18 November,2018

الفنان اللبناني- الاميركي ميشال الأشقر:  وحــــده جـبــــران بـقــي سـالـمـــا مــن الـتـشويـــــه!

بقلم عبير انطون

1

<جئت أهزّ الفنانين اللبنانيين، أضعهم أمام مسؤولية تخليد عظمائهم، ولو بعمل واحد يضحّون به>.. هذا ما اراده الفنان اللبناني- الاميركي ميشال الأشقر، المهندس الذي غرق في بحر الفيلسوف والاديب جبران خليل جبران وغرف منه، ليعيد اليه نوعاً من جميل لما تركه في حياته شخصيا من اثر، ولما تركه للانسانية جمعاء من ارث، اذ يبقى جبران الصورة الوحيدة الحلوة والايجابية عن بلاد الشرق العربي وعن بلد الارز الذي انطلق منه..

 بدعوة من <الجامعة الاميركية للعلوم والتكنولوجيا> في بيروت حل المهندس والكاتب والمسرحي ميشال الأشقر على خشبة مسرح <الأونيسكو> في عمله المسرحي <جبران ابن الحياة> وهو يقدمه في لبنان لمرة ثانية بعد اولى توافقت مع سنة صعبة من تاريخ البلد الا وهي العام 2005. أكثر من رسالة يحملها العمل الذي عرض في اكثر من مدينة من حول العالم ما بين <مونتريال> ولندن وجرش كما في 27 ولاية أميركية، كان يقابل فيها الاشقر العمدة لكل ولاية طالبا جعل يوم العرض يوما سنويا للاحتفاء بجبران خليل جبران، فدرجت الولايات على الامر وافتخر ميشال بما اطلقه على مسرحيته بانها <مفتاح المدن>.

وكانت المسرحية التي شهدتها بيروت الاسبوع الماضي قد عرضت للمرة الاولى في المؤتمر العالمي عن جبران خليل جبران في <جامعة ميريلاند> في الولايات المتحدة، حيث للمكان رمزيته الخاصة، فهذه الجامعة تحتضن فرعاً للأبحاث التي تم العمل عليها عن جبران من زوايا العالم الأربع، وما كان ممكنا تقديم العرض فيها لولا نيل موافقة اللجنة المشرفة على المهرجان. قطف ميشال الموافقة بعد ثناء على عمله من ناقدي مسرح مشهود لهما عالميا، وكان التصفيق للعرض فيها بمنزلة جواز عبور للانتقال بها من بلد الى آخر.

في بيروت..

 

إنها لسعادة كبيرة لي ان اقدم <جبران> في <اليونسكو>، يقول ميشال الأشقر لـ<الأفكار>، وهو قدم عرضه < مبروق> الظهر مع وجع لم تسكّنه سوى الأدوية، لكن لا بأس، فـ<الزحلي معروف بصلابته وارادته مهما كانت الظروف>. انها دعوة مني الى فناني لبنان للعودة الى كبارهم، لـ<التضحية> بعمل واحد يذكر او يعرف بالكبار من هذا الوطن.

وبلهجته الزحلية التي يتمسك بها بعد 34 عاماً من العيش خارج الوطن والتي يعتبرها جزءا من هويته، يتحدث الاشقر عن مدينته التي لم ينسها يوماً:

 – لم انقطع عن لبنان وانا زرته الصيف الماضي وأقصد على الدوام عروس البقاع حيث ولدت. فزحلة، مدينة الشعر والادب قدمت الكثير الى لبنان من اعلام في الفكر والادب، من ابناء المعلوف الى سعيد عقل وصولاً الى الدكتور جورج كفوري الاستاذ الذي <حبّبني> بالشعر والادب والمسرح، وان كنت مهيئاً لها في بيئتي العائلية حتى لا اقول في <جيناتي> من قبل.

فميشال هو الابن الاصغر والسادس لعائلة كل من فيها قارب الفن بطريقة او بأخرى. والده جبران الأشقر، كان عازف العود الأول في المنطقة يرتجل الشعر وقد عاصر أدباء الزمن الجميل، ووالدته منتهى، لطالما رافقت بصوتها الشجي أمسياته في اغان للشيخ أمين الحسنين وام كلثوم وعبد الوهاب الذي زار مرة زحلة وأهداها اغنيته الخالدة <يا جارة الوادي> وكان نظم كلماتها الشاعر أحمد شوقي.

للوالدة <منتهى> اذاً، فضل واثر كبيران على حياته الفنية وتنمية مخيلته بقصص كانت من نسجها، ويتذكر ميشال، صغير البيت، انه ليلة توجهه الى الولايات المتحدة غنت له وهي تعزف على عودها <مررت بالبحر> للشيخ الحسنين، ولا يزال صدى الاغنية الاحب الى قلب الوالدة يتردد في داخله حتى اللحظة.

