13 November,2019

القاضي القوي هو عنوان المستقبل... وليس الرؤساء الأقوياء!

 

بقلم  خالد عوض

 

هناك وجهتا نظر في كل ما يحصل في لبنان وعدة دول أخرى تشهد انتفاضات شعبية مماثلة مثل تشيلي وهونج كونغ والعراق وغيرها من الدول. هل هذه ثورة أم مؤامرة؟ هل سببها الفساد أم إتساع الفوارق الإجتماعية بين الأغنياء والطبقات الوسطى والفقيرة؟ هل هو كباش أميركي مع الصين وروسيا يتخذ الشارع كوقود أم أنها مشاكل بحت محلية ومتصلة أساسا بالأداء السياسي الداخلي السيئ؟ هل التغيير السياسي هو الحل أم أن الأمر يتعلق بالهيكلة الإقتصادية والمالية للدولة؟ هل ما يحصل نتيجة العولمة أو أنه نتاج فشل معظم اقتصادات العالم، ما عدا القليل، من تحقيق نمو إقتصادي مستدام؟ الأرجح أن ما يحصل هو مزيج من كل تلك الأمور ولذلك فمن الصعب جدا توصيف الحل السريع، ولكن يمكن أخذ ثورة لبنان كحالة يمكن الإضاءة عليها لإستنتاج طبيعة الحلول الممكنة في معظم الدول.

أزمة التفاوت الطبقي والفساد من…تحت!

المشكلة الأساس هي بنيوية وعالمية. أكثر اقتصادات العالم عاجزة عن النمو الإقتصادي الضروري لتوفير فرص عمل للشباب وتحسين القدرة الشرائية عند الناس. حد النمو الأدنى لتحقيق ذلك في الدول النامية أو دول العالم الثالث يقدر بـ٣,٥ بالمئة أي أن نموا إقتصاديا أقل من هذا المستوى سيؤسس لمشاكل مختلفة، من بطالة وتراجع في القدرة الشرائية وزيادة نسبة الفقر وتفككات إجتماعية وغيرها من الأمور التي نسمعها كل يوم في المظاهرات. في لبنان مثلا لم يتجاوز النمو الإقتصادي معدل ١ بالمئة سنويا منذ ٢٠١١!

في الوقت نفسه الكلفة الإجتماعية الناتجة عن زيادة عدد المتقاعدين والطلب المتزايد على الخدمات الصحية يجعل من الصعب جدا تحقيق عدالة إجتماعية كما يشتهيها الناس. يضاف الفساد والأداء السياسي الفاشل في الكثير من الدول ليزيد من فداحة كل هذه المشاكل.

في مقلب الأغنياء وأصحاب الرساميل المشهد مختلف تماما، فالثروات تزيد بمعدل ٥ بالمئة سنويا في أقل تقدير بفعل تنوع محافظ الإستثمارات المالية وإرتباطها بالشركات الكبرى القادرة على تحقيق مستويات نمو مرتفعة أو أرباح كبيرة. هذا يشير إلى أن الغني يزيد من غناه بينما الفقير أو المنتمي إلى الطبقة الوسطى يعجز عن تحسين مستوى عيشه، ومعظم هؤلاء هم الموظفون العاديون الذين يحاول بعضهم تعويض نقص مداخيله إما باللجوء إلى الفساد إذا كان في الدولة أو بالعمل في عدة أماكن إذا كان في القطاع الخاص كما يحصل حاليا في الولايات المتحدة.

هذا الفارق يتسع كل سنة وسيظل شرارة لحركات مطلبية متزايدة في كل أنحاء العالم. لذلك الواقعية تفرض أن لا نتوقع حلولا سحرية من الحكومة الآتية إلى لبنان أو العراق. فأي حكومة ستصطدم بالفساد من تحت، أي على مستوى الإدارة والموظفين، وليس فقط بالفساد السياسي الذي يطفو على السطح. معالجة هذا الفساد تتطلب سنوات من الصرامة في الحكم والتوعية المدنية لتغيير النمط الإستهلاكي المتفلت عند الكثيرين وتأمين الخدمات الصحية والإجتماعية التي تخفف من وطأة الكلفة المعيشية. ولكن الوصفة الأولى لكل ذلك هي تحقيق النمو الإقتصادي بسرعة لإنه الطريق الأسرع لتخفيف البطالة والهجرة.

 

أربعة محاور، أساسها القضاء القوي!

النمو يحتاج إلى الثقة أولا وإلى رؤية إقتصادية طويلة الأمد ثانيا وإلى جدية عملية في محاربة الفساد ووقف الهدر ثالثا وإلى الإستثمارات في البنية التحتية رابعا.

الثقة تبدأ بإزاحة الطبقة السياسية الموروثة من الحرب والتي عاثت فسادا في البلد. كما تنطلق من إتفاق داخلي على نظام سياسي قادر على التماسك في الأزمات وعلى توليد كفاءات لقيادة الدولة. في حالة لبنان يكفي إنشاء مجلس شيوخ وإلغاء الطائفية السياسية وإقرار قانون إنتخابي يفرز قيادات مختلفة عن الموجودة حاليا وتطبيق اللامركزية الإدارية بشكل كامل لنقل البلد إلى ضفة الثقة.

الرؤية الإقتصادية لا تتعلق بدراسة <ماكنزي> فقط. هذه الدراسة كانت ضرورية وفيها الكثير من الأفكار الرؤيوية التقدمية ولكنها وضعت في يد المجموعة الفاشلة نفسها التي تدير البلد وظلت تفتقد إلى برامج تطبيقية واضحة وإلى أطر زمنية دقيقة، كما أنها لم تتطرق إلى الأزمة الإجتماعية البنيوية وإلى الطرق الناجعة للحد من الفساد والهدر، ولكنها بالتأكيد صالحة لأن تكون نواة لرؤية <لبنان ٢٠٣٠> بعد تنقيحها من قبل القيادات الجديدة المأمول في وصولها إلى سدة القرار.

مكافحة الفساد تحتاج إلى سلطة رقابية خاصة على نسق مكتب التحقيق في قضايا الفساد في سنغافورة وإلى قوانين رفع الحصانة ورفع السرية المصرفية عن كل المسؤولين في الدولة والعاملين في الإدارات العامة. ولكن محاربة الفساد في الأساس ثقافة شعبية يجب تثبيتها وتعميمها تربويا ومهنيا من خلال برامج توعية ولكن الأهم من خلال أطر تحفيزية مثل حماية ومكافأة الذين يكشفون الفساد. الأهم في مسألة التصدي للفساد هو القضاء النزيه والمستقل والفعال، من دونه تستحيل أي خطوة جدية لوقف تفشي الفساد، وبدل أن يكون شعار البلد هو الرؤساء الأقوياء يجب أن يكون القضاء القوي.

المحور الرابع هو الإستثمار في البنى التحتية وهذا من البديهيات. بلد من دون كهرباء ولا ماء ولا معالجة فعالة للنفايات ولا شبكة مواصلات لا يقدر على تحقيق أي نمو مستدام. اشراك القطاع الخاص هو ضرورة ولكن بضوابط تمنع إنتقال الفساد من القطاع العام إلى القطاع الخاص كما حصل في مسألة الإتصالات في لبنان.

الطريق إلى الحل طويل. سيمر لبنان بأزمة مالية لم يشهد مثلها وستزداد النقمة الإجتماعية… ولكن هناك أمل وضوء يحمله الشبان والشابات المثقفون والواعون جدا لسبب الأزمة وسبل حلها. كل المطلوب نفس طويل لأن التغيير لن يحصل في اسابيع…