18 November,2018

«الفوضى غير الخلاّقة» المستمرة في مجلس الوزراء نقلتها النفايات الى الشارع... وقد تطيح بالحكومة!  

تمام-سلام إذا كان حراك هيئات المجتمع الأهلي الذي بدأ احتجاجاً على تراكم النفايات في الشوارع، وتدرج الى مطالب بإسقاط الحكومة وحل مجلس النواب، قد عطّل الحركة في الوسط التجاري بدءاً من ساحة رياض الصلح وصولاً الى ساحة الشهداء، لاسيما بعد حوادث الشغب التي رافقت التجمعات الشعبية وبات ينذر بمضاعفات أمنية مقلقة نتيجة تكرار المواجهات مع قوى الأمن ليلياً، فإن الحراك السياسي الاعتراضي الذي تطوّر خلال الأيام الماضية مع انسحاب وزراء تكتل التغيير والإصلاح وحزب الله من الجلسة الاستثنائية التي عقدها مجلس الوزراء وألغى فيها المناقصات التي أُجريت لتلزيم جميع النفايات بعد تخصيص مئة مليون دولار لمنطقة عكار كي <تستضيف> نفايات العاصمة والجبل في انتظار إيجاد حل جذري لمسألة النفايات في لبنان، قد يؤدي الى تعطيل مجلس الوزراء أو الى مواجهة في الشارع تدل كل المعطيات التي توافرت خلال الأيام الماضية أنها حاصلة من دون أدنى شك، خصوصاً إذا قرر رئيس الحكومة تمام سلام والفريق الوزاري المؤيد له، المضي في خيار اعتماد آلية جديدة لعمل الحكومة تقوم على إصدار المراسيم العادية بتواقيع 18 وزيراً أوأقل تحت عنوان <رفض التعطيل>، وجعل مجلس الوزراء منتجاً، لأن لا حاجة لبقائه إذا لم يعد كذلك، كما قال الرئيس سلام في إطلالته الإعلامية يوم الأحد الماضي بُعيد المواجهات التي حصلت بين المتظاهرين والقوى الأمنية التي <أفرطت> في استعمال القوة ضد المتظاهرين ليل السبت الماضي، لتصبح المواجهة دامية ليل الاحد بالتزامن مع أفول <طابور خامس> في صفوف المتظاهرين وقيام أفراده بأعمال تخريبية في الوسط التجاري رافقتها عمليات تحطيم واجهات متاجر وسرقة أخرى.

طلائع تدهور أمني واسع

وبين تعطيل مجلس الوزراء، أو وقوع المواجهات السياسية بين الفريقين الوزاريين المعنيين، ارتسمت طلائع تدهور سياسي وأمني على حدٍ سواء، زادتها سلبية الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع ملف تلزيم جمع النفايات إذ <هللت> يوم الاثنين الماضي لـ<الإنجاز غير المسبوق> الذي حققته من خلال إعلان نتائج التلزيم، لتعمد في أقل من 24 ساعة الى إلغاء التلزيم الذي رسا على 6 مجموعات توزعت على 6 مناطق لبنانية، وذلك بحجة أن الأسعار مرتفعة قياساً الى أسعار شركة <سوكلين> من جهة، والشروط <الغامضة> للمواصفات التي تم وضعها لإنجاز التلزيم من جهة أخرى.

وبصرف النظر عما قيل عن <محاصصة> موصوفة رافقت <ترسية> التلزيم على الشركات الست، و<عدم رضا> مرجعيات على النتائج التي أسفرت عنها عمليات التلزيم، وبالتالي بروز اعتراضات فورية بُعيد إعلان وزير البيئة محمد المشنوق حصيلة تلزيم أشرف عليه مجلس الإنماء والإعمار، فإن الواضح أن ملف النفايات سيبقى مفتوحاً حتى إشعار آخر ويستدرج ردود فعل سياسية وشعبية حوّلت الوسط التجاري ليلة بعد ليلة الى ساحة مواجهات بين القوى الأمنية من جهة، والمتظاهرين المعترضين الذين عانوا من <اندساس> عناصر تولت الاعتداء على قوى الأمن والقيام بأعمال شغب تخشى المراجع الأمنية ان تتمدد داخل الأسواق التجارية وتعزز الفلتان الأمني الذي يشهده لبنان منذ فترة من جهة أخرى.

