16 October,2018

القطاع الصحي بين الواقع المأزوم والإصلاح المستحيل  

بقلم حسين حمية

1  

الصحة في لبنان أصبحت تجارة رابحة للبعض وباباً للرزق والتكسب على حساب صحة اللبنانيين وحياتهم، حتى بات اللبناني الفقير يموت على أبواب المستشفيات إذا لم يؤمّن المال اللازم لدخول المستشفى رغم تحذير وزارة الصحة، وفي ظل غياب المستشفيات الحكومية الكفوءة، حتى ان شركات التأمين تتحايل على القانون أحياناً وترفض دفع الفروقات المتوجبة عليها، وبالتالي تُطرح علامات استفهام كبيرة حول الملف الطبي والاستشفائي في لبنان وصولاً الى قطاع الدواء، خاصة بعد صدور مرسوم الوصفة الطبية الموحدة والتي يتم الاحتيال عليها أيضاً. فماذا يقول المطلعون على هذا الملف من ألفه الى يائه؟

<الأفكار> التقت كلاً من رئيس لجنة الصحة النيابية الدكتور عاطف مجدلاني والنائب السابق الدكتور اسماعيل سكرية الناشط في كشف التلاعب بصحة المواطن منذ زمن وحاورتهما في هذا الملف، وكانت البداية مع الدكتور عاطف مجدلاني والسؤال:

ــ كيف ترى الوضع الصحي في لبنان ومشاكله على كل الصعد؟

– المجتمع اللبناني ينقسم صحياً الى أربع فئات: الفئة الأولى هي موظفو الدولة من مدنيين وأسلاك عسكرية وهي تشكل 22 بالمئة من اللبنانيين. وهذا القطاع لديه كل العطاءات من تعويضات ومعاش تقاعدي الى التغطية الصحية. والفئة الثانية، هي من المنتسبين الى الضمان الاجتماعي الذي يغطي ما نسبته 30 بالمئة من اللبنانيين طالما أنهم تحت سن التقاعد، ولكن عند بلوغهم سن الـ64 سنة، ينالون تعويض نهاية الخدمة ولا يعود الضمان مسؤولاً عنهم صحياً. والفئة الثالثة هم المنتسبون الى شركات التأمين وصناديق التعاضد وهم يشكلون نسبة 15 بالمئة، وهؤلاء يدفعون من جيوبهم لتغطيتهم الصحية، ولا ينالون تعويضات أو معاشاً تقاعدياً، والفئة الرابعة هي بقية اللبنانيين الذين لا يحظون بأي نوع من أنواع الضمان أو التغطية الصحية ويذهبون للاستشفاء على حساب وزارة الصحة وهم يشكلون نسبة 40 بالمئة، وبالتالي عندما نرى هذا المشهد، نتلمس عدم العدالة في العطاءات الاجتماعية والصحية.

وأضاف مجدلاني قائلاً:

– وانطلاقاً من هذا الوضع قلنا في تيار <المستقبل> انه لا بد من تأمين شيء من العدالة الاجتماعية، ولذلك تقدمنا بثلاثة اقتراحات قوانين: الأول: هو التأمين الصحي للمتقاعدين من الضمان بعد حصولهم على تعويض نهاية الخدمة بغية استكمال تغطيتهم الصحية مدى الحياة، وعلى أساس النظام ذاته الذي كان يشملهم في الضمان الاجتماعي، لاسيما نظام المرض والأمومة، والاقتراح الثاني هو البطاقة الصحية الاستشفائية الإلزامية التي تتضمن مساهمة بسيطة ورمزية لكل لبناني غير مضمون بحيث يستفيد من هذه البطاقة وهي تؤمن لهذه الفئة التغطية الصحية بكل كرامة وبمستوى فعال، حيث لا تتجاوز مساهمة المواطن نسبة مئة دولار الى مئة وعشرين دولاراً في السنة لكل شخص، وتغطي الاستشفاء والدواء دون الحاجة الى وزير أو نائب. وهذه البطاقة تنتزع ذريعة السقف المالي للاستشفاء الذي تضعه وزارة الصحة للمستشفيات، وبالتالي يستطيع المريض بواسطة هذه البطاقة الدخول الى أي مستشفى بكل كرامة، والاقتراح الثالث هو ما يعرف بضمان الشيخوخة الذي يؤمن المعاش التقاعدي لكل مواطن لبناني ينتسب الى هذا النظام بعد التقاعد والعجز.

