13 December,2019

القطاع الصحي بين الأمس واليوم في ظل الفساد المستشري!  

بقلم طوني بشارة

 

الدكتور اسماعيل سكرية:الملف الصحي هو ”الصندوق الأسودالذي يكشف ويفضح جميع من يتعاطى فيه!

لطالما احتل القطاع الطبي في لبنان ولفترة طويلة المرتبة الأولى في جودة الخدمات حتى وصل الأمر إلى تسميته <مستشفى الشرق الأوسط>، ولكن للأسف تراه اليوم يتحول تدريجياً إلى مرفق تجاري بسبب تحول الطب إلى مهنة او تجارة بدلا من كونه رسالة مقدسة، والمتتبع للامور الصحية يلاحظ أن هذا الملف بات يشغل وبقوة بال كافة اللبنانيين.

 فما سبب هذا التحول؟ وما هي التجاوزات الممارسة من قبل المعنيين بأمور الصحة في لبنان؟

سكرية وواقع المستشفيات!

للإجابة عن هذه التساؤلات حاورت <الأفكار> رئيس الهيئة الوطنية الصحية الاجتماعية الدكتور إسماعيل سكرية، الذي رأى أنّ الملف الصحي هو <الصندوق الأسود الذي يكشف ويفضح جميع من يتعاطى في هذا الملف، فهؤلاء يتعاطون مع ملف الصحة كما يتعاطون مع زفت وزارة الأشغال>.

ــ وكان السؤال المدخل عن أهمية الجسم الطبي في لبنان وعن المستقبل المتوقع له؟

– الطبابة في لبنان تحتاج إلى معالجة جذرية، اذ لدينا أطباء مميزون عالمياً وهم يتمتعون بأعلى القدرات، مقابل مستوى متراجع لعدد من الأطباء وتدنٍ في المتابعة العلمية. كما أن القطاع الطبي في لبنان لم يعد بعيداً عن الإنهيارات والتداعيات التي أحاطت بالدولة اللبنانية لناحية الإلتزام الأخلاقي في العمل.

وتابع سكرية قائلا:

– في لبنان هناك أكثر من 150 مستشفى خاصاً، مقابل 29 مستشفى حكومياً، أكثر من نصفها لا يعمل، والنصف الآخر ينخره الفساد المالي والإداري والمحسوبيات السياسية والتوظيفات العشوائية ومجالس إدارة منتهية الصلاحية، مع خدمات طبية متواضعة جداً ونقص في التجهيزات الأساسية. واللافت بأن الطبابة ثقيلة على المواطن، فيما قلة من المستشفيات تتمتع بمستوى جيد جداً، في حين أن نسبة غير قليلة تقدم خدمات مهترئة، ولأن لا دولة، يصبح السؤال عن الرقابة غير ذي جدوى اذ لا أحد يردع المعادلة الاستهلاكية للقطاع الطبي. أما عن المؤسسات الضامنة من تعاونية موظفي الدولة والضمان الاجتماعي وتأمينات السلك العسكري وشركات التأمين، فوضعها جزء من أزمة النظام الصحي.

ــ أين لبنان من إنتاج الأدوية؟ وما مصير مركز المعلوماتية الدوائية؟

– في لبنان يوجد 8 مصانع لإنتاج الأدوية، منها مصنعان ينتجان أمصالاً وحقناً، وان تلكؤ الدولة وعدم دعمها أفقدا الصناعة الدوائية اللبنانية قدرتها التنافسية، وذلك يأتي دعماً للقطاع الخاص، تماماً كما يحصل في القطاع التربوي والمستشفيات الحكومية. وما حصل لمركز المعلوماتية الدوائية أكبر برهان على غياب الدولة، فالمركز كان يعتبر الاول من نوعه في العالم العربي، ويومها (عام 1989) تم إنشاء المركز وتجهيزه بآلات وبفريق عمل كبير، لكنّ المشروع توقّف دون سبب معلن. وفي العام 1996 أعيد تفعيل المركز، لكن كل المعلومات التي سجّلها بيعت، وأعيد وقف العمل به. وقيمة المركز انه يوفر معلومات كاملة عن سوق الدواء، لناحية كمية ونوعية الأدوية الموجودة في السوق، وبلد المنشأ وتاريخ صلاحيتها، فضلاً عن أسماء وعناوين الشركات المستوردة والتجار، وغيرها الكثير الكثير من البيانات المهمة، لكن بقدرة قادر، تعطّل الحاسوب وبيعت المعلومات.

