19 June,2019

القطاع الصناعي بين الواقع والمرتجى!

 

بقلم طوني بشارة

المتتبع للأوضاع الصناعية يلاحظ بأن المؤشرات قد أظهرت وللأسف هبوطاً حاداً بحجم الأعمال في القطاع الصناعي بين عامي 2012 و2018 بقيمة 1.9 مليار دولار تقريبا، ويعيد أصحاب الشأن هذه الأرقام المقلقة إلى جملة عوامل تبدأ بانخفاض الصادرات اللبنانية إلى الخارج، لاسيما بعد إقفال المعابر البرية الوحيدة التي تربط لبنان بالعالم الخارجي عبر سوريا، ناهيك عن إنتقال العديد من الصناعات السورية إلى لبنان بعد الحـــرب وإغــراق الأسواق بالسلع الأجنبية، مما أدى الى تضرر الصناعة اللبنانية بشكل كبير.

 مما يعني أن هناك تحديات عدة يعاني منها القطاع الصناعي اللبناني: تهريب، إغراق السوق المحلي من قبل البضائع الأجنبية، منافسة من قبل مصانع غير شرعية يصل عددها الى 2200 مصنع لا تدفع الضرائب، بالإضافة إلى إرتفاع تكاليف النقل والطاقة، وتراجع الصادرات بنسبة 50 بالمئة خلال السنوات الـ5 الماضية من 4.5 مليار دولار الى 2.5 مليار دولار، وهي كلها تحديات جعلت من القطاع الصناعي قطاعاً منكوبا وذلك رغم حصوله سابقاً ولأكثر من مرّة على وعود من المسؤولين بدعم القطاع ودعم الإنتاج الوطني، إلا ان الوعود بقيت وعوداً حتى الساعة، وواقع الصناعة يتفاقم يوماً بعد يوم، فالصادرات لا زالت في مسارها التنازلي وقد أقفل المزيد من المصانع، فيما القيّمون على القطاع بلغوا مرحلة اليأس وعدم الثقة بطبقة سياسية لا تأبه لقضايا القطاعات الإنتاجية رغم أهميتها.

الصناعة والمؤشرات

 السلبية!

 القصة نفسها تتكرر ولكن بمأسوية أكثر اليوم. الصناعة اللبنانية التي تعاني أصلاً كمّاً من المشكلات تئنّ أكثر حالياً، في ظلّ تقاعس المعنيين عن إتخاذ إجراءات حمائية فورية تُمكّنها من الصمود أمام منافسة فاقمت من أزمة البطالة المستشرية أساساً، وبالاستناد الى لغة الارقام نلاحظ انه بين عامَي 2012 و2018 أقفل نحو 388 مصنعاً مسجلاً في بلاد الأرز، وهناك حديث عن 23 حالة سيتم إقفالها في الفترة المقبلة.

 مؤشرات دفعت بجمعية الصناعيين اللبنانيين إلى رفع الصوت مطالبةً بإطلاق إجراءات استثنائية وطارئة لتحفيز قطاع لطالما ساهم في خفض عجز الميزانين التجاري والمدفوعات. ففي الواقع إن الصناعة اللبنانية جاهزة في حال تمت حمايتها لتكون الرافد الحقيقي للإقتصاد المنهار، وهي تحتضن كل المقدرات والطاقات اللازمة ولكنها بحاجة للإهتمام اللازم وتوفير كل الحوافز المطلوبة لتمكينها من النهوض والتطور والإزدهار، فوفق دراسة <اليونيدو> إن كل مصنع قادر على تشغيل ما لا يقل عن 11مصنعاً، وبالتالي كل وظيفة في القطاع الصناعي قادرة على خلق 2.2 وظيفة في قطاعات أخرى.

  وللاطلاع أكثر على مجريات الأحداث التقت <الأفكار> عميد الصناعات الغذائية جورج نصراوي ونقلت اراء رئيس جمعية الصناعيين فادي الجميل.

المشاكل والمطالب!

 نصراوي أكد بأن الصناعة في لبنان تعاني وللأسف من مشاكل متشعبة، فهناك مصانع عديدة أقفلت الى جانب وجود مئات المصانع على شفير الإقفال، وأوضح نصراوي بأنهم كجهات معنية أي أصحاب مصانع قد أعطوا الدولة مهلة ثلاثة أشهر لمعالجة الامور.

وتابع نصراوي قائلا:

– العد العكسي بدأ، وبالتالي على حكومتنا تطبيق الإجراءات اللازمة لحماية هذا القطاع وإلا فإننا سنتجه نحو تصعيد الامور بشكل أكبر، علما أن هناك ما يفوق الـ135 الف عامل بالقطاع الصناعي، وهذا القطاع في حال تم دعمه قادر على إستيعاب المئات من الموظفين وذلك بدلا من الإتجاه نحو صرف العمال في حال إستمرت الحال على ما هي عليه الآن.

وبالنسبة لمطالب الصناعيين شدد نصراوي قائلا:

– لدينا مطالب عدة منها:

* المطالبة بحماية المنتجات المحلية وذلك تطبيقا للنظام العالمي الذي يفرض على الدولة ومن أجل حماية إنتاجها تطبيق السياسة الحمائية النوعية.

* المطالبة بتخفيض الرسوم لاسيما رسم الكهرباء على المصانع من أجل تخفيض التكلفة، وبالتالي تخفيض أيضا رسوم أو ضريبة الأملاك المبنية على الصناعة ناهيك ايضا عن رسوم الضمان.

* المطالبة بحماية التصدير وبإعادة النظر بالإتفاقيات الدولية لأنها حاليا تصب لمصلحة الدول الاخرى ولذا لا بد من اللجوء الى تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل.

