23 August,2019

الفنانة التشكيلية ندى صحناوي في معرضها ”كم، وكم بعد؟“:  الـفـنـــان شاهــد عـلــى عـصـــره ودوره التحـذيـــري أسـاســـي!

 

بقلم عبير انطون

باب أحمر كبير وضخم. تدفعه بنفسك وينغلق خلفك. تدخل، والفضاء كله لك. فضاء فيه هيبة، عال مرتفع وأنيق. تلتفت يمينا او شمالا لترى القيمين على المكان، فلا تجد أحدا. وحدها اللوحات او المجسمات او التركيبات الموجودة تشاركك المساحة وتدعوك الى الوقوف امامها. تتفرس فيها واحدة بعد اخرى… هي لوحات كبيرة بجانبها ما هو اصغر… خلفها، في قاعة اخرى ما هو مختلف حيث تعرض على حائط كبير الصفحات الاولى لصحيفة <لوريان لوجور> محذوف منها او مزاد عليها او ملون فوقها وكأنها اعادة لكتابتها من جديد. والى يمين الجدار باب. تدخله، فترى صاحبة المعرض التي تلاقيك على شاشة كبيرة ايضا من خلال شريط يعرض <فيديوهات> مختصرة للتجهيزات التي سبق وقدمتها، منها <فيديو> لتجهيز وضعت ما يفوق على المئتي كرسي حمام في قلب بيروت حتى تعيد للذاكرة مآس عاشتها. كذلك لا تغيب عن المعرض الخرائط، و الصور، والساعات… في كمّ من المعاني تسأل معها: <كم؟ وكم بعد؟> <How Many? How Many More>.

ندى صحناوي الفنانة التشكيلية تعرض في غاليري <تانيت> الجميل عند منطقة الاشرفية شارع مار مخايل. في المعرض ما يستحق المشاهدة، كالدانتيل المشغول بعناية من يريد انجاز تحفة من تساؤلات مقلقة، تبدو لك اللوحات عند المدخل. خطوط مستطيلة الواحد جنب الاخر، تنظر اليها بدقة فتجد كل واحد منها مغلفا برمزية معينة. تسأل منجزتها ندى صحناوي:

ــ كم من الوقت استغرق منك التحضير لهذه اللوحات التي، لولا الشغف المعروف عند الفنان، لتيقنتُ بانها سلبت منك صبر العالم كله؟

تضحك صحناوي وتجيب:

– استغرق الاعداد للمعرض وقتا طويلا خاصة لهذه اللوحات الكبيرة التي تحمل عنوان <كم، كم بعد>. تراوح العمل على كل لوحة منها ما بين ستة وثمانية أشهر… <راسي براسها> حتى تنجز.

آخر ما قدمته كان تجهيزا في ستاركو تحت عنوان <ضوء في نهاية النفق> في العام 2012 تقول صحناوي. ومع اشتعال الحرب في سوريا رحت اسأل نفسي <قديش بعد رح نقضي>؟ الى متى بعد سنعيش الحروب والويلات من حولنا والناس مشردة؟ كم سنعد بعد اياما من الحزن والبؤس؟ كم سنعد اشخاصا مشردين متروكين لمصائرهم نحن الذين عشنا الحرب وعرفنا طعمها المرير؟ من هنا انطلقت شرارة المعرض الحالي تحت عنوان <كم؟ كم بعد> لانطلق منه ايضا الى فكرة العد التي ترتكز عليها مفاصل حياتنا اليومية من الولادة حتى الرحيل. عد للأشهر، لسنوات الدراسة، لتاريخ الزواج، لوقت الولادة، وعدّ وعدّ وعدَ من دون ان ننتهي.. <كل الوقت منعد>. احد الزائرين للمعرض شبه الامر بما يفعله المساجين في زنزاناتهم بحيث يضعون خطوطا يشطبون احدها تلو الآخر مع انقضاء كل يوم، وكأنها روزنامتهم. نحن ايضا مثلهم، <محابيس> في قلب الحياة وليس في السجن.

