14 December,2018

القانون الأرثوذكسي والرئيس المسيحي العتيد القوي والـ «24  رئيساً للجمهورية » أشعلوا فتيل الأزمة!  

بقلم جورج بشير

hekmat هل كان تيار <المستقبل> السياسي يعرف سلفاً ان حزب الله يؤيد ترشيح العميد شامل روكز لقيادة الجيش اللبناني وطرح الرئيس ميشال عون في هذا المجال قبل أن يعلن الحزب هذا التأييد لعون في هذا الطرح؟

الأوساط الواسعة الإطلاع تشير في هذا المجال الى انه لو كان أركان تيار <المستقبل> يدركون سلفاً ان الحزب يؤيد هذا الترشيح فعلاً، لما كانوا قد أعطوا عون وعداً بتأييد ترشيح شامل روكز ثم تراجعوا عن وعدهم وعهدهم للجنرال الذي اعتبر أن في هذه العودة نكثاً بالوعد والعهد معاً يشبه الى حدٍ ما أسباب انهيار نتائج حوار عون والحريري في باريس  وروما حول انتخابات رئاسة الجمهورية وقانون الانتخابات النيابية العتيد، هذا الانهيار الذي لعب في سبيله الوزير وليد جنبلاط والأمير سعود الفيصل، والرئيس بري دوراً رئيسياً وإن مختلفاً في بعض الأحيان كما يردد العماد عون في مجالسه الخاصة، وحتى في المجالس العامة.

هل قضية تعيين العميد شامل روكز قائداً للجيش اللبناني خلفاً للعماد جان قهوجي الذي تنتهي ولايته في شهر أيلول/ سبتمبر المقبل هي المسبّب في إشعال فتيل الأزمة وانفجارها الاخير في سرايا الحكومة في وجه الرئيس تمام سلام واللبنانيين والعالم، مما كاد يتسبّب بحصول فلتان وفوضى ربّما يعرف البعض بدايتها لكنهم في الحقيقة يجهلون النهاية، أم ان وراء الأزمة وانفجارها ليس رمانة   كما يقول المثل بل قلوب ملآنة؟؟!

أكثر من سبب أدى الى الانفجار المريع الذي كاد أن يطيح بحكومة الـ24 رئيساً للجمهورية بعدما بات كل وزير من الـ24 يرى ذاته عندما يقف خلف المرآة انه <فخامة الرئيس> في ظل عجز الطاقم السياسي اللبناني الذي ترجم هذا العجز بقرار تمديد ولاية مجلس النواب الواجب ان ينتخبه الشعب في النظام الديموقراطي الصحيح مرتين متتاليتين من دون العودة الى هذا الشعب الضائع بين حقول ألغام الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحروب الدول والأنظمة والطوائف المحلية والإقليمية والدولية، وهو لا يعرف نهاية لها لا في لبنان ولا في المنطقة، خصوصاً بعدما باتت هذه الحروب ترتدي لبوس الإرهاب الوحشي المناهض لكل المبادئ الإنسانية وقواعد العيش المشترك بين أبناء البشر، يقتل ويدمّر الإنسان وحضارته نسفاً وذبحاً حيثما حلّ، متلقياً الدعم من دول وشعوب متصارعة أساساً على مراكز النفوذ ومنابع الطاقة إقليمياً ودولياً، وهي لا تعرف حدوداً لهذا الصراع الذي زرع الموت والدمار والبطالة والتفجير والعوز في طول منطقة الشرق الأوسط شامل-روكزوعرضها.

 

 عين العناية الإلهية على لبنان

شرارة أزمة تحصل في سرايا الحكومة كتلك التي أدّت الى الانفجار السياسي في الأسبوع الماضي بين فرقاء سياسيين مختلفين ممثلين في الحكومة، كان يمكن أن تؤدي الى انفجارٍ من نوع آخر في الشارع خارج السرايا، سرعان ما ينتقل الى كل الشوارع في المناطق اللبنانية خارج العاصمة بيروت، لا سمح الله. لكن العناية الإلهية هي من أنقذ لبنان هذه المرة أيضاً، وهو الموجود على فوهة بركان متفجّر في هذا الجزء من العالم، وطبعاً مع وعي القيادة العسكرية وسرعة ضبطها للوضع وإدراك الجهات السياسية المشاركة في هذا الإئتلاف الحكومي في حكومة الـ24 رئيساً بضرورة لجم الأزمة وتجميدها وحصرها في مكانٍ معين خشية استغلالها من جانب جهات وأطراف نائمة مدعومة من جهات خارجية للأزمة والدخول طرفاً ثالثاً لإرباك الوضع اللبناني وتوسيع رقعة الأزمة.

لا شك ان قادة المحاور السياسية في البلاد سواء في <المستقبل> أم في التيار الوطني الحر وحزب الله أدركوا وإن متأخرين ان الأزمة السياسية وعجز السياسيين اللبنانيين عن إيجاد حل لها يمكن من دون إذن أحد أن يوسع بيكار الحرب الضروس الدائرة على حدود لبنان من العراق الى سوريا الى الداخل اللبناني، وأن يطيح بكل الخطوط الحمر والزرق وبكل الضوابط التي نجحت قيادة الجيش اللبناني وسائر القيادات في وضعها لصدّ هذه الحرب الضروس الدائرة في المنطقة ودفعها عن لبنان وحصر بؤر الإرهاب والتضييق عليها ومنعها من إصابة كل الجسم اللبناني وبالتحديد أجزاء حساسة منه.