التحايل الطبي والفاتورة المرتفعة!

ــ يتذمر المواطن من الفاتورة الصحية المرتفعة في لبنان، فهل هناك تضخيم للواقع؟

– في ما يتعلق بذلك يمكن الإستدلال على الواقع إذا احتسبنا حجم ما ينفقه المواطن مقارنة مع مدخوله وقدرته الشرائية، عندها يمكن الجزم بأن الفاتورة الصحية مرتفعة جداً مقارنة ببعض الدول العربية والعالمية، فبعملية حسابية بسيطة ندرك بان المواطن اللبناني ينفق سنوياً حوالى 300 دولار على الدواء، كمعدل وسطي، في حين ان المواطن في دول مجلس التعاون الخليجي ينفق حوالى 85 دولاراً، وفي الأردن حوالى 45 دولاراً، اما في مصر فينفق حوالى 28 دولاراً، وفي سوريا حوالى 24 دولاراً.

وعموماً، بلغت كلفة الفاتورة الصحية في لبنان 3.8 مليار دولار في الفترة الاخيرة، في حين وصلت فاتورة الدواء الى 1.5 مليار دولار، أي ان نسبتها من الفاتورة الصحية حوالى 38%، وهي اعلى نسبة في الدول العربية وفي العالم. وتجدر الاشارة الى ان هناك حوالى 600 نوع دواء موجودة في السوق اللبنانية.

وتابع سكرية قائلا:

– وبمراجعة دقيقة للأرقام نلاحظ أن تكلفة الفاتورة الصحية في لبنان تقدر بنحو 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أعلى الفواتير الصحية في العالم، بعد الولايات المتحدة الأميركية، وتفوق تكلفة الاتحاد الأوروبي التي تصل إلى 8 بالمئة، ومع ذلك، فإن الخدمات الصحية تعاني سوءاً في التوزيع ونقصاً في العدالة لناحية الحصول على الخدمات الصحية الأساسية.

ــ ما سبب الإختلاف الكبير في التكلفة؟ وألا يمكن التحكم بهذا الامر؟

– الإختلاف الكبير يأتي بشكل أساسي لتعاطي المسؤولين عن الملف الصحي انطلاقاً من الاقتصاد الحر، اذ ان هؤلاء يرفعون كلمة حق يراد بها باطل، إذ لا يمكن التعامل مع صحة المواطن وكأننا في سوق للبيع والشراء، وهذا التعاطي هو ما يفسر ارتفاع الكلفة. وما لا يعرفه المواطن هو لجوء بعض المستشفيات والأطباء والمختبرات الى تحصيل أموال من المواطنين من دون وجه حق، مستندين الى فحوصات وصور أشعة لا حاجة لها، وطبعاً كلها تكاليف إضافية. فعلى سبيل المثال، يطلب أحد الأطباء من مريضه إجراء 11 فحصاً، في حين انه يحتاج الى 4 منها، فيدفع المريض كلفة 11، ويحصل الطبيب على عمولة من المختبر نتيجة الإتفاق المسبق معه على هذه اللعبة، اما الفحوصات الـ7 الباقية فلا يجريها المختبر أساساً ويسجل نتائج وهمية.

ولا يخفى علينا أيضا بأن هناك تلاعباً في صور الـ<سكانر> حيث يطلب الطبيب صورة ويجريها المريض في إحدى المستشفيات التي يتعاقد معها الطبيب، فيأخذ الطبيب نسبة من كلفة الصورة. وأحياناً كثيرة يطلب مدير المستشفى من أحد الأطباء زيادة عدد تحويلاته للمرضى الى صور الـ<سكانر> لمراكمة الأرباح.

ــ الا يعتبر ذلك أمراً خطيراً؟

– قد تكون هذه المعلومات غريبة بالنسبة للكثيرين من الناس، لكنها حقيقة ملموسة لا يعرفها إلا من يغوص إلى أعماق الملف الصحي. فهل يعرف المواطن أن في لبنان حوالى 42 آلة رنين مغناطيسي، وأن عدد آلات الـ<سكانر> لا يجب ان يكون عشوائياً؟ فمنذ فترة قصيرة، كانت في لبنان 127 آلة، يعني كانت هناك آلة لكل 32 ألف لبناني تقريباً، في حين أنه في فرنسا، هناك آلة لكل 200 ألف مواطن ويُدرس طلب كل صورة بحسب الحالة المرضية، فليست كل الحالات تستدعي الصورة، لكن في لبنان يُستسهل إجراء الصورة للإستفادة من الكلفة المادية، ويتم إدخال الآلات وتأمين أسواق لها.