ــ أين أصبحت هذه الاقتراحات وما مصيرها؟

– الاقتراح الأول أصبح موجوداً عند الرئيس نبيه بري وهو ينتظر أول جلسة تشريعية حتى يضعه على جدول الأعمال، بحيث يصبح ساري المفعول عند صدوره في الجريدة الرسمية لكن بدون مفعول رجعي، والثاني هو البطاقة الصحية التي أنهت درسها لجنة الصحة وهي تدور اليوم بين لجنة الإدارة والعدل ولجنة الموازنة لدرسها وإقرارها، والثالث موجود في اللجنة الفرعية وهو ينتظر إنهاء الخلاف السياسي حول مرجعية نظام التقاعد والحماية الاجتماعية وما إذا يجب أن يكون الضمان الاجتماعي أو يجب أن تكون مرجعية مستقلة كما يقول فريق آخر، وهذا ما يجمّد كل الأمور، وحاولت حلّ هذه العقدة وسأحاول مرة جديدة حلها.

ــ وهل هذه الاقتراحات كفيلة بوضع الواقع الصحي والاستشفائي على سكة الحل؟

– طبعاً، تحل كل المشاكل التي تعترض حالياً المواطن الذي تقاعد من الضمان أو الذي ليس لديه أي تغطية صحية. ونحن قلنا في الاقتراح الأول بتأمين الصحة للمتقاعد من الضمان، وفي الاقتراح الثاني إصدار البطاقة الصحية لكي لا تكون هناك مشكلة أمام اي مواطن يريد دخول المستشفى ويحصل على الخدمة الصحية، وبالتالي يصبح لدى اللبنانيين في هذه الحالة التأمين الصحي، لكن يبقى المعاش التقاعدي الذي يرتبط بالاقتراح الثالث وهو لم يصبح مدار اتفاق حتى يصبح نافذاً.

الواقع الصحي

ــ هذه أشبه بالحلول للأزمة، لكن ماذا عن واقع الحال في ظل تحوّل بعض المستشفيات الى الكسب المالي والتواطؤ مع بعض المسؤولين لعدم تفعيل المستشفيات الحكومية وارتفاع الفاتورة الصحية ووجود فواتير وهمية وما شابه؟

– المواطنون غير المشمولين بأي تغطية صحية يحاولون الدخول الى أي مستشفى، لكن ما يحصل ان بعض المستشفيات تقول لهم إنه لم يعد هناك من سرير على حساب الوزارة، وهذا أمر لا يمكن التحقق منه، وقد تعمد المستشفى الى فعل ذلك بهدف إدخال المريض على حسابه أولاً ومن بعد ذلك يُنقل على حساب الوزارة بعد شغور سرير ما، لكن التكلفة هنا كبيرة، لأن اليومين الأولين هما الأساس، حيث تحصل كل الفحوصات والتشخيص أو إجراء العملية.

ــ ألا يمكن أن يكون هذا احتيالاً، فأين الرقابة هنا؟

– الرقابة شبه معدومة مع الأسف الشديد في القطاع العام، وهذا أمر سبق أن تنبهت له مديرية قوى الأمن الداخلي عندما أجرت اتفاقاً مع شركة مراقبة خاصة للتأكيد من أن عنصر قوى الأمن يلزمه دخول مستشفى، وما إذا كانت المستشفيات تستطيع استقبال مريض قوى الأمن، وما إذا كان المريض خلال الاستشفاء يحصل على الفحوصات الواجبة أم أنه يحصل على فحوصات لا لزوم لها، وما إذا كان يحصل على الأدوية اللازمة حيث انه نتيجة هذه الرقابة استطاعت قوى الأمن توفير 30 بالمئة من فاتورتها الصحية، ولذلك فهذا موضوع أساسي ومهم، لاسيما ما يحصل على أبواب المستشفيات وكيف يتعاطى بعض المستشفيات حتى لا نظلم أحداً.