 

نشر المراسيم أشعل <اللغم>

 

أما في المقلب السياسي، فقد بدا من خلال التطورات الاخيرة أن المساعي التي بذلت للتخفيف من حدة التشنج في العلاقات بين أعضاء حكومة <المصلحة الوطنية> لم تصل الى نتائج ايجابية، بل ان ثمة إجراءات سرّعت في التصعيد السياسي كان أبرزها نشر مراسيم حملت 16 أو 18 توقيعاً واعتبارها نافذة، على رغم امتناع وزراء التيار الوطني الحر و<المردة> و<الطاشناق> وحزب الله عن توقيعها قبل بت آلية عمل المجلس، ولاسيما تفسير المادة 62 من الدستور التي تنقل صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة الى مجلس الوزراء عند حصول خلو في سدة الرئاسة. وقد اعتبر فريق تكتل التغيير والإصلاح وحزب الله هذا الإجراء الذي اعتمدته رئاسة الحكومة بمنزلة <إلغاء> مشاركة هذا الفريق في قرارات مجلس الوزراء و<إقصاء> سياسي واضح، أدى الى انسحاب وزراء التكتل والحزب من جلسة يوم الثلاثاء الماضي، وتصعيد من قبل العماد ميشال عون ووزرائه تدرج من السياسة الى الشارع. وفيما أعطى الفريق المعترض تفسيراً للمادة 62 من الدستور تؤكد على ضرورة توقيع جميع الوزراء الى جانب رئيس الحكومة على المراسيم العادية لأن ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية في التوقيع تكون بالإجماع، لئلا يتفرد أي فريق أو مجموعة أفرقاء بممارسة صلاحيات الرئيس من دون الأفرقاء الآخرين الذين يتمتعون بالحق نفسه في ممارسة هذه الصلاحيات، بدا أن الرئيس سلام والفريق الوزاري المؤيد له في تيار <المستقبل> وحركة <أمل> وحزب الكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي ووزراء الرئيس ميشال سليمان، ساروا في التفسير الذي يعتبر أن المراسيم العادية لا تحتاج الى 24 توقيعاً، بل النصف زائداً واحداً أو الثلثين.

وفي هذا الإطار، علمت <الأفكار> أن دراسة دستورية رُفعت الى رئيس الحكومة أشارت الى ان المادة 62 من الدستور التي تنقل صلاحيات رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء وكالة، لم تتضمن عبارة <مجتمعاً> كما يتحدث الفريق الوزاري المعارض، وأن هذه الصلاحيات المشار إ ليها هي صلاحيات رئيس الجمهورية حصراً والتي لا تمس صلاحيات مجلس الوزراء المحددة في المادة 65 من الدستور وهي – وفق هذه الدراسة – صلاحيات مستقلة عن تلك المعطاة لرئيس الجمهورية، وبالتالي فلا نص يشترط <الإجماع> في ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية، أو تعديل صلاحيات مجلس الوزراء. فضلاً عن أن المبادئ الديموقراطية تمنع على <الأقلية> التحكم بإرادة <الأكثرية> التي يُفترض أن تكون مُحترمة من الأقلية. وذهبت الدراسة الى حد اعتبار أن ربط صلاحيات مجلس الوزراء بالشروط المحددة بموجب المادة 62 من الدستور، هو إجراء مخالف للدستور لأن لمجلس الوزراء أن يمارس صلاحياته وفق هذه المادة من دون إخضاعها لأي اجتهادات أو تفسيرات غير قانونية أو غير دستورية.