ــ هناك شائعة مفادها بان شركات تصنيع الأدوية واللقاحات تستفيد للأسف مادياً من انتشار الفيروسات، فما صحة ذلك؟ وهل هناك علاقة بين إنتشار الفيروسات واستفادة الشركات منه، أم ان ذلك مجرد شائعة لا قيمة لها؟

– المضحك المبكي بالامر أن كبريات شركات تصنيع الأدوية واللقاحات تصنّع فيروسات وتنشرها لتبيع لقاحاتها ولتخلق أسواقاً لتصريف انتاجها، وهي تميّز بين الأسواق، أيها قادر على استهلاك نوع معين من اللقاحات وأيها لا، وتقوم الشركات بالتهويل عند نشر كل فيروس لتضمن إنتشار لقاحه، وعندما ينخفض إيراد لقاح ما، تنشر الشركات فيروساً جديداً لإعادة تفعيل السوق… فأين اصبحت فيروسات مثل جنون البقر والسارز وانفلونزا الطيور والكورونا؟ حتى انفلونزا الخنازير المعروف علمياً بفيروس N1H1، تراجع الحديث عنه لفترة وعاد اليوم الى الانتشار، علماً ان الفيروس صنّعته شركة دواء أميركية كانت مهددة بالإنهيار في مزرعة للخنازير في المكسيك ثم نقلته الى الإنسان لينتشر، وللمفارقة فإن السويد والدنمارك وفنلندا رفضت شراء اللقاح لأنها تعرف حقيقته.

ــ هذا بالنسبة للقاحات، فماذا عن التجاوزات والتحايل في المجال الطبي على صعيد المستشفيات واللجان والادوية في لبنان؟

– المستشفيات الخاصة تتحايل على المريض لتسلبه مبالغ إضافية تتجاوز ما توفره المؤسسات الضامنة. ونحن في نظام طبي مأزوم، لعدم وجود سياسة صحية وطنية، ولا شيء تغير على امتداد الحكومات في هذا القطاع.

كما وتتذرع نسبة كبيرة من المستشفيات بالضغوط المالية التي تهدد استمراريتها، والحاجة إلى مواكبة التطور العلمي مع ما يتطلب هذا الأمر من تحديث المعدات بشكل دوري والمحافظة على الموارد البشرية الكفوءة وتلبية متطلبات أنظمة مراقبة الجودة المطلوبة. كما أن التغطية التي تؤمّنها الجهات الضامنة ليست كافية والمريض يتحمّل جزءاً، أحياناً مهماً، من التكاليف ليس في مقدوره دائماً تأمينه، ما يتسبّب في إشكالات بين المريض وإدارة المستشفى، فتتكرر مآسي الموت على أبواب المستشفيات في لبنان، كذلك تتكرر الفضائح المتعلقة بالأخطاء الطبية والصفقات على حساب صحة المواطن.

 

فضائح الأدوية وتسعيرة الضمان!

ــ هذا بالنسبة لفضائح المستشفيات، فماذا عن الادوية؟

– قبل نحو عامين، كُشِف عن فضيحة بيع رئيسة قسم الصيدلة في مستشفى بيروت الحكومي أدوية السرطان بأسعار باهظة، بعد سرقتها من صيدلية المستشفى واستبدال أدوية مزوّرة ومنتهية الصلاحية بها كانت تعطيها لمرضى السرطان الذين يتعالجون في المستشفى، وطوي الملف ولم تتم متابعته.

وتابع سكرية قائلا:

– وقبل ذلك بفترة قصيرة، انفجرت فضيحة للأدوية المزوّرة في لبنان، بطلها شقيق نائب في البرلمان تسيطر شركته على سوق الدواء بقوة الأمر الواقع، وتدخل أدوية «جنريك» إلى لبنان من دون تمريرها كما تقتضي القوانين المرعية على مختبرات وزارة الصحة، وذلك من خلال تزوير أوراق وأختام وفحوص مختبر جامعة بيروت العربية وختم وزارة الصحة وحتى تزوير توقيع الوزير المختص، كذلك تعمد شراء أكبر نسبة من الصيدليات على امتداد المناطق اللبنانية، ومع أن المدعى عليه سلم نفسه في حينه إلى العدالة، فإن توقيفه كان صورياً، وأيضاً طوي الملف.

