16 October,2019

القطاع المصرفي اللبناني يدفع ثمن العقوبات الأميركية على حزب الله!

بقلم طوني بشارة

 

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية ان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (اوفاك) التابع لها صنف <جمال تراست بنك> <ارهابياً عالمياً> لكونه يساعد ويقدم دعما ماليا لحزب الله وفقاً لها، ويقال ان عقوبات أخرى ستطال مصارف ومؤسسات مالية لبنانية كما ستطال أيضا أسماء لرجال اعمال ولاصحاب مؤسسات تجارية…

 فما هي الغايات والمآرب والاهداف من فرض هذه العقوبات؟ وبالتالي لماذا اقدمت الادارة الاميركية على تنفيذها؟ وما النتائج المترتبة عليها؟

يشوعي والاستهداف للبنان!

الخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور ايلي يشوعي أكد بان لبنان مستهدف ماليا واقتصاديا من <اسرائيل>، التي تستعمل كل الوسائل لإحراجه ماليا وإسقاطه إقتصاديا.

وفي ما يتعلق بقضية استقواء دولة على أخرى كما يحصل حاليا من قبل اميركا نوه يشوعي بأن ذلك غير موجود في الديبلوماسية العالمية فقد تستطيع الدول تعليق علاقاتها السياسية او التجارية مع دولة أخرى، ولكن ان تفرض عقوبات او تطلب من حلفائها الالتزام بهذه العقوبات كما هو حاصل حاليا هو امر مرفوض ومستحدث في العلاقات الدبلوماسية الدولية.

وتابع يشوعي مستطردا:

ــ وهنا لا يمكن فصل الإرادة الصهيونية عن السلوكيات الأميركية، وبالتالي أرى أن لبنان كبلد مستهدف سياسياً، كيانياً واقتصاديا من قبل الاميركيين كما من قبل الصهاينة، والاستهداف الحالي يتم عبر سياسة عدوانية تنتهجها الولايات المتحدة الاميركية حيال لبنان وذلك لضرب استقراره المالي وبالتالي الاقتصادي، وذلك تحت عناوين وحجج واهية فيما الهدف هو ممارسة الارهاب الاقتصادي الذي تسعى من ورائه الى ضرب لبنان بجميع مكوناته وليس فئة واحدة، ويبدو جليا ان العقوبات التي تفرضها اميركا تأتي استغلالاً لنفوذها، كونها أقوى دولة، وأقوى قوة في العالم، وبالتالي وفقا لمعتقداتها يحق لها كل شيء.

وبالنسبة لما يمكن تسميته بالانصياع المصرفي اللبناني شدد يشوعي قائلا:

– بمتابعة بسيطة ندرك و للأسف بأن الرأسمال جبان، ولا مبادئ في المال، و هو يريد أن يحافظ على رأسه ومصالحه…. وبالتالي لا شك إن هناك إنصياعاً تاماً، لأن هذه المصارف إذا لم تنصاع فسوف تتعرض عملياً لعقوبات وربما لدعاوى قضائية دولية.

وازاء ذلك اشدد بأن المطلوب من المصارف حاليا في ظل هذا الواقع القيام بواجباتها حيال هذه العقوبات، وبالمقابل أرى ان حزب الله حريص جداً على القطاع المصرفي إذ لطالما اكد عبر كلام الامين العام السيد نصرالله انه لا يتعامل مع المصارف اللبنانية وانه يعمل بواسطة المال النقدي فقط، مما يعني ان حزب الله وبكلامه المعلن حريص على النظام المصرفي في لبنان ويعمل على عدم توريط هذا القطاع بأي شيء قد يستدعي المحاسبة او المساءلة.

 

المخاطر الداخلية والحل!

ــ العقوبات واقعة لا محالة، فما الحل لـ<جمال تراست بنك> وهل من تطمين للمودعين؟

– اللافت بأن الخزانة الأميركية لم تحرك الإنتربول مثلا لمطاردة أصحاب المصرف، لكن البنك لم يعد بإمكانه إجراء مراسلات وتحويلات مع المصارف الخارجية بسبب العقوبات الأميركية، وبالتالي عمليا لم يعد بإمكانه العمل، والحل هو اما بتصفية المصرف ذاتيا، او ببيع أصوله من مصرف آخر. وهنا أرى بأن أموال المودعين في المصرف لا علاقة لها بالقضية، ولا تأثير لقرار وزارة الخزانة الأميركية، وهي محفوظة ولا خوف عليها.