سوابق…!

 شخصيا لي سوابق مع العدّ، تقول صحناوي، خاصة انني عملت في إحدى الفترات (1996) على احصاءات الحرب اللبنانية، واحتفظت مع توقفها في العام 1990 بنص صغير جاف وصادم صدر في الصحف العالمية <بوسطن غلوب>، <نيويورك تايمز> و<لو موند> الفرنسية عام 1991 عن حصيلة الحرب اللبنانية التي ادت الى 300 ألف قتيل، 200 ألف جريح، 17500 مخفي قسراً، وألف مخطوف، و3641 ألف سيارة متفجرة: هذا النص نزل كالصاعقة علي، وترجمت سخطي في لوحات مختلفة حينها حملت عنوان <احصاءات الحرب اللبنانية> <Statistics of Lebanese war> اشتغلتها انطلاقا من هذه القصاصات.

لقد استفزني الامر جدا، ذلك ان 17 عاما من عمر البلد عرف فيها أشنع ما يمكن وصفه تم اختصارها بمقطع صغير، احتفظت به واعدته الى الواجهة في المعرض…

 

 حقيقة ومصالحة…!

الحرب من لبنان الى سوريا والعراق واليمن وكل المنطقة المشتعلة رجوعا حتى الى حرب سراييفو التي استخدمت صحناوي آخر صحيفة فيها في اعمالها قبل <غرق صربيا> تبقى الهاجس الأكبر لدى الفنانة. نراها تحل في كل لوحة وكل مجسم في معرضها او في كل تجهيز من <الفيديوهات> المعروضة لها. فالمراهقة ابنة الستة عشر عاما عاشت مراهقتها تختبئ من القصف من مكان لآخر متخذة من <الحمام> حمام غرفتها، والذي مع الملاجئ كان يشكل بالنسبة للكثيرين من اللبنانيين المكان الأكثر امانا، مخبأ لها:

 – اذكر في احد الايام بأنني لجأت الى حمام الغرفة جلست على الكرسي واحتضنت راسي بين يدي بانتظار هدوء عاصفة الرصاص في الخارج. حتى لما انجبت ابني وكنت أحضر له زجاجة الحليب في المطبخ كنت أجهز الصغير جيدا لاخذه والاختباء به في الحمام مع الاستعداد لبقاء فترات طويلة فيه حتى يهدأ القصف. من هنا كان التجهيز الفني لما فاق المئتي كرسي حمام وضعتها في ستاركو وسط بيروت بعد ان علت بعض الاصوات في 2008 تنذر بعودة الحرب من جديد. اردت لهذا التجهيز حينذاك ان يكون جزءا من ذاكرة الحرب الاهلية التي يجب ان تبقى في أذهاننا حتى لا تعاد، وقد دعونا حينها محاربين قدامى وبعض من ادلوا بشهاداتهم.

الفنان دوره تحذيري ايضا تقول صحناوي. عليه ان يضيء على مكامن الخطر. في المعرض هنا خريطة لبنان، بقطع سوداء وكأنها <بازل>. سألني أحدهم: ألهذه الدرجة ترين لبنان اسود ومقطّع الاوصال؟ ألهذه الدرجة انت متشائمة؟