 

الرقابة الضعيفة

 

ــ كرئيس لجنة صحة، هل أنت راضٍ على رقابة وزارة الصحة؟

– طبعاً لا… دور الرقابة في الوزارة مفقود أو لنقل ناقص وغير مكتمل ويجب أن يتفعل لأن تفعيل الرقابة في القطاع العام أمر أساسي ولا يقتصر على وزارة الصحة إنما لا بد أن يشمل الضمان الاجتماعي الذي يفتقد الى الرقابة الجيدة، خاصة مع وجود فواتير وهمية تتعلق بالموافقة المسبقة أو الموافقة المؤخرة، ناهيك عن مشكلة الطبابة في الضمان التي زادت ضعفين عن باقي الفروع سواء الجراحة أو التوليد أو غيرهما، لأن هناك أناساً يدخلون الى المستشفى ولا لزوم لهذا الدخول، إنما بدل إجراء فحوصات خارج المستشفى يدخلون المستشفى لإجراء فحوصات شاملة، وذلك بطريقة ملتوية.

ــ وماذا عن فواتير المستشفيات الوهمية؟

– هذا صحيح، ولكن هناك صعوبة في أن تقوم مستشفى بهذا الأمر، إنما بعض المستشفيات تعمد الى تضخيم الفواتير بدليل أنه عند حصول حسم يصل الى 20 و30 بالمئة من قبل أي صندوق تقبل، وهذا معناه أن هناك شيئاً غير طبيعي.

ــ وماذا عن التواطؤ الضمني لعدم تفعيل المستشفيات الحكومية لصالح المستشفيات الخاصة، وأكبر مثال مستشفى رفيق الحريري الجامعي وغيره، حتى ان الخلاف السياسي يصل الى تعيين مجالس الإدارة والتمويل وشراء المعدات؟

– مستشفى رفيق الحريري يؤدي خدمة كبيرة جداً للمرضى الفقراء والمعوزين لأنه الملجأ الوحيد لهم خاصة من لا يجدون سريراً في أي مستشفى آخر، لكن للأسف عندما تدخل السياسة الى الصحة يتخربط الوضع، والدليل أن المستشفيات الناجحة تكون غير خاضعة للتجاذب السياسي مثل مستشفى النبطية الحكومي، ومستشفى ضهر الباشق، ومستشفى تنورين وغيرها، لكن المستشفيات التي  تتعرض لضغوطات سياسية  مثل مستشفى رفيق الحريري نراها تتعثر وتقفل.

 

شركات التأمين والوصفة الطبية

ــ وماذا عن شركات التأمين وهل تقوم بواجبها أم أنها أيضاً تستفيد من الفساد الحاصل وتعمد الى الاحتيال وعدم دفع المستوجبات عليها للمريض تحت حجج واهية؟

– شركات التأمين تقوم بدورها على أكمل وجه، لكن هناك مسألة خاطئة لا يستطيع أي وزير حسم أمرها، وتتعلق بطريقة  عمل هذه الشركات، بمعنى انه عند مرض أي مواطن مشمول بالتأمين الصحي لدى شركة قد يتعرض لمرض السكري ويعالج، لكن عند تجديد بوليصة التأمين تشترط عليه الشركات عدم تغطية هذا المرض ومضاعفاته، أو الأمراض المتفرعة عن السكري، لاسيما أمراض الشرايين. فهذا الامر لا يجوز لأن الإنسان عندما يؤمن على مرضه لا بد أن تشمله العناية على أكمل وجه دون حساب الربح والخسارة، ناهيك عن عدم تغطيتها الأمراض ذات الكلفة العالية، ومن المفترض هنا أن تحاسبهم الحكومة ووزارة الاقتصاد لأن هذه الشركات تابعة لوزارة الاقتصاد ولا بد من إيجاد حل لهذه المشكلة.

