20 November,2018

القنبلة الاجتماعية هي الخطر المالي الأكبر على البلد

بقلم خالد عوض

17 مع إقفال إصدار <اليورو بوند> الذي تجاوز ملياري دولار بين إصدار سندات جديدة بقيمة مليار وأربعمئة مليون دولار واستبدال سندات قديمة بقيمة ٧٥٠ مليون دولار، يكون الدين العام اللبناني قد تجاوز رسمياً الـ٧٠ مليار دولار واتجه بخطى ثابتة نحو حاجز الثمانين مليار دولار المتوقع اجتيازه قبل نهاية عام ٢٠١٧، ومع هذا الإصدار اقترب مستوى نسبة الدين العام من الناتج المحلي الى حدّ الـ١٥٠ بالمئة، وهو المعدل الذي كنا قد بدأنا ننزل دون مستواه في عام ٢٠٠٨، وها بنا نعود إليه لأول مرة منذ سبع سنوات.

لا بد من نظرة مبسطة للوضع المالي في لبنان لفهم ما يجري في الواقع.

الإقتصاد ينمو بوتيرة ضعيفة جدا بينما <الاقتصاد الأسود> أي غير الرسمي وغير المسجل ينمو بوتيرة كبيرة. الودائع المصرفية تزيد بنسبة ثابتة لا تقل عن ٧ بالمئة سنوياً، وهذا مستوى قياسي بالنسبة لدول العالم. وقد تخطت الودائع في البنوك اللبنانية الـ١٦٠ مليار دولار منها أكثر من ١٤٠ مليار دولار داخل لبنان. زيادة الودائع تأتي نتيجة الانتفاخ في قاعدة الودائع نفسها بسبب الفوائد المرتفعة التي تمنحها البنوك للمودعين في لبنان، ونتيجة استمرار تدفق تحويلات اللبنانيين المغتربين رغم تراجع هذا الرقم كثيرا هذه السنة. البنوك اللبنانية تعاني من فائض في السيولة مما يسهّل على الدولة اللبنانية الاقتراض خاصة أن المصارف تغذي ارباحها بالفوائد المرتفعة التي تستدين بها الدولة.

بمعنى آخر الشعب اللبناني هو من يقرض دولته، المغتربون يحوّلون الأموال فينتهي جزء منها في خزينة الدولة، أما أصحاب الودائع في الداخل فيساهمون من خلال ما يملكون في البنوك في انتفاخ الدين ليحصلوا على فوائد مرتفعة على ودائعهم.

نظرياً كل ذلك لا ينمّ عن مشكلة مالية حقيقية طالما أن الودائع المصرفية تنمو والعجز في الخزينة لا زال أدنى من ثلث هذا النمو. الانتفاخ الحاصل جوزيف-طربيهفي الدين العام لا يشكّل أي خطر مالي في حال استمرت ثلاثة أمور يبدو أنها ستبقى موجودة: أولاً، استمرار الفوائد العالمية على الدولار قريبة من الصفر، ثم استمرار تدفق تحويلات اللبنانيين من الخارج، وأخيرا بقاء الثقة في القطاع المصرفي اللبناني أي عدم هروب الودائع ورؤوس الأموال.

إذا بقيت هذه الشروط وملحقاتها متوافرة تبقى نسبة الودائع المصرفية أكثر من ضعفي الدين العام، ويمكن بالتالي للدولة اللبنانية أن تستدين إلى ما لا نهاية…

يبدو أن الشرط الأول مؤمن. الاحتياطي الفدرالي الأميركي تراجع عن رفع الفائدة هذه السنة لعدم ثقته التامة بالأداء الاقتصادي الأميركي وخوفه من تراجع الاقتصاد العالمي وبخاصة الصيني. الحديث اليوم هو عن مرحلة جديدة من التحفيز الكمي (Quantitative Easing) ستكون هي الرابعة وربما تصبح مستمرة أي تحفيز كمي لا متناهٍ إذا لم يتمكن الاقتصاد الأميركي من تحقيق نمو مستدام، حتى أن هناك كلاماً عن فوائد تحت الصفر أي أن المستثمرين سيدفعون لقاء شراء السندات بدل أن يكسبوا منها، حتى البنك المركزي الأوروبي بدأ يتحدث عن توسيع حجم التحفيز الذي بدأه منذ أشهر. الصين نفسها دخلت في لعبة التحفيز عن طريق تخفيف نسبة الودائع الإلزامية للبنوك في البنك المركزي الصيني وعن طريق ضمان سندات الشركات الحكومية لتأمين سيولة إضافية لها، لا أفق إذاً لاستمرار الفوائد المنخفضة.

بالنسبة لمال المغتربين، لا شكّ أن تراجع أسعار النفط أثّر كثيراً هذا العام على حجم التحويلات من الخليج وأفريقيا، وقد لامس الانخفاض الملياري دولار مقارنةً بالفترة نفسها من سنة ٢٠١٤، ولكن السبب يعود الى تراجع مداخيل اللبنانيين وليس انكفاءهم عن تحويل أموالهم إلى وطنهم الأم، وهذا هو الثابت المهم.

أما العنصر الثالث أي متانة القطاع المصرفي فهي متوافرة لأن معظم المودعين هم من اللبنانيين والبديل الأفضل لهم غير متوافر، فأهم بنوك العالم تبين أنها متورطة في عمليات تلاعب وتبييض وتهرّب من الضرائب مما لا يجعلها بالضرورة ملاذاً أفضل خاصة بالنظر إلى المستوى المنخفض في الفوائد التي تمنحها، ورغم خطر خفض التصنيف الإئتماني للمصارف اللبنانية بسبب مخاطر إقراض الدولة اللبنانية وغياب المقومات الاقتصادية الداخلية، فإن البنوك اللبنانية يمكن أن تعاني من ذلك في عملياتها الخارجية إلا أن الثقة الداخلية لن تهتز خاصة في ظل سياسة <الحرص الأقصى> التي يتبعها مصرف لبنان.

الشعب هو من يقرض الدولة، والدين العام يمكن أن يزيد إلى حدّ المئة مليار دولار طالما أن الودائع يمكن أن تصل إلى مئتي مليار. خلاصة كل ذلك أن جزءاً من اللبنانيين في الداخل والخارج يغتني بشكل يسمح بتمويل عجز واهتراء الدولة. من الناحية المالية ليس هناك خوف. المشكلة الحقيقية تكمن في الخلل الاجتماعي المتفاقم الذي لا بدّ وأن ينفجر إذا استمرّ الاهتراء السياسي والاقتصادي بالمنوال ذاته. هكذا انفجار هو أكبر خطر يواجه المصارف اللبنانية، ومن هنا ضرورة اضطلاعها بدور داخلي أكثر فاعلية إذا أرادت الحفاظ على قدرتها المالية المتنامية وبالتالي على الاستقرار المالي في البلد.