15 November,2018

الفكرة لوزير الاتصالات بطرس حرب، والمناسبة توجت بخمسة عشر طابعاً بريدياً تكريماً لرجالات الاستقلال

بقلم عبير انطون

FLAG-1

إنه العلم اللبناني يرفرف عالياً لهذا العام مزوداً بطاقة كبيرة استمدها من انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيلة حكومية تسعى لتمثيل مختلف الاطراف، ومن أماني لبنانيين تعبوا من انقسامات متعددة الاوجه. ومع العيد الثالث والسبعين لاستقلال لبنان بفضل نخبة من رجاله استطاعوا ان ينتزعوا استقلاله الذي يتمنى الجميع ان يصبح كاملا ناجزا، تعم الاستعراضات والاحتفالات في مختلف المناطق. لكن ما حكاية العلم اللبناني الذي نحتفل به كل عام في الحادي والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر قبل يوم واحد من عيد الاستقلال؟ ما هو تاريخه ومراحله الى ان وصل الينا واعتمدناه بشكله الحالي؟ وأي وجوه استعادها الاستقلال الثالث والسبعون؟

حرب.. العلم والاستقلال

 مؤسس عيد العلم هو وزير الإتصالات بطرس حرب، وما أوجب التأسيس هو انه كما يؤكد <مناسبة وطنية عزيزة أطلقتها عندما كنت وزيراً للتربية عام 1979 يوم كان لبنان غارقاً في خضم الحروب والاقتتال الداخلي بين أحزاب وميليشيات تتنازعها ولاءات متضاربة، ورفعت في خلالها أعلام ورايات مختلفة، فئوية وخارجية، ضاع معها الولاء والانتماء الى لبنان الوطن. وقمت يومئذٍ بخطوة تأسيس عيد العلم، علم لبنان، وتقصدت ان يكون هذا اليوم عشية الاحتفال بعيد الاستقلال بالذات كي يستعيد اللبنانيون، وتحديداً الطلاب والتلامذة والشباب، علمهم الذي يرمز الى لبنان ووحدته، ووحدتهم أيضا في وطن واحد ودولة واحدة>.

 وتخليداً للعيد، قررت وزارة الاتصالات لذكرى هذا العام اصدار 15 طابعاً بريدياً تكريمياً لرجالات الاستقلال: رياض الصلح، كميل شمعون، صائب سلام، بيار الجميّل، هنري فرعون، محمد الفضل، عبد الحميد كرامي، حبيب أبو شهلا، مجيد إرسلان، رشيد بيضون، عدنان الحكيم، حميد فرنجية، مارون كنعان، سعدي المنلا، صبري حمادة وسليم تقلا.

لقد وقّع رجالات الاستقلال على علم لم يولد من عدم، وهو مر بتقلبات عدة على مر الحقبات قبل ان يستقر على الشكل الذي نعرفه حاليا. ولهذا الغرض نظمت بلدية جونية بالتعاون مع <مركز فينيكس للدراسات اللبنانية> معرض الرايات والأعلام اللبنانية منذ البدايات حتى إعلانه علماً رسمياً للدولة اللبنانية، بعنوان <العلم اللبناني عبر التاريخ>. وفي المبنى الاثري للبلدية، توزعت الاعلام والرايات تحكي، بالصور والكلمات، تاريخ هذا العلم مستندة الى ابحاث دقيقة قام بها المؤرخ جوزيف نعمة الذي كان قد أصدر كتاباً في هذا الصدد اخذت عنه الصور المنشورة.

 

رايات بالعالي..