ــ ما هي إيجابيات الوصفة الطبية الموحّدة، وهل صحيح أن مفعولها الإيجابي تبخر عندما يضع الطبيب عبارة <لا يُستبدل> على أي دواء يصفه؟

– يستطيع الطبيب فعل ذلك لأنه لا يمكن أن يتقدم أحد على الطبيب كصاحب مسؤولية في تحديد الدواء اللازم، خاصة عندما يكون المريض فقيراً ويطلب من الطبيب أن يصف له دواء رخيصاً أو يستبدل الدواء الذي حدده له الطبيب بدواء أرخص، وبالتالي فالوصفة الطبية الموحدة لا تحث الطبيب فقط على الشعور الإنساني تجاه المريض الفقير، إنما تعطي الفقير الحق بالحصول على دواء أرخص لكن بالفاعلية ذاتها للدواء الجيد، فهذه أهمية الوصفة الطبية شرط أن تُستعمل بطريقة سليمة وضميرية خاصة من قبل الأطباء بحيث توفر على جيب المريض 50 بالمئة من فاتورة الدواء، وكذلك الحال بالنسبة للدولة ولتعاونية الموظفين وللضمان الاجتماعي بحيث يتم التوفير في فاتورة الدواء.

وأضاف:

– والى جانب ذلك فالوصفة تساعد الطبيب، لأن كل وصفة يدفع ثمنها 250 ليرة كطابع بحيث تذهب هذه الأموال الى صندوق التقاعد بما يساعد الطبيب على رفع سقف تقاعده من مليون ليرة الى مليون و500 ألف ليرة. وهنا أنبّه المواطن الى أنه لا يجوز للطبيب أن يجبر المواطن على دفع ثمن الوصفة الطبية الموحدة لأنها جزء من الخدمة التي يؤديها الطبيب نتيجة المعاينة.

ــ باختصار ما الحل للمشاكل التي تعترض المرضى ودور الوزارة هنا؟

– لا يوجد حل واحد، بل لا بد من جملة حلول تتضافر لنصل الى تغطية صحية لائقة لكل المواطنين، سواء من خلال الاقتراحات التي سبق وذكرتها أو من خلال تشديد الرقابة على شركات التأمين وعلى الضمان والتعاونية إلخ. وتوحيد ظروف الخدمة الصحية لكل المواطنين وإيجاد تسعيرة واحدة لكل الصناديق الضامنة وتأمين العدالة الصحية بين المواطنين والمساواة فيما بينهم، وتحييد السياسة عن هذا القطاع وخاصة عن إدارة المستشفيات الحكومية كي لا تتعثر وتقفل.

 

الدكتور سكرية والقطاع الصحي

من جانبه قال الدكتور اسماعيل سكرية رداً على سؤال حول واقع الحال في القطاع الطبي والاستشفائي وما إذا الفقير لا يستطيع دخول مستشفى وماذا أيضاً عن ارتفاع الفواتير الاستشفائية التي تتعلق بالأدوية أيضاً وتهرّب شركات التأمين عن القيام بواجباتها أحياناً؟!