ــ هل من مصارف أخرى او أسماء تطالها العقوبات؟

– من المؤكد ان القرارات الأميركية التي طاولت <جمال تراست بنك> ستليها خطوات أخرى مشابهة، بالواقع الأميركيون لا يخفون هذا الأمر ويكررون علناً بأنهم سيلاحقون كل من يتعاون أو يساهم في التغطية على أنشطة حزب الله المالية، انطلاقا من المواجهة القائمة بين الطرفين.

ــ وما هو انعكاس القرار الأميركي على الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان؟

– الوضع صعب للغاية، وهنا أؤكد بانه نتيجة للسياسات التي اتبعت منذ 25 سنة فمن المؤكد بأن الأمور ستزداد صعوبة، على اعتبار ان عوامل الثقة مفقودة مقابل دين شارف الـ100 مليار دولار وناتج محلي يبلغ 56 ملياراً وعجز في ميزان المدفوعات وتراجع في تحويلات اللبنانيين، مما سيدفع المستثمرين إلى الهروب وبالتالي إلى شح في الدولار والعملات الصعبة، ما يفسر الفوضى في سعر الصرف التي نشهدها.

وعن مخاطر تلك الإجراءات على الواقع المالي اللبناني داخليا وخارجيا يؤكد يشوعي:

– المخاطر داخلية أكثر بكثير مما هي خارجية، وهنا اجزم بأن لائحة الاشخاص التي يريد الأميركيون أن يضعوا عليها عقوبات ستكون محصورة بعدد معين من الناس ومن رجال الاعمال او المؤسسات، مما يعني بأن الخطر الحقيقي هو خطر داخلي، خطر حجوزات داخلية مالية كبيرة، خطر تقاسم الدولة من قبل فريق سياسي، وبالتالي خطر انعدام وجود السيولة في البلد، خصوصاً السيولة بالعملات الصعبة، أي بمعنى آخر هناك خطر في عدم قدرة الدولة على بناء اقتصاد قوي متين ومتنوع وعدم قدرتها على استيعاب الشباب والكفاءات البشرية، خطر يجب على اللبنانيين مواجهته بحكمة وبموقف موحد رافض لكل إجراء يضر بمصلحة وطنهم.

ــ تتكلم عن مخاطر وحلول بالمقابل هناك اصدار لسندات يوروبوند بفوائد مرتفعة، فما المدلول المالي لها؟

– انظر إلى عملية إصدار سندات يوروبوند بفوائد مرتفعة إنطلاقاً من كونها برهاناً على إفلاس الدولة مالياً وسياسياً واقتصادياً. وبمراقبة ميدانية نلاحظ انه وفي حين تسجل الفوائد العالمية نقطة أو نقطتين، يتجه لبنان للإستدانة بفائدة تقارب الـ14 نقطة، وهو مجبر على ذلك لإغراء المستثمرين، وهذا الإجراء للاسف سيجبرنا لا محالة على دفع فوائد لا تقل قيمتها عن 300 مليون دولار سنوياً. وهنا لا بد من الاشارة بأن هذه القيمة سيدفعها الشعب ملزما عبر ضرائب جديدة ستسجل في موازنة العام 2020 بصور مختلفة، وهذا الامر سيحدث قريبا وسيذكرنا بما جاء في موازنة العام 2019.

ويتابع يشوعي قائلا:

– من جهة ثانية، فإن المستثمرين يسارعون للاكتتاب ليس فقط من أجل الحصول على فوائد مالية مباشرة، فالرهان على قدرة الدولة على دفع المستحقات في ظل الظروف المالية والاقتصادية الحالية هو رهان غير مشجّع، وبالتالي، أرى ان المستثمرين يسعون لضمان أرباحهم عبر قنوات أخرى، أبرزها البترول وخصخصة الخدمات العامة ومشاريع الدولة بالإضافة إلى الدفع الدولي باتجاه فرض ضرائب على الناس. وبرأيي الناس غير مضطرة لإعطاء أموالها لسياسيين أفرغوا الدولة وخزينتها، لذلك على الناس التحرك سريعاً.