اما الاخوة، فلكل منهم ايضاً بصمته الفنية: جورج يرتجل الشعر، سليم يعزف على العود وايلي كان اول الناجحين في برنامج <ستوديو الفن> للعام 1973 وهو موسيقار مبدع، يعزف على القانون، جال بلاد العالم في حفلات رافق فيها السيدة فيروز والعملاق وديع الصافي طيلة 27 عاماً، كما رافق فرحة لبنان الراحلة صباح، وله اعمال فنية تركت بصمة كبيرة. هذا الجو العائلي، ما زاد ميشال الأشقر إلا شغفاً بالكتابة والموسيقى والمسرح ليضيف بحسب قوله الى العائلة الفنية البعد الرابع الا وهو <المسرح والكتابة>.

 

ليلاً نهاراً..

لكن لِمَ اختار ميشال، المولود في العام 1963، والذي وثق سيرته الناجحة اكثر من كاتب بينهم كوليت الخوري في كتاب <ابناء كولومبوس> عن البارزين من اللبنانيين في الولايات المتحدة الاميركية، وانطوان ابو رحل في كتابه <أوراق وارفة>، مجال الهندسة، وما العلاقة بين عالمها وعالم الفن؟

يجيب ميشال الذي بحوزته براءات اختراع عديدة في مجال الهندسة في الولايات المتحدة ويملك مكتبا ناشطا في شمالي بوسطن يكتفي منه ماديا ليروي ظمأه المسرحي:

– انــا مهنــــدس في النهـــــار، وفنـــــان في الليــــــل، لكــــــن المســـــــرح يبقــــى شغفي الاكبر.

 وهنا يسترجع بداياته:

– لقد اعتليت المسرح في العاشرة من عمري وكنت شاركت في بداياتي الفنية في فيلم سينمائي مع الفنانة نضال الأشقر والفنان عبد المنعم ابراهيم. اما الهندسة التي أحبها، فقد اخترتها لما هاجرت الى اميركا مع اندلاع الحرب في لبنان.

 وكان ميشال قد التحق في العام 1983 بـ<جامعة ماساشوستيس> لدراسة الهندسة المدنية، وكان يتلقى في الوقت عينه الدروس في فن التمثيل المسرحي في <بروكلن>. ومن بعد حصوله على <الماجستير> في الهندسة المدنية التحق بـ<جامعة هارفرد> لدراسة التمثيل وفنون الاخراج.

لكن كيف نبتت بذور <جبران ابن الحياة>، وما الذي اضافه في تناول سيرة جبران؟ وكان اكثر من كاتب ومؤرخ ومؤلف وسينمائي تناولها قبله؟ اين القيمة المضافة التي قدمها في عمله للمشاهد؟

– لقد كتبت <جبران ابن الحياة> في العام 1999 يجيب ميشال. وعلاقتي به ولدت من حاجتي اليه على اكثر من صعيد. فأنا فرنكوفوني الدراسة، ولما سافرت الى أميركا للدراسة كان لا بد لي من اتقان اللغة الانكليزية. درستها في ستة أشهر، وانكببت على قراءة جبران وكنت حينئذٍ في المركز الثقافي الاهم في بوسطن وربما في العالم كله، فتعرفت الى سير الكتاب العظماء والفنانين المبدعين وتعمقت بشكل كبير بأعمال أدباء المهجر الذين كان لهم الاثر البارز في نهضة الادب العربي والعالمي أيضاً.

2ويزيد الاشقر قائلاً:

– في اميركا، يُعتبر جبران <اب الجيل الجديد في الكتابة> والاميركيون ينسبونه لأنفسهم، انه اديبهم. في سيرته ما ذكرني في أكثر من محطة بنفسي، ولما اتقنت الكتابة بالانكليزية كتبت عنه. لا انكر انه الى جانب شغفي به وايماني برسالته في المحبة والانسانية، كانت كتاباتي لمسرحية عنه ردة فعل مني على الادوار الثانوية التي كانت تسند الي، وتعرفون انه لا يسند الى طالب عربي اكثر من ذلك. اردت ان ابرهن عن قدراتي وأن أكون القيّم على العمل كله. لقد تناولت جبران وحياته من المهد الى اللحد انطلاقاً من بلدته بشري الى <بوسطن> ونيويورك مروراً بباريس. قدمته بابعاده المختلفة، وما اضفته كان البعد الخاص بي، بحياتي وبنظرتي اليه والى الحياة والغربة عن الوطن. فنصف المسرحية هي حول جبران وما قاله وعبّر عنه في كتاباته، فيما شكّل النصف الثاني ما كتبته شخصياً تعبيراً عن مشاعري وتجاربي الخاصة، وبذلك اضفت البعد الجديد، وفيه ما يشبه حياة كل مهاجر عانى من الاغتراب وتخطى الصعاب والتقى بأشخاص مدوا له يد العون وفتحوا له بعض الابواب.

