11 December,2017

القطاع الصناعي بين سندان الأزمات السياسية والأمنية ومطرقة إغراق السوق بالسلع الأجنبية والضرائب المفروضة!  

بقلم طوني بشارة

mr-georges-2-fin 

لم يَسلم قطاع الصناعة اللبناني من التراجع الذي أصاب مختلف القطاعات الاقتصادية خلال السنوات الماضية، نتيجة أزمات سياسية وأمنية محلية وإقليمية متلاحقة، وفي حين كانت الحرب السورية من أبرز أسباب تراجع معظم القطاعات الاقتصادية، على رأسها السياحة والزراعة، إلا أن التحدي الأكبر الذي يواجه الصناعة اللبنانية اليوم يتمثل في إغراق السوق بسلع أجنبية، وفي عمليات التهريب التي يلجأ إليها عدد كبير من التجار بغطاء من أحزاب سياسية.

وأظهرت المؤشرات الصناعية هبوطاً كبيراً في حجم الأعمال في القطاع الصناعي بين عامي 2012 و2016 بلغ 1.8 بليون دولار، إذ تراجع من 10.5 بليون دولار إلى 8.8 بليون، كما أقفلت نحو 388 مؤسّسة أبوابها من أصل 2365 مؤسسة كانت توظف نحو 78 ألف عامل.

وفي خطوة إيجابية لدعم القطاع، أصدر «مصرف لبنان» (البنك المركزي) تعميماً وسيطاً موجهاً للمصارف حمل رقم 426، ينص على خفض الاحتياط الإلزامي المترتب على التزامات المصارف 100 بالمئة من أرصدة أصل القروض الممنوحة بالليرة اللبنانية لتمويل رأس المال التشغيلي للمؤسسات الصناعية المرخصة لمساعدتها على تصدير إنتاجها، ويهدف التعميم إلى تشجيع المصارف على تقديم قروض مدعومة إلى المؤسسات الصناعية بشرط استخدامها لتمويل رأس المال التشغيلي، كما ويهدف إلى ضخ أموال في الرساميل التشغيلية لمؤسسات صناعية تملك قدرات تصديرية، وذلك بهدف تعزيز الصادرات، ما يؤمن تدفقات بالعملات الأجنبية تعوّض تراجع الاستثمارات الأجنبية والتحويلات. ويتمثل الدعم بالحصول على تمويل نسبته 60 بالمئة من قيمة صادرات المؤسسات، لمدة ثلاث سنوات وبفوائد لا تتجاوز 3 بالمئة.

ولكن مقابل ذلك وسعيا لتمويل السلسلة تم فرض مجموعة من الضرائب اثارت قلق المعنيين بالوضع الصناعي واكدوا ان هذه الضرائب سيكون لها اثر سلبي كبير على القطاعات الصناعية في حال لم تستدرك الجهات المعنية الوضع وتعمد الى إيجاد حل منطقي لمنع وقوع كارثة صناعية بات وقوعها قريبا لا محالة .

فما هو موقف الصناعيين من هذه الضرائب؟ وما الحل الممكن اعتماده؟

نصراوي والضرائب السياسية

عميد الصناعة الغذائية ونائب رئيس جمعية الصناعيين جورج نصراوي أوضح انه وفي ظل الوضع الاقتصادي في البلاد وخصوصا بعد زيادة الضرائب عشوائيا من دون اي دراسة لجدواها الاقتصادية على المدى الطويل، هناك اقتناع عند الصناعيين بان الضرائب التي فرضت هي ضرائب سياسية وليست اقتصادية، وستسمح بتشجيع الاقتصاد غير الشرعي على حساب الاقتصاد الشرعي، لأن مجرد فرض ضرائب على الصناعيين الشرعيين، وعدم مكافحة الاقتصاد غير الشرعي يرفع من كلفة الانتاج ويزيد الفارق بين الاقتصادين لمصلحة الاقتصاد غير الشرعي.

ثم تطرق نصراوي الى بعض المعوقات التي يعانيها القطاع ومنها التصدير الى سوريا، بحيث تبين ان سوريا لا تلتزم منذ فترة الاتفاقات الثنائية الموقعة بين البلدان العربية والمعروفة باتفاق <كافتا>، فهي تفرض رخصة استيراد مسبقة على كل البضائع المنوي ادخالها الى سوريا.

 واسف نصراوي مؤكدا أنه رغم سعي الصناعيين الى الاستحصال على رخصة استيراد مسبقة، فإن القسم الاكبر من هذه الطلبات يبقى من دون اجابة، لذا تقرر معاودة التواصل مع وزير الصناعة حسين الحاج حسن لمعالجة هذه الازمة، وخصوصا بعدما تم تعيين سفير للبنان في سوريا، وجددت اللجان المطالبة بالمعاملة بالمثل وان تكون الاسواق مفتوحة بين البلدين تطبيقا لما ورد في الاتفاق حرفيا.