البداية، مع العلم الفينيقي، في اوائل العصور وهو باللون الازرق تيمناً بالبحر الذي مخر الفينيقيون عبابه على سفنهم الشهيرة ثم اضافوا اليه اللون الاحمر بعد اكتشاف الصباغ الارجواني الذي مهروا في صناعته، ليأتي من بعده علم <المردة>، وكانوا قد سكنوا جبال لبنان في القرن السابع والذي بحسب ما يروي بعض المؤرخين يتألف من صليب وسيف باللون الابيض وهم قاتلوا العرب ثم انسحبوا في ما بعد باتجاه شواطئ آسيا الصغرى بأمر من الامبراطور البيزنطي، وتغيّر الى وردة حمراء وسط اللون الابيض بغصن اخضر في عهد الامير ابراهيم ابن اخ البطريرك يوحنا مارون، وهو العلم الذي أراد المتصرف داوود باشا تبنّيه غير ان اسباباً سياسية حالت دون ذلك.

بعد علم <المردة> نتعرف الى راية المماليك الصفراء، وكانوا قد حكموا مصر وسوريا ولبنان ما بين عامي 1250 و1516، ورايتهم تتألف من قطعة كبرى من القماش الموشى بخيوط من ذهب تسمى العصابة، ليليه علم المعنيين وهم عائلة من الامراء حكموا لبنان ما بين القرنين الثاني عشر والسابع عشر، وكان العلم مؤلفاً من قطعة من النسيج الاحمر في زاويتها اليمنى قرنفلة بيضاء. اما علم المعنيين في أواخر القرن السابع عشر فكان مؤلفاً من شعارين هما: قطعة قماش أبيض في قسمها الاعلى رمزاً للخلود وغصن سنديان على قطعة من قماش أحمر في قسمها الادنى رمزاً للقوة والثبات، وهذا العلم اعترف به البابا بوصفه عاهلاً زمنياً كذلك فعل ملك اسبانيا وملك الصقليين.

العلم العربي فوق صيدون

IMG_8541وبعد المعنيين كان للشهابيين ايضاً علمهم الخاص. تألف هذا من قطعة نسيج زرقاء في وسطها هلال ابيض. وشكّل الشهابيون سلالة حكمت جبل لبنان في عهد العثمانيين وتسلموا الحكم من انسبائهم المعنيين عام 1697 وانتهى حكمهم عام 1842. ومع اقبال نظام المتصرفية بعد حوادث 1860 لم تنص مواد النظام على وجود علم رسمي الى ان جاء رستم باشا المتصرف الثالث وأمر بإعلان علم الدولة العثمانية شعاراً لحكومة جبل لبنان وذلك حتى سنة 1918 تاريخ سقوط الدولة العثمانية. وعلى اثر انتهاء الحرب العالمية الاولى رفع العلم العربي فوق دار الحكومة العربية برئاسة عمر الداعوق في بيروت مدة تسعة ايام وانزله الحلفاء بتاريخ 10 تشرين الاول/ أكتوبر عام 1918. اما في الاغتراب فقد رفع المهاجرون علماً ابيض تتوسطه أرزة خضراء واعتمد عقب سقوط السلطنة العثمانية علما وطنيا بين 1918 و1920.

في عهد الانتداب ما بين عامي 1920و 1943، وتحديداً في آذار/ مارس 1920 تم اعتماد العلم الفرنسي اضيفت اليه الارزة الخضراء في وسطه رمزاً وطنياً للدولة ثم تبناه الجنرال <غورو> يوم 1 ايلول/ سبتمبر 1920 يوم اعلان دولة لبنان الكبير، وقد ظل هذا العلم علماً للدولة اللبنانية حتى العام 1943 تاريخ قيام الاستقلال ونهاية الانتداب الفرنسي.