 في الواقع لست متشائمة ولا متفائلة. أنا ارى ما هو موجود واعبّر عنه. الخارطة ولو كانت كقطع <البازل> يمكن اعادة تركيبها بسهولة وتعود وحدة متكاملة لكن الامر يتطلب قرارا. هل هذا موجود اليوم؟ هل نحن فعلا عملنا على الذاكرة الجماعية وواجهنا ماضينا حتى لا نضحي بجيل جديد كجيل الحرب الذي ضاعت حياته؟ لم نقم بالعمل المطلوب منا على صعيد الذاكرة. وداد حلواني بقيت تكافح مع البعض لثلاثين عاما حتى انتزعوا قرارا بالنسبة للمخطوفين واجراء فحوصات الـ<دي ان اي> ليعرفوا مصائر محبيهم. انتهت الحرب بقانون <عفا الله عما مضى> وهذا لا يشفي جراحا. البلدان التي تعرف حروبا تقيم ما يعرف بمحاكم الحقيقة والمصالحة <Tribunaux de Verite et de Reconciliation> كما حصل في أكثر من بلد… فيما نحن ليس لنا كتاب لتاريخ لبنان بعد الحرب. هل يعقل ذلك؟ شخصيا، انا مع ان تروى وجهات نظر لأكثر من جهة في الكتاب وتستعرض جميعها، لأن الجميع أخطأ والجميع مسؤول بطريقة او بأخرى، فلا يكرر الجيل الجديد مآسي الماضي.

جرائد وتوليب!

في المعرض تقنيات ومواد مختلفة مستخدمة: على الكانفا، الاكريليك، الباستيل، وهناك استخدام ايضا للاقلام وخرائط المنطقة وقصاصات الجرائد وأزهار التوليب والصور. هناك صور التقطتها في حرب تموز في العام 2006 تقول صحناوي، وقد رافقتني صديقة لي تسكن في الضاحية اليها بعد وقف اطلاق النار والتقطت بعدستي حياة الناس، البنايات المدمرة، الاشلاء الصغيرة، وشكلت هذه كلها موادا لمعرض قدمته في قطر تحت عنوان <دمار>.

بغير الصور اشياء تعود الى عشرين عاما خلت منها مثلا الساعات التي استخدمتها… عنها تشرح:

– تعود هذه الى سنوات دراستي في بوسطن حيث ان متجرا للساعات كان يبيع الواحدة منها بمئة دولار، ولسبب ما راح يبيع الكيس منها ملآنا بمئة. اشتريتها وتركتها في محترفي حتى دقت الساعة لاستخدامها، والامر سيان بالنسبة الى الكثير من الأشياء الاخرى التي احتفظ بها لاستخدامها في وقتها.

 

أردت ان افهم…!

اقامة صحناوي في بوسطن جعلتها تحمل دبلوما، والسنة الخامسة في <كلية متحف بوسطن للفنون الجميلة> <School of the Museum of Fine Arts in Boston> أرفقتها بشهادة الدكتوراه في التاريخ من <جامعة السوربون> الرابعة في باريس، وفي كلتي المدينتين تعلمت السينما ايضا والتي تهمها بشكل كبير. مرحلة بوسطن، عرفت من ناحيتها اعمالا فنية بعيدة عن الحرب فكانت لوحات صغيرة فيها الانسان وفيها الأشياء والفواكهة، اعقبتها في مرحلة لاحقة (1999) عشرات اللوحات المستوحاة من اشعار <تي اس اليوت>.

القارئة النهمة تشرح مسارها الاكاديمي:

– لقد تعلمت التاريخ وعلوم الاجتماع حتى لا اجن، تقول صحناوي، فقد كانت وسيلتي الوحيدة لمحاولة فهم ما يجري في لبنان ولم اختر العمل في المجال السينمائي لانه كان علي ان اعبّر عن نفسي، بشكل منفرد وسريع.

 التعبير هذا لطالما كان وسيلتها في الاعمال الفنية وايضا عبر مقالات تنشرها من حين لآخر في الصحف او على موقعها: <لست كاتبة، لكن حين أشعر بالحاجة الى ذلك في مواضيع كالحرية وحقوق الانسان وغيرها آخذ قلمي… انا ايضا مناضلة صغيرة ترشحت مع <بيروت مدينتي> واسعى الى مجتمع مدني فيه مفهوم المواطنة صادق ومحاور النقاش جميعها مفتوحة للحوار>.

