنني لست مَن أوحيت به او طلبته… إنها “معركة البقاء” لانه من الضروري ان نبقى نتكلم عن الثورة حتى تستمر شعلتها ولا تنطفئ او تيأس… ومن المهم في لبنان ان نوثق ما جرى لاننا نعيش بطريقة سريعة جدا. بين الثورة والـ”كوفيد 19″، كأننا انفصلنا عما حدث، عن الروح في هذه القضية، في هذه الثورة، ويتفرض الا ننساها حتى نبقى في قلب المعركة. ومن المهم ايضا ان نعود الى الوراء ونفكر ونفهم ما جرى حتى نكمل، وهذا ما كان عليه هدف الافلام في الاساس.

الدنيا تهزّ ولا تقع

* في فيلمك “ميراث” اثرت قضية “الهوية”. هل تخاف شخصيا على هوية لبنان اليوم؟ ما هو أكثر ما تخشى منه؟

– من المؤكد ان الهوية اللبنانية على المحك. كان هناك شبه مشروع هوية لبنانية لما “أقاموا” لبنان، ومع مرور الوقت، وبشكل خاص بعد اندلاع الحرب الاهلية تكسّر، “تشقّف” وتمزق. لكن اعتقد ان ما حدث مع الثورة أهم بكثير من الذي جرى في الماضي، اذ ما نراه في فيلم  مهندس الصوت هيثم عتمة يدلّ انه صار هناك وحدة للعلم، للصوت، صار كل الذين نزلوا الى الارض ينادون بلبنان الواحد وليس لبنان الطوائف، وهذا مهم جدا خاصة بمعنى الهوية والانتماء للوطن.

* اين كنت يومها، وهل نزلت للتو؟

– في الحال نزلت مع كاميرتي، بدأت بالتوثيق على اساس اعداد فيلم لكنني شعرت ان ذلك ليس بالإمكان لأن الثورة كانت تأخذ اتجاهات عدة في بدايتها، والناس تنتفض من دون ان تعرف تماما الوجهة التي تذهب اليها. بعد ذلك انتظمت الامور واضحى المطلب واضحا، لكن في البداية كانت الناس ضائعة، ومعهم نحن المخرجين والسينمائيين والصحافيين، لأجل ذلك قررت انه بدل ان اوثق بنفسي امنح مجالا للذين على الارض ان يحكوا فتكون لدينا نظرة شاملة عما يجري.

* اي مشهد اثر بك اكثر من غيره خلال توثيقك لما يجري؟

– اكثر ما اثر بي، وهذا ليس واردا في اي من الافلام المعروضة وكنت اصوره، هو مشهد النساء اللواتي رحن من التباريس الى خندق الغميق، وعلى باب خندق الغميق مُنعن من الدخول فبقين حوالى 40 دقيقة يفاوضن الشباب حتى يسمحوا لهن بذلك. وأتذكر ان الحوار بين النساء والشباب – الذين يريدون لهن الدخول لكنهم يخشون – كان جميلا ومؤثرا. فالشباب لو كانوا يتكلمون مع رجال مثلهم لكانوا تقاتلوا، لكن النساء كانت لديهن طريقة لافتة جدا في الحوار، والأهم انها لاعنفية. هذا ما احببته واثر بي في العمق. دور النساء كان رائعا، و”الثورة انثى” هو شعار وضعته في الطليعة وكنت بين اوائل من اشاروا الى ذلك عبر “فايسبوك”… المرأة كانت ولا تزال هي “القائد” هي الـ”ليدر” في هذه الثورة.

لا…

فيليب عرقتنجي: ما بين ثورة 17 تشرين و”كورونا” رسائل مشتركة وايجابية

* هل بين ما شاهدته ما يصلح ان يشكل نواة فيلم روائي طويل؟  

– حتى أكون صريحا اجيب: لا. في اليومين الأولين للثورة فكرت في النزول مع ممثل وممثلة فنبدأ بالتصوير، كما فيلمي السابق “تحت القصف” الذي، ومع انه كان فيلما روائيا، الا انه وثق الكثير مما جرى حينها، وقد جال على اكثر من 40 مهرجانا وقطف 23 جائزة وتم توزيعه في مختلف انحاء العالم.

الفيلم الروائي يساعد، والجمهور يفضل الفيلم الروائي على الفيلم الوثائقي، لكن في وضع الثورة لم يكن ذلك ممكنا لاننا لم نعرف “لوين رايحين”. في 2006 كانت حربا، ونحن عشنا حروبا، ونعرف ان الحرب لها بداية ونهاية، ونعرف الوجع والقلق والخوف وقد خبرناهم، لذلك لم يكن صعبا علي ان استعيد ذلك في اطار فيلم سينمائي. مع الثورة لم يكن الأمر مماثلا، اذ لا يمكنك ان تكتبي فيلما روائيا اذا كانت الحياة تُكتب امامك، اذا كان التاريخ يُكتب امامك. حتى الان، لا افكر بفيلم روائي ابدا.