* المطالبة بتشجيع التصدير عن طريق دعم المعارض العالمية المتخصصة أسوة بكل دول العالم، علما ان الصناعة اللبنانية كانت صادراتها سابقا تفوق الـ4,5 مليار دولار، اما اليوم فتراجعت الى 2,5 مليار.

ونوه نصراوي بأن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إتخذا حاليا قراراً مشكورين يقضي بأن الافضلية في الإلتزامات والمناقصات هي للمنتج المحلي حتى ولو كان سعره أكثر بنسبة 10 او 15 بالمئة.

الجميل والخوف من الانزلاق!

 

وبدوره أكد رئيس جمعية الصناعيين فادي الجميل بأن المخاطر تتسع وتتسارع والجميع خائف من الإنزلاق الى الأسوأ، فالهوامش ضاقت والوقت أصبح سيفا إقترب من الأعناق وهناك من يتلهى بالمناكفات، وشدد على أنه لم يعد ينفعنا سوى الجهد والعمل والإنتاج، خصوصا انه ينتابنا القلق العميق إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا وحتى وجوديا، ناهيك عن غياب العمل الجدي لوقف النزف والتراجع، كما لفت الجميل الى أن الإقتصاد يترنح، ولا نرى سوى إستمرار للمشهد ذاته، فأصحاب العمل لاسيما الصناعيون لم يكن لديهم الرغبة للتحرك بسلبية، فهم دعاة العمل، ولكن وفي ظل صعوبة أوضاعنا نرفض استمرار التجاهل لواقعنا الصعب، إذ أصبحنا على قاب قوسين من اقفال مؤسساتنا ومصانعنا، فنحن كمجتمع صناعي ممثل بجمعية الصناعيين، نرى أنفسنا أكثر قوة وتأثيرا خاصة مع وزير شاب ومبادر ويثق بالصناعة الوطنية ويمتلك جرأة وطنية، فنحن اليوم أكثر قوة مع نوابنا الصناعيين الذين نعول عليهم ليشكلوا رأس حربة في الدفاع عن اقتصادنا وعن الوطن الذي هو في صلب مهامهم.

وعن خطوات الجمعية اللاحقة أعلمنا الجميل قائلا:

– إن الجمعية ستترك إجتماعاتها مفتوحة لمواكبة المرحلة العصيبة مع الوزير والنواب لإتخاذ كل الخطوات المطلوبة للخروج من الأزمة، وشدد على أنه يجب على الحكومة وخلال 100 يوم أن تعالج الأمور وتمدنا بالثقة، وإحتساب الوقت يبدأ منذ الآن.

وفي ما يتعلق بالحلول أوضح الجميل أنه وعلى المستوى الإقتصادي، أدوات الحلول واضحة وهناك رافعتان، <مؤتمر سيدر> وتقرير <ماكنزي>، اللذان لحظا أن الصناعة تشكل جزءا من الحل، وأكد الجميل بأن الحرب على القطاع الصناعي من كل الجهات من الداخل والخارج، والمنافسة غير المشروعة، والمؤسسات غير الشرعية، والتهريب عبر معابر برية وبحرية مشرعة، والتهريب المقونن، والحملات الإعلامية المسيئة وظالمة، كذلك أدى الى اقفال المئات من المصانع وتشريد المئات من العائلات.

 

الحلول وحالة الاستنفار!

 

وفي ما يختص بخطورة المرحلة الراهنة أوضح الجميل: نمر بوضع حرج يتطلب عناية وإجراءات من قبل الدولة قبل فوات الأوان، وقد أعلنا حالة تأهب واستنفار وجهوزية، ونحن في حرب مع الوقت لإنقاذ صناعتنا والقطاع الذي يشكل ركنا أساسيا في البنية الإجتماعية، لذا لا بد من إقرار سلسلة اجراءات عاجلة ضمن خطة إقتصادية متكاملة للجم التدهور لدى عدد كبير من المؤسسات.

وبالنسبة لتجاوب الحكومة مع المطالب أشار الجميل: لاح في الأفــــق بعض التــــدابير التي اتخذتها الحكومة بشأن تطبيق القانون المتعلق بالأفضلية المعطاة للصناعة الوطنيـــة في المناقصـــات وهذه بداية واعدة، علماً أن سلسلة التدابير والقرارات المطلوبة ليست بهدف تأمين مصالح بعض الصناعيين بل تحريك واطلاق عجلة الاقتصاد.

وتابع الجميل قائلا:

– الجمعية قدمت عام 2014 رؤية اقتصادية اجتماعية انقاذية تهدف الى تحفيز الاقتصاد برمته، ويومئذٍ بلغ الدين العام 54.6 مليار دولار فيما زاد الدين العام حاليا حوالى 30 مليار دولار، لذا ألم يكن الاجدى تحفيز الاقتصاد واطلاق الصناعة؟

وأنهى الجميل حديثه مشدداً على ضرورة إقفال المؤسسات غير الشرعية وتطبيق الاتفاقيات التجارية على قاعدة التعامل بالمثل وتطبيق القوانين على الجميع والإسراع في معالجة أكلاف الطاقة والانكماش الاقتصادي عبر ضخ السيولة في العجلة الإقتصادية وتخفيض الضغوطات المالية والمصرفية والضريبية منعا للمزيد من التأزم الإقتصادي، لذا لا بد من البدء بورشة عمل وإنشاء خلية خاصة بين الحكومة ومجلس النواب لإقرار السياسات والإجراءات للنهوض في القطاع الصناعي الذي ما زال رغم الصعوبات يوفر أكثر من 140 ألف فرصة عمل للبنانيين.