 

عجاقة ومصير المودعين!

وللإطلاع على مصير المودعين وأموالهم وما يملكون وإلى أين تسير الأمور التقت <الأفكار> الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة الذي أكد بأنّ أموال المودعين بأمان، وحدها الحسابات المشبوهة قد تجمد إلى حين التحقق منها. .

وأضاف عجاقة قائلا:

– من الآن ستزيد الرقابة على المصارف ونستبعد أن تطال العقوبات الاميركية مصارف أخرى لأنّ مصارفنا بأغلبها تخضع للقوانين مبدئيا، من دون أن ننسى أنّ واشنطن تفرض العقوبات على من يخالف قوانينها التي باتت قوانيننا أيضا.

وفي السياق ذاته شدد عجاقة بأن العقوبات المفروضة ستكون الرادع مستقبلا للمصارف الأخرى كون هذه الأخيرة تعي أنّ خطوة مماثلة قد تنهيها.

وعما إذا كانت العقوبات قد طالت هذا المصرف لأنّ وفقا للبعض ( أغلب من يودعون فيه أموالهم ينتمون إلى حزب الله)، يشير عجاقة إلى أنّ في لبنان سرية مصرفية ولا أحد يعرف هوية المودعين، وما يشاع ليس أكثر من قضية إشاعات.

وفي ما يتعلق بالتهمة التي وُجهت إلى <جمّال ترست بنك> طالما ان لا علاقة لهوية المودعين اطلعنا عجاقة قائلا:

– التهمة هي أنه تعامل مع منظمات مدرجة على لائحة الإرهاب ولهذا السبب فرضت عليه العقوبات.

ــ وما الأمور المالية المترتبة على ذلك ولماذا وضع هذا المصرف قيد الاقفال؟

– هنا وبمجرد وضع المصرف على اللائحة فإنّ ذلك يعني ترتب مسؤولية قانونيّة على كل مصرف أو مؤسسة تتعامل معه بعد ذلك، إذ سيكون عرضة للوضع على لائحة العقوبات أيضاً. كما أنّ وضع <جمّال ترست بنك> على اللائحة يعني أنّه لا يعود قادراً على إجراء أيّ من المعاملات المتصلة بالدولار الأميركي، وبما أنّ الإقتصاد العالمي هو إقتصاد <مدولر> فإن المصرف لم يعد بإمكانه إذاً أنّ يتعامل مع أيّ مصرف لبناني أو أجنبي ولاسيّما أنّ جميع التحويلات بالدولار تمر بمصارف المراسلة، وهو سيكون مجبراً على التعامل بالليرة اللبنانية فقط، وبالتالي فإنّ <جمّال ترست بنك> لم يعد صالحاً للقيام بمهامه عملياً وبذلك تمّ وضعه قيد الإقفال.

وعن مصير المودعين والمخاطر المرافقة لاسيما في ظل الحديث عن استبعاد دمج <جمّال ترست بنك> بمصرف آخر مثلما حصل مع <اللبناني الكندي> الذي تم دمجه سابقا مع <سوسيتيه جنرال>، والّذي نتيجة هذا الدمج تم اتهامه بالأعمال الإرهابية، افادنا عجاقة قائلا :

– لا توجد أيّة مخاطر على الودائع والمودعين، إذ حتماً سيتم إيجاد حل اما عن طريق شراء أصول المصرف والحسابات الموجودة والتي ستنتقل بالتالي إلى المصرف الجديد… واما عن طريق التصفية، ولأن حجمه صغير للغاية فلن تكون هناك أيّة صعوبة في ذلك، ولن يكون لذلك أيّ تأثير على القطاع المصرفي الذي يطبق القوانين الدولية بحرفية، وبالتالي الخطر على المودعين سيلامس الصفر، أي لا داعي للهلع من قبل المودعين.