* هناك من لم يؤمنوا بالثورة منذ انطلاقتها، هل بين الافلام ما ينقل وجهة النظر هذه؟

– صحيح. لكن افلاما قصيرة عن مصورين وتقنيين عاشوها لا يمكنهم ان يغوصوا الى هذه الدرجة في الثورة من دون ان يؤمنوا بها. وانتِ في قلب الثورة مع الناس، لا يمكنك الا ان تكوني معها. بغير ذلك، لا تطلع الصورة!

* بين الثورة و”كورونا” عاش اللبنانيون النقيضين… من الشوارع والساحات الى الانكفاء التام في البيوت. كيف تقرأ آثار ذلك؟

– برأيي، هناك ما هو مشترك بينهما لان “الكورونا” انتفاضة نوعا ما هي أيضا حيث جاءت تهز العالم وتجعل الناس تفكر بطريقة صحيحة. قبلها جاءت الثورة تقول: انتم معتادون على الكبت، على الرشوة، على الفساد وقد صار لزاما ان يتوقف هذا الأمر، وانتفضت الناس ونزلت وقالت “خلص”! من المفروض ان نتوقف ونقترح طريقة جديدة صحيّة وسليمة للعيش المشترك… الـ””كوفيد 19″ يقول الامر عينه تجاه ما يجري معنا اليوم، واننا ايضا على صعيد الكون نعيش في كذبة كبيرة. لا يمكننا ان نستهلك أكثر مما يمكن للارض ان تعطينا اياه من دون ان نعطي لها مجالا لتتنفس. من غير الجائز ان نبقى على الطريقة نفسها في رمي النفايات وفي تلويث الجو والاماكن، ولا أيضا في كذبة ان الطريقة الوحيدة حتى يكون الفرد منا سعيدا هي امتلاكه لـ4 بيوت و5 سيارات… نشجع الاستهلاك، ولا نرى الآثار على البيئة والارض.

ويضيف فيليب:

– واعتقد ان ما هو مشترك واساسي ما بين الثورة و”الكورونا” هو اعادة طرح التساؤلات. “الكوفيد” يسأل: هل يمكننا ان نكمل في المسار ذاته ام يجب ان نتوقف ونغيّر؟ ومثله الثورة. واعتقد انه كما كان ما قبل الثورة وما بعدها على صعيد التاريخ اللبناني، سيكون على صعيد الكون كله ما قبل “كوفيد 19” وما بعده.

* هل سيطلق “كوفيد 19” مرحلة سينمائية جديدة في الافلام السينمائية عامة واللبنانية تحديدا؟ ومتى تعود الصالات السينمائية الى استقبال الرواد برأيك؟

– السينما كلها في العالم وفي لبنان تضعضعت، وبعد انحسار الجائحة لن تركض الناس نحو السينما. من الصعب ان تمتلئ الصالات من جديد كما كنا نرغب. فاليوم هناك الكثير من السينمات ستفلس او تغلق ابوابها مؤقتا ربما، الا انني لا أرى ان السينما العالمية ولا اللبنانية ستعود الى نشاطها المعتاد، فقد تقدمت اكثر الـ”بلات فورم” مثل الـ”امازون” والـ”نت فليكس” وغيرها، والافلام ستعرض عبر هذه المنصات اكثر منها في صالات السينما. هذا مؤسف الا انه الواقع.

* الفترة اليوم مع التعبئة ملائمة للكتابة. هل من نص تعمل عليه؟

– كنت اكتب قبل الثورة، وما زلت. الا أنني، وحتى اكون صريحا لا استطيع ان اكتب بوتيرة سريعة. من الصعب على الواحد منا اذا كان الافق والمستقبل امامه غير واضحين ان يتقدم او ان يكون خياله خصبا لان فكرة المستقبل غامضة. اليوم لا احد منا على يقين الى اين تتجه الامور وما ستكون عليه الحال، ومن الصعب جدا ان نتخيل او نتصور حكايات وقصصاً اذا كنا في وضع متشابك وغامض نوعا ما، واعتقد ان هذا ما نعيشه جميعنا. كذلك، هناك قلق على الصعيد المادي لاننا قلقون على مستقبلنا وعلى مالنا وحياتنا… لكنني اعود الى ما كان يردده والدي دوما: “الدنيا تهزّ ولا تقع”. لقد عشنا حروبا ونعرف ان ما نمر به اليوم صعب وربما من اصعب ما يكون لكنني لست خائفا على مصير الوطن… اعتقد اننا نسلك دربا شديدة الوعورة لكن نهايتها جميلة ولو تطلب الامر بعض الوقت.