– القطاع الصحي في لبنان يختصر تركيبة النظام ومحاصصاته الطائفية والسياسية والحزبية في وجه كبير منه، وبالتالي ليست هناك سياسة صحية وطبية بالمعنى الحقيقي للكلمة تطبق القانون، بل بالعكس فالمعادلة الاستهلاكية التي يسير وفقها القطاع الصحي وترهقه مادياً تتزايد سلباً، فالكلفة الصحية والتكنولوجيا المصنعة ترتفع يقابلها التراجع في القدرة المادية عند الناس والمؤسسات الضامنة، ورغم ذلك تأتي أعمال الشطارة والتجارة في الفواتير والأعمال الطبية الوهمية، وهذا أمر يزداد في كل حين، وبالتالي فالنظام الصحي يتراجع من حيث القدرة على تقديم الرعاية الصحية الجيدة عند الضرورة وفي أوقاتها بالذات دون تأخير وتلكؤ. والواضح أن مريض الضمان لا يستطيع دخول أي مستشفى يريده، وكذلك حال مريض التعاونية، وبالتالي أصبح تطبيق القانون حبراً على ورق، فالمضمون في الضمان والتعاونية مثلاً، لا يدفع فقط الفارق للمستشفيات الخاصة 10 بالمئة أو 5 بالمئة للمستشفيات الحكومية، بل يدفع أحياناً ثمن دواء لا يوجد في المستشفى أو إيجار الطبيب من خارج التسعيرة المعروفة، وبالتالي ترتفع فاتورة المريض والفارق الذي يكون 10 بالمئة يرتفع الى 25 بالمئة وحتى 30 بالمئة وأكثر، عدا عن الشيكات بدون رصيد للمعوقين، وهذا ما أحذر منه منذ سنوات وكنت أقول إننا إذا بقينا على هذا المنوال من الاستهلاك فالنظام الصحي مهدد بالانهيار، وقد بدت معالمه اليوم بحيث لم يعد المضمون مطمئناً ومرتاحاً، والسبب الأساسي هو غياب السياسة الصحية التي تطبق القانون وتقوم بتنسيق بين المؤسسات الضامنة وتشدد الرقابة وهذا كله مفقود. وأمام هذا الواقع لا تزال أبواب الشطارة مفتوحة، فالمستشفيات تفرّخ باستمرار وتفريخ الأطباء مستمر حيث لدينا أكثر من 13 ألف طبيب، ما يعني أن اقل من 300 لبناني لهم طبيب، أي 3 أضعاف من المعدل العالمي، ما يفتح أبواب الشطارة والفواتير الوهمية أيضاً عند الطبيب بالتواطؤ مع شركات الدواء، وكذلك حال المستشفيات. وبدل تعزيز القطاع الحكومي كحل أساسي، نستمر في إهمال القطاع العام، حتى ان مستشفى رفيق الحريري الجامعي يحل لوحده 10 بالمئة من المشكلة، لكن نرى أن المستشفيات الحكومية مأزومة ومتعثرة وتعيش الإضراب لدى الموظفين وتحتاج دائماً الى تعيين مجالس إدارة. وكل ذلك بسبب الخلافات السياسية نتيجة تركيبة النظام، ولذلك نجد هذه المستشفيات متعثرة ومديونة لصالح القطاع الخاص المحمي إما بتواطؤ مع دهاليز الوزارة من الداخل، وهذه قصة قديمة ولا تزال حتى اليوم، وإلا لا أفهم كيف أن مستشفى معيناً هو أقرب الى مستوصف يحصل على 3 مليارات ليرة في السنة وهو لا يعمل أصلاً بأكثر من 300 مليون ليرة، وأما ان هذه المستشفيات محمية بالسياسة والطائفية بحيث أن هذا المستشفى يخص هذا الزعيم أو ذاك أو هذه الطائفة أو تلك.

 

ارتفاع الفاتورة الصحية

5-(1)

ــ ماذا عن الفاتورة الصحية قياساً الى بلدان أخرى؟

– الفاتورة الصحية كانت منذ سنوات ثاني فاتورة في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، وتحسن الوضع بشكل بطيء وبشكل رقمي يطرح علامات استفهام وتصل هذه الفاتورة الى 4 مليارات دولار أو أقل، لكن في المقابل الخدمة لا تماثل دول العالم، وصحيح أن المواطن الأجنبي ينتظر دوره لكن نوعية الخدمة تكون أفضل مما هي لدينا حيث توجد كوارث لاسيما في المناطق، والأمر أقرب الى التجارة والجهل الذي يزيد بشكل مضطرد، وبالتالي لدينا تخمة من الأطباء، ما يفتح الباب أمام قلة الضمير وتشاطر المستشفيات بدءاً من الفواتير الوهمية وألعاب الشطارة داخلها حيث لا توجد رقابة في المطلق على الأدوية التي توزع داخل المستشفى، ناهيك عن مشاكل التخزين واستمرار انقطاع الكهرباء، وبالتالي فالتطبيق يدخل ضمن إطار الفساد وعدم رقابة حتى ان  الطفلة ايلا طنوس كانت داخل العناية الفائقة في أحد المستشفيات وتبين ان هذا المستشفى ليس لديه عناية فائقة مكتملة المواصفات أصلاً، وهذا حال الكثير من المستشفيات، وبالتالي هناك ثغرات عديدة إضافة الى عوامل الفساد والشطارة وإبقاء المريض أياماً إضافية بدون سبب هو لتمريك العدد الأكبر من الأيام، ناهيك عن وضع المريض في العناية الفائقة، لأن الفاتورة أكبر وما إلى ذلك من قصص تضحك وتُبكي في آن، وبالتالي تمارس كافة أعمال الشطارة والألعاب بغية الربح والكسب ولو على حساب الصحة العامة.

شركات التأمين وغياب المحاسبة

ــ وشركات التأمين ودورها السلبي أحياناً في عدم تغطية استشفاء مريض ما؟

– شركات التأمين يهمها الربح وهذا من حقها، لكن يجب ان تحترم لغة العلم وهي فقط تتشاطر وتسأل عن أعمال استشفائية، الأمر الذي يحدث إرباكاً ويجعل المريض هو الذي يدفع الثمن في النهاية خاصة إذا لم يكن مضموناً.

ــ ما المطلوب في تقديرك؟

– يجب إيضاً ألا ننسى فوضى المستوصفات ومراكز الرعاية، وهنا أحزن عندما أسمع عن البطاقة الصحية وهذا الشعار الجميل الذي نتحدث عنه منذ سنوات لأنه في ظل هذا المناخ الفاسد لا يمكن الوصول الى حلول، والمطلوب بكل بساطة صدور قرار سياسي وطني كبير يرتقي الى مستوى الوفاق يعمد الى تطبيق القانون ولو تضرر منه هذا الفريق أو ذاك او هذا الزعيم أو ذاك أو هذه الطائفة أو تلك، ومن ثم يطبق القانون بحيث إذا لم تستطع توحيد الصناديق الضامنة فعلى الأقل يحصل تنسيق فيما بينها وتصدر تعرفة موحدة، فلا يجوز أن يكون سعر الضمان مختلفاً عن سعر التعاونية أو الصناديق العسكرية، إضافة الى ذلك لا بد من تشديد الرقابة على الجميع وتتم المحاسبة وتخلق ضوابط للتكنولوجيا الصحية السريعة، فليس من الجائز أن يكون لدينا 128 <سكانرز> تفوق خمسة أضعاف مما لدى فرنسا، والوزارة حالياً لا تلمس صلب السياسة الصحية بل بالعكس، فالمستشفيات المحسوبة على هذا أو ذاك تستفيد من الجو السائد.

الوصفة الطبية الموحدة

ــ وماذا عن الوصفة الطبية الموحدة، وهل تكسر احتكار التجار للأدوية وتنظم هذا القطاع؟

– هذه الوصفة لن تكسر أي شيء ووضعت لتشجيع استهلاك دواء <الجنريك> لأنه أرخص وترك للطبيب الباب ليكتب عبارة: <لا يُستبدل>، ما يُبطل العمل بهذه الوصفة، لا بل هذه عززت التواطؤ بين الأطباء وشركات الأدوية وفتحت أكثر التواطؤ بين الصيادلة وشركات الأدوية لتسهيل هذا الدواء أو ذاك، وهناك لغم كبير من خلال تشجيع <الجنريك>، وأنا أول من نادى به في المجلس النيابي لكن كنت أطالب بمختبر لفحص الأدوية ولا يوجد لدينا مركز بعد يؤمن هذا المختبر منذ سنوات، حتى ان السويد أرسلت تجهيزات لإنشاء هذا المركز لكن هذه التجهيزات بيعت وبقينا من دون مختبر لأن هناك أمراً خفياً يمنع وجود مختبر لأنه يطير آنذاك نصف أدوية السوق، لاسيما وأن هذا القطاع يربح مئات ومئات الملايين من الدولارات ويوجد <كارتيل> مالي كبير وراء ذلك، حتى أن زعماء سياسيين كانوا يخوضون انتخاباتهم بتغطية مالية من شركات الأدوية.

ــ وهذا المشهد الى أين والى متى أيضاً؟

– لدينا صورة منوعة من الوجه الحلو من حيث وجود أطباء مميزين وبعض المؤسسات الجيدة وأدوية جيدة، لكن في المقابل هناك الكثير من العبث بالصحة والاستشفاء والطبابة والدواء بسبب غياب تطبيق القانون والفساد، ولا بد في النهاية من تقديم الطبابة والاستشفاء الجيد والدواء الفاعل ذي السعر المنطقي والمعقول في الوقت المناسب للمريض، إضافة الى التنسيق بين المؤسسات الضامنة إذا لم يصر الى توحيدها وإيجاد تعرفة واحدة بحيث لا تعود المؤسسات الضامنة تشكل <كانتونات> لكل منها تعرفتها.