قضية قائد الجيش وتعيين الخلف ليست القشة التي قصمت ظهر البعير على طاولة الحكومة في الصراع السياسي الحاد. والحمد لله ان عطلة رمضان لبرامج <التوك شو> ساهمت في تبريد الأزمة وسرعة إخماد لهيبها وحصرها بين شارع المصارف ومقر الرئاسة الثالثة في السرايا، إذ ان برامج <التوك شو> المتلفزة لو كانت تعمل لكانت ساهمت في توسيع رقعة الأزمة ونقلها من قاعة مجلس الوزراء الى الشوارع. هذا فضلاً عن أن الظاهر هو أن القيادات السياسية لم تصل بعد الى حدّ القطيعة واتخاذ قرار جماعي باللجوء الى الشارع، وهذا التوافق غير المعلن الذي خرج عنه الجنرال ميشال عون في الأسبوع الماضي بشكل مفاجئ وكشف عن أسبابه أمام زوّاره بعد إخماد النار التي انطلقت من سرايا الحكومة الى الشارع إثر المشادة الحامية التي جرت بين الرئيس تمام سلام ووزير الخارجية في حكومته جبران باسيل، والتي بدلاً من أن يلعب بعض الوزراء الممثلين لتيارات وأحزاب سياسية في الحكومة دوراً إيجابياً في إخمادها وحصر نارها، لعب بعضهم أدواراً <شارعية> غلبت فيها الأحقاد والمصالح والجهل السياسي على المصلحة العليا للحكومة، وكان الرئيس سلام مجلياً في دفاعه عن رأس السلطة وهو الذي لم يترك فرصة لإشعار المعنيين بأمر الرئاسة الأولى في البلاد، باحترامه الأصول والمشاعر والحساسيات منذ أن ترأس السلطة في غياب رئيس للجمهورية وعدم انتخاب خلف للرئيس ميشال سليمان، وذلك منذ اتصال الرئيس مجلس-الوزراءالمصري عبد الفتاح السيسي برئيس الحكومة داعياً إياه للمشاركة في احتفال تنصيبه.

وكما يقدّر الجميع للرئيس تمام سلام هذا الدور، فإن الجميع يقدر دور قائد الجيش العماد جان قهوجي في قيادة البلد أمنياً وجيشه في المراحل المصيرية التي مرّ ويمر بها لبنان والمنطقة ولا ينكرون في الوقت ذاته ما يتحلى به العميد شامل روكز من مزايا تؤهله لتبؤ منصب القيادة وتقدمه على غيره في هذا المجال. لكن السياسة التي تخرب كل شيء دخلت على موضوع منصب قيادة الجيش وخرّبته من خلال التسييس من جميع الفرقاء، خصوصاً بعد طرح اسم العماد قهوجي كمرشح محتمل لرئاسة الجمهورية، وطرح اسم العميد شامل روكز كمرشح عتيد للقيادة، كما هو الحال بالنسبة لحاكم مصرف لبنان الناجح رياض سلامة بعد طرح اسمه كمرشح محتمل للرئاسة الأولى. لكن التسييس في مواقع قيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان تداعياته لا تنحصر في المجال السياسي نظراً لعملية تقاسم قالب حلوى الحكم والحكومة وسائر مواقع السلطة والإدارة، وهذا ما حصل في الوعد والعهد المقطوعين للجنرال عون بالنسبة لقيادة الجيش، ومن ثم محاولة المقايضة بين منصب القيادة ومنصب رئاسة الجمهورية الذي يترشح له الجنرال بقوة. وبيت القصيد في هذه الأزمة الحوار ومن ثم اللقاء الذي تم بين الجنرال والدكتور جعجع وتوافق القيادات المسيحية الأساسية القوية على حصر التنافس الرئاسي بينها تمهيداً لإيصال رئيس قوي من بين قادتها، خصوصاً <الجنرال> و<الحكيم>، لاسيما بعد ظهور موجة 14 آذار المناهضة لترشيحهما والمطالبة بمرشح ثالث لا لون له، وبروز إمكانية إجراء استطلاع بين المسيحيين بين المرشحين الأقوى ومعارضة ذلك من جماعة <المستقبل> والوزير جنبلاط وحتى من الرئيس بري لهذا التوجه الذي لن يقف في رأيهم عند حدود انتخاب الرئيس القوي بل يتجاوزه الى قانون انتخابات جديد شبيه بالقانون الأرثوذكسي يعيد الثلاثين مقعداً نيابياً الى أصحابها الشرعيين، وهذه المقاعد يتوزعها الأطراف الثلاثة…

هذا هو بيت قصيد الأزمة السياسية التي يتخبّط فيها لبنان والتي أوصلته الى تجميد البحث بقانون الانتخابات ومعه الى تجميد إجراء الانتخابات وتمديد ولاية مجلس النواب خلافاً للدستور مرتين، والى عدم الرغبة في إيصال رئيس قوي لرئاسة الجمهورية، وتمزيق عون لورقة تحالفه مع حزب الله، وما عدا ذلك تفاصيل.