وفي 8/11/1943 عقد مجلس النواب جلسته المصيرية لتعديل دستور 1926 وإلغاء جميع المواد التي تمس بسيادة لبنان، فأثار هذا الامر حفيظة السلطات الفرنسية التي اقدمت على تعليق الدستور واعتقال رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وبعض الوزراء في قلعة راشيا. فتداعى مجلس النواب للاجتماع حيث رسموا العلم ووقعوا عليه واقر من البرلمان علماً رسمياً للدولة في كانون الاول/ ديسمبر عام 1943. فبعد ان فاز بشارة الخوري بالانتخابات وأصبح رئيساً للجمهورية في العام 1943 وألف الحكومة رياض الصلح، أعلنا الاستقلال التام وحول مشروع تعديل الدستور إلى المجلس النيابي، وقد اعتُبر هذا القرار تحدياً سافراً للمفوض السامي مما جعله يأمر بتعليق الدستور وأرسل ضباطاً إلى رئيس الجمهورية فاعتقلوه مع رئيس وزرائه وبعض الوزراء والزعماء الوطنيين مثل عادل عسيران، كميل شمعون، عبد الحميد كرامي وسليم تقلا وحجزوهم في قلعة راشيا. عندئذٍ قام وزير الدفاع الوطني آنئذٍ الأمير مجيد أرسلان ورئيس مجلس النواب صبري حمادة و الوزير حبيب أبو شهلا باجتماع مصغر في قرية في جبل لبنان هي بشامون وألفوا حكومة مؤقتة ورفع العلم اللبناني الذي تكون من ثلاثة أقسام الأحمر، الأبيض وفي الوسط ضمن اللون الأبيض شجرة أرز خضراء، وقامت بعض النساء بتنفيذه على قماشة من ستارة منزلية، ثم حياكته وتطريزه.

رفع العلم اللبناني للمرة الأولى على هضبة ترتفع 1600 متر عن سطح البحر عند منطقة فالوغا في المتن الأعلى، عند المنطقة المعروفة بمنطقة عين الصحة، التي كانت تشكل أحد أهم المراكز العسكرية للتدريب أيام الانتداب. وكان الفرنسيون قد أنشأوا جيشاً من لبنانيين وسوريين عرف بالفرق الخاصة وقوامه 16 ألف جندي، بينهم سبعة آلاف جندي لبناني. وكانت هذه الفرق تحت قيادة الفرنسيين. واللافت أن العلم اللبناني رفع بعد تمرّد عدد من الضباط اللبنانيين قبيل نيل الاستقلال بأيام. وهذه الحادثة تروى كالآتي: كان أحد كبار الضباط الفرنسيين يقوم بجولة على المراكز العسكرية ومنها فالوغا، وأعدت له حفلة استقبال هناك. وكان في هذا الموقع رئيس <فرقة القناصة> المقدم جميل لحود ورفاقه الضباط عادل الحلبي، عزيز الأحدب، جميل الحسامي، سعد الله النجار، جورج معلوف، جورج معكرون، فؤاد قديس وريمون الحايك. وقبيل بدء مراسم الاستقبال المقررة، أنزل لحود بالتعاون مع الضباط، العلم الفرنسي من على تلة الأرز الاستراتيجية هناك ورفعوا العلم اللبناني الجديد مكانه وبقي يرفرف حتى اليوم.

 

نعمة… التاريخ

 

 الابحاث الدقيقة في تاريخ العلم اللبناني التي رفعت صورها في المعرض للمؤلف جوزيف نعمة، حافظ عليها بامانة ابنه العميد الركن المتقاعد ادونيس نعمة، واعتبر عمل والده الجبار إرثاً للأجيال الآتية. فوالده الذي سكن جونية مطولاً بحكم وظيفته فيها كضابط في الدرك قلما تمتع احد بصبره ومثابرته. عنه يقول العميد: <ان ميزة المؤرخ جوزف نعمة، حين يريد ان يجلو صفحةً من التاريخ، انه صَبور وجَلود على البحث والتنقيب بما قد لا تحتمله طاقة أيّ انسان. فهو لا يتهيَّب صعباً، ولا ينثني حتى ولو بدا له الامر متعذراً. فيذهب الى البيوت التي يعرف ان فيها متروكاتٍ من الصحائف والاوراق التي تنطوي على معلومات مات اصحابها او الذين كانوا يهتمّون بها، ولم تحفل عائلاتهم من بعدهم بصونها، فهم اذا لم يتخلّصوا منها برميها او بيعها لمحلاّت اللحوم والخضار فقد تركوها تتفتّت اوراقها في عين الشمس، او