 

ولادة جديدة…!

 

عرضت صحناوي في عواصم مختلفة، وينتشر العديد من لوحاتها في اماكن من حول العالم، وقد اقتنت من مجموعاتها اسماء معروفة لشخصيات او شركات بينها مثلا <بنك سارادار> وقد اشترى منها 11 لوحة من مجموعة <لوريان لو جور> التي اشتغلتها بعناية. عنها تشرح صحناوي:

– في كانون الاول/ ديسمبر من العام 1998 اخترت ان ارفع تحديا الا وهو استخدام المادة الصحافية بنسيجها ونصوصها < La Texture et le Texte>  في الصحيفة التي كنت اقرأها يومياً. رسمت على الصفحات الاولى لـ<لوريان لو جور> بدءا من شهر كانون الثاني/ يناير للعام التالي واستطيبت الفكرة بحيث لم أبق هذه الصفحات الاولى بنسختهـــــا الاصليــــة اي كمـــا صـــدرت به. تسللت الى اخبـــار وتقاريــــر وصــــور الصفحات الداخلية فأبرزت مـــا اريــــد منها ونقلته الى الصفحة الاولى فأضحى كأنه دفتر يومياتي، <جورنالي> الحميم، في عمل يومي مضن استمر اربعة أشهر… ومن ثم استبدلت 26 اصدارا باستعادة (بقياس 117-152 سم) من يوم 14 نيسان/ ابريل 1975.

 

 <هيي هيي>..!

 شاهدة على عصرها تلعب ندى صحناوي دورها في ضرورة الاعتبار من الماضي للتطلع بطمأنينة الى المستقبل، آملة ان لا تدور الحلقة المفرغة وتبقى القصة <هيي هيي>. سؤالها عن معرض جديد حاليا يؤرقها: <لما ترين اللوحات في الغاليري، بخاصة غاليري <تانيت> الواسع، تسألين نفسك عما يمكن ان يكون التالي خاصة وان اللوحات في المحترف تختلف حتى عند الفنان نفسه عنها في صالة العرض، ويسأل نفسه: ماذا بعد؟ التفكير يتطلب وقتا للنضوج والتأمل لكن ما انا اكيدة منه هو أنني سأذهب بفني الى الناس من جديد في الساحات والاماكن العامة واكون بينهم. لا زالت معارضنا تستقطب طبقة معينة اجتماعية وثقافية… انا اريد الذهاب الى الناس حيث لا بيع ولا شراء. تقدمين عملا للمدينة واهلها من دون ان تكون هناك عملية تجارية. جزء كبير من عملي احبذه في الساحات، ساحة الشهداء، ستاركو… في فضاء المدينة… قريبا من ناسها>.

 ونسأل صحناوي افتراضيا عن شكل الفن كما تراه بعد ثلاثين عاما مثلا وتجيب:

–  كما يقال: السماء هي الحدود. اعتقد ان التكنولوجيا ستتطور بشكل هائل. من كان يتصور وجود الطابعة بالابعاد الثلاثة؟ كنا نعتقده حلما وانا شخصيا بقيت افكر لفترة كيف تعمل هذه واقوم بأبحاثي حولها حتى فهمت تقنيتها. اعتقد بأن التكنولوجيا سوف تتقدم بطريقة تسمح لفناني الجيل المقبل ان يشتغلوا بحرية اكبر من حيث الاشكال او الالوان والمواد. في هذا المجال قد ندخل حدود الخيال العلمي، لكنني وبالرغم من ذلك اعتقد بان ملمس المادة والعمل بها خاصة وان الفنانين يضعون احساسهم بين ايديهم عند انجاز العمل الفني ستبقى اساسية، ذلك ان الأمر يتحول لدى مستخدمها نوعا من الادمان عليها لما تكتنزه بالنسبة له فيتعلق بها ولا يستغني عنها بسهولة!