 

المواجهة في الشارع

نصر-الله-و-عونومجلس الوزراء معاً

غير أن مصادر متابعة تعتبر أن المسألة باتت تتجاوز الخلاف حول تفسير المادتين 62 و65 من الدستور الى ما هو أبعد من ذلك ويتمثل بانقسام حاد داخل التركيبة الحكومية تبعاً للخلافات التي نشبت بين مكوناتها بالتزامن مع الخلاف حول المسائل الجوهرية ومنها الانتخابات  الرئاسية والنيابية والموقف من الحرب السورية ودور حزب الله فيها، وكل ما يتفرع عن الخلاف الإقليمي الذي باتت تداعياته مباشرة على الساحة اللبنانية. ولعل ما زاد التباعد حدة، وفقاً للمصادر نفسها، اعتقاد كل من فريقي 8 و14 آذار أن المتغيرات الإقليمية التي تشهدها المنطقة تصب في مصلحته، وبالتالي التصرف على هذا الأساس، علماً ان الرؤية المستقبلية لا تزال ضبابية وتسلسل الأحداث الإقليمية يحمل يوماً بعد يوم متغيرات سياسية وميدانية، في وقت تبددت فيه كل الآمال بحوار قريب بين السعودية وإيران، يكون الملف اللبناني من بنوده. ما أدى الى استمرار الخلاف حول الانتخابات الرئاسية مع استمرار العماد ميشال عون مرشحاً رئاسياً والدعم المطلق له من حزب الله والذي أعاد التأكيد عليه الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، بعدما أُعطيت عبارة <الممر الإلزامي> التي استعملها <السيد> في خطاب وادي الحجير تفسيرات عدة وقراءات مختلفة حسب <مشاعر> كل فريق وتمنياته. وبدا أن رفض السيد نصر الله لـ<كسر> العماد عون بدأ بترجمته وزراء الحزب عملياً.

من هنا، تؤكد المصادر نفسها أن الأيام المقبلة ستكون حافلة بالمواجهات داخل مجلس الوزراء وفي الشارع أيضاً، لاسيما وأن ثمة من يؤكد على الرئيس سلام عدم لجوئه الى خيار الاستقالة، والمضي في مواجهة <الفريق الآخر>، وذلك من خلال المحافظة على <إنتاجية> مجلس الوزراء من خلال اتخاذ قرارات وإصدار مراسيم بتواقيع 16 أو 18 وزيراً كما حصل مع المراسيم التي نُشرت وأشعلت  فتيل المواجهة السياسية والشارعية. ويتسلح الفريق الداعي الى المواجهة بمواقف الرئيس نبيه بري الذي أكثر في الفترة الأخيرة من تكرار القول بأن الشغور الرئاسي لا يجعل من كل وزير رئيساً للجمهورية وليس لأحد أن يتلاعب بالدستور ويشلّه أو يفصّل صلاحيات على القياس. ويتمسك الرئيس بري في هذا الإطار بأن القرارات التي يتخذها مجلس الوزراء تخضع لأحكام المادة 65 من الدستور، بحيث تحتاج الى الثلثين في المواضيع الـ14 المحددة في الدستور، والى (النصف + 1) في المواضيع الأخرى. في المقابل، يتمسك العماد عون ومعه حزب الله بتطبيق <الشراكة الكاملة> وبرفض <التهميش> أو الاستئثار بالسلطة ومخالفة القوانين والدستور.

ولأن لا قواسم مشتركة في الأفق، فإن كل المعطيات المتوافرة تشير الى أن التصعيد هو سيد الموقف بين الطرفين المتحاربين سياسياً، وأن الوصول الى <تسوية> في وقت قريب ليس ممكناً، وبقدر ما كانت الأصوات مرتفعة داخل مجلس الوزراء خلال الأسابيع الماضية، فإن الأصوات في الشارع ستكون أعلى في الأيام المقبلة، ولن تبقى مجرد صيحات استنكار أو إدانة، لأن الاعتراضات قد تتجاوزها الى ممارسات <على الأرض> قد يكون ممكناً معرفة كيف ستبدأ، لكن لن يكون من السهل معرفة كيف ستنتهي، ولعل ما شهدته الأسواق التجارية ومحيط السرايا وساحة رياض الصلح خلال الأيام القليلة الماضية <بروفا> لما يمكن أن يحمله الآتي من الأيام!

فهل يصح، مرة جديدة، المثل القائل <اشتدي يا أزمة تنفرجي>، أم تكون البلاد أمام <فوضى غير خلاّقة؟!>.