اما في ما خص الصادرات الى مصر، فلفت نصراوي الى ان الحكومة المصرية تلزم كل من يريد ان يستورد ويدخل البضائع الى مصر تسجيل مصنعه في مصر بهدف توفير الحماية للقطاع الصناعي المحلي، واكد نصراوي بان هذه المشكلة تحسنت بعد الزيارة التي قام بها الرئيس سعد الحريري لمصر (قبيل قضية الاستقالة والتريث بها)، لكن لا تزال بعض المعوقات تشوبها، لذا طالبنا الدولة بفرض المعاملة بالمثل على كل دولة تفرض شروطا او عوائق للتصدير اليها.

وتابع نصراوي: ونحن كلجان نجدد مطلبنا برفع الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة من الخارج والتي يصنع منها لبنان، ولاسيما تلك المستوردة من كل من تركيا والصين لان ليس هناك اي اتفاق دولي موقع معهما بعد، في حين أنهما يصدران الى لبنان بضائع بكميات اغراقية تنافس الانتاج المحلي بأسعارها الزهيدة.

ونأسف ايضا لأن لبنان بقي الخاسر الوحيد من كل الاتفاقات الدولية الموقعة، اذ تبين اننا البلد الوحيد الذي تتراجع صادراته الى بقية البلدان، في حين ان الواردات من هذه الدول الى ارتفاع.

وفي هذا السياق، ذكر نصراوي :تقدمنا حتى اليوم بـ22 ملفا نطلب بها توفير الحمايات لبعض الصناعات المحلية، وقد تبين ان بعض هذه الملفات سلك طريقه الى مجلس الوزراء، والبعض الآخر قيد المعالجة، ولكن قضية الاستقالة والتريث بها قد تؤخر عملية البت بهذه الملفات.

الجميل ومكافحة الإغراق

438

وفي هذا السياق أكد رئيس «جمعية الصناعيين اللبنانيين» فادي الجميل أن أبرز المشاكل التي تواجه قطاع الصناعة اليوم تتمثل في إغراق السوق بسلع وبضائع أجنبية، وتراجع الصادرات من 4.4 بليون دولار عام 2013 إلى دون 3 بلايين عام 2016، في حين تبلغ قيمة الواردات نحو 19 بليوناً، ما يعني عجزاً تجارياً بنحو 16 بليون دولار، إلى جانب توقف التصدير البرّي عبر سوريا بسبب الحرب وارتفاع كلفة الشحن جواً وبحراً.

وأكد الجميل أن الأولوية يجب أن تكون لمكافحة عمليات الإغراق والمنافسة غير المشروعة والتهريب، ونحن لا نريد أن نحمّل النازحين السوريين مسؤولية تراجع القطاع، ولكن يجب أن نشير إلى تأسيس عدد كبير من المؤسسات والمصانع السورية من دون الحصول على التراخيص المطلوبة، ومن دون الالتزام بالنسب المنصوص عليها من العمال اللبنانيين، ما فاقم نسبة البطالة البالغة 25 بالمئة.

هذا موقف الصناعيين، فما هو موقف السياسيين المعنيين بالموضوع؟

 

الوزير حسين الحاج حسن والحل

وزير الصناعة الدكتور حسين الحاج حسن، وفي لقاء مع الصناعيين بحضور الاعلاميين ومنهم <الافكار>، اكد بأنّ التفاهم داخل الحكومة قبل الأزمة السياسية الأخيرة، كان قد أفضى إلى إعطاء الملف الاقتصادي والصناعي الأولوية في المعالجة.

وقال الحاج حسن: عقدت اللجنة الوزارية الاقتصادية أكثر من اجتماع، وكان مقرراً أن تنعقد أيضاً الأربعاء في 15 -11- 2017، وعلى جدول أعمالها دراسة كيفية دعم القطاع الصناعي عن طريق وضع رسوم نوعية على استيراد عدد من السلع التي تنافس مثيلاتها المنتجة في لبنان بطريقة إغراقية وغير متكافئة.

وأوضح الوزير الحاج حسن أنّ كل المعالجات القانونية والاجرائية قد تأجلت في الوقت الراهن حتى تنجلي الأمور السياسية، مضيفاً: كان الوضع السياسي والاقتصادي في لبنان يتحرك نحو الأفضل، وكان التواصل مع الدول الأجنبية يأخذ مداه من أجل دعم لبنان اقتصادياً، أما وقد حصل ما حصل، فلا يستطيع أحد أن ينكر أنّ الوضع الآن صعب، لكننا نحاول تذليل العقد والمشاكل السياسية والاقتصادية على قدر المستطاع، كما يقوم مصرف لبنان بإصدار قرارات وتعاميم تحفيزية لدعم الاستثمار والصادرات والفوائد على الرأسمال التشغيلي، فهناك عمل وانجازات تتحقق وإن كانت لا تقارن بحجم المشاكل الموجودة.

ودعا الوزير الحاج حسن إلى الصمود وحسن الإدارة وترشيد الإنفاق في القطاع الخاص حتى تمر الأزمة الحالية بأقل الخسائر الممكنة، لاسيما وان الرئيس ميشال عون قد تريث بموضوع الاستقالة.