سبع شخصيات..

 

 أراد ابن زحلة تقديم جبران لوحده في <وان مان شو> منفرد سكب فيه من ذاته، فكان الكاتب والمخرج والمنتج والممثل، حتى انه الممثل الوحيد في المسرحية يلعب دور الاشخاص الذين تركوا اثراً في حياة جبران ومسيرته، فيتنقل بين سبع شخصيات مختلفة. هو طوراً <خليل> والد جبران، وطورا يلعب دور امه او احد اخوته وبشكل خاص <ماريان> التي رافقته.. كذلك يلبس ميشال في العمل شخصية <مسز بيرد> المعلمة التي كان لها اثر كبير في حياة الفيلسوف في <بوسطن>، والتي عرفته بدورها الى صديق لها هو الفنان وصاحب المطبعة والاستوديو <فريد هوننديه> الذي فتح له آفاقاً ومجالات عديدة.. وفي استوديو الأخير عرض ابن بشري رسوماته وكان يلتقي بفنانين محترفين في اكثر من مجال. وفي هذا المكان ايضاً، لعب قدر جبران لعبته الكبرى، ففيه التقى بـ<ماري هاسكل> التي قدم الاشقر مسرحيته كتحية لها أيضا، وذلك للأثر البالغ الذي طبعته في حياة جبران الشخصية والفنية والادبية بشكل خاص، فكانت تنقح كتاباته بالانكليزية، وهي من جعله يتعمق في عالم الغرب وفلسفته اكثر وأكثر. هذه المرأة التي رافقت جبران بكل حنان ونشأت بينهما قصة حب عذرية امتدت لثلاثة وعشرين عاما واستمرت حتى بعد رحيله، قدمت برعايتها لجبران واحتضانها له هدية للعالم أجمع…

التصميم..

ان اندلاع الحرب في الشرق الاوسط والتهام النيران لساحات البلاد العربية زادت ميشال الأشقر تمسكاً بتحفته الفنية وعرضها لما تتضمنه من رسائل انسانية. فالعالم في جنونه اليوم بحاجة ماسة لاستعادة فكر جبران وفلسفته… والمعاناة التي عرفها تستمر ولو بوجه مختلف. فقد دعا جبران الى ان تكون الحياة البشرية، انسانية قبل كل شيء..

 ونسأل الاشقر: كيف هي علاقة الجيل الجديد في اميركا بجبران وارثه الكبير؟

– انها ممتازة، يجيبنا، وليسوا بحاجة الى من يدلهم عليه، اذ تفرض المناهج الاميركية الرسمية على طلاب < الهاي سكول> قراءة عشرة ادباء غير اميركيين كتبوا باللغة الانكليزية، وهنا يأتي <شكسبير> في المقام الاول ويحل جبران خليل جبران ثانياً.

ولما نسأله عما حمله من زحلة الى اميركا، وما بادل زحلة به من بلاد العم سام يقول:

– الحنين الى الوطن عبر زحلة لا ينقطع ولو ان اميركا اعطتني الكثير، ففضل اميركا على المهاجرين اليها انها تمنحهم حرية الفكر والتعبير والتقدير فضلاً عن كم هائل من المعرفة..لا يمر نهار الا وأفكر بمدينتي وأهلي ومجتمعي وناسي. حياتي في اميركا تخللها العديد من المحطات الصعبة من حيث طريقة التفكير المختلفة والعادات والتقاليد، كل ذلك تطلب مني وقتا وجهدا حتى تأقلمت معه، والجيد انني <غربلت> الأمور فأخذت ما يتناسب وشخصيتي وقيمي، وتركت ما لا يوافقني..

ولما نسأله عن جديد يحضر له بغير كتاب سمعنا عنه ولم نطلع على تفاصيله، يقول الاشقر:

 – <المسرحية> لن اكتب غيرها ربما لأنني ككاتب قلت فيها كل ما أريده بروح رسولية، هي الروح التي تناولها جبران – الايقونة في فصل <العمل> من كتاب <النبي> حيث يتحدث عن الشغف في العمل الذي نقوم به، وهذا ما كنت امينا على القيام به في <جبران ابن الحياة>..