واستطرد سكرية:

– هل تعجز الحكومة مثلاً عن اتخاذ قرار باستيراد الأدوية من خلال الدول، ما دام هناك وفر يُقدّر بنحو 200 مليون دولار على الأقل؟ وهنا ايضا لا بد من التأكيد بأن صناعة الدواء في لبنان تقوم أصلاً بغالبيتها على تغليف بعض الأدوية المستوردة وتعليبها، بعد «تجميعها» في لبنان «فيما بعضها الآخر عبارة عن مضادات حيوية وفيتامينات بسيطة». اما تعزيز صناعة الدواء فيستوجب جهداً وتعاوناً مع جهات أكاديمية وعلمية لتفعيل هذا القطاع، والنقطة الأهم تتعلّق بالمختبر المركزي للدواء، إذ كيف يمكن للبنان أن يصدّر دواءً من دون وجود مختبر؟

ــ هناك تفاوت بالاسعار المقدمة الى الضمان الصحي من قبل المستشفيات واحيانا الضمان لا يعترف ببعض الفواتير، فما سبب ذلك؟

– المجهول أصلا في هكذا حالات، كيف تراقب الاسعار التي تسجل على المريض بأضعاف سعرها، فعدسة عملية المياه الزرقاء في العين مثلا تحتسب بـ300 دولار فيما سعرها 80 دولارا، كما أن وزارة الصحة لا تمتلك سياسة تسعيرية لهذه المواد، وما زالت تعتمد عرض أسعار تجلبه المستشفى من الوكيل عبر المريض للموافقة، وتصرف دون أي تدقيق… وكيف تتعاطى ادارة الجمارك ازاء هذا الموضوع؟ حيث لا زالت الضريبة تحتسب على الوزن المعدني لا على القيمة المالية، وقد حقق التفتيش المركزي منذ ثلاث سنوات في هذا الشأن وأكد التعاطي الجاهل والضعيف… وبالتالي ما هي الاسس التي بني صندوق الضمان الصحي عليها لتسعير هذه المواد كما هي واردة في الكتيب الذي وضعه والذي يحتوي الأسماء والأسعار دون تحديد المنشأ وسائر التفاصيل؟ وما هو دور اللجنة الطبية المعنية في الوزارة؟ فهناك هدر وسرقات وسمسرات بعشرات المليارات عبر عقدين من الزمن، والمسؤولية تتوزع لكن رأسها يبقى في الإدارة، فمن يحاسب من؟

ــ الى جانب هذا التحايل يقال ان هناك تلاعباً  محلياً بأسعار الدواء، فهل من الممكن شرح هذا الادعاء وبالتالي اسبابه؟

– أن التلاعب بأسعار الدواء وتسجيله وفق حسابات مصلحية لا قانونية، وراءه لجنة ثلاثية سرية في وزارة الصحة برئاسة أعلى الهرم الإداري وعضوية رئاسة مصلحة الصيدلة وأساتذة متفرغين في الجامعة اللبنانية – قسم الصيدلة، هذه اللجنة أنشئت في عهد أحد الوزراء السابقين وهي مخالفة لقانون مزاولة مهنة الصيدلة، وقد ألغت دور اللجنة الفنية المشكلة بحسب القانون وأعضاؤها من الأكاديميين الجامعيين والنقابيين، كما دور اللجان العلمية التي أخضعت لتغييرات أو تعيينات غب الطلب في العهد الوزاري السابق.

وهنا اعتقد بان وجود أستاذة جامعيين من خارج ملاك الوزارة مخالف أيضا، فلا يحق لهم القيام بعمل خارج ملاك الجامعة وأخذ ملفات خارج الوزارة تعرض سريتها للخطر، فلماذا لم يحقق التفتيش المركزي طوال هذه السنين في هذه البدعة الخطيرة وما نتج عنها من أذى مالي وصحي للناس، وفي ما يحصل في أروقة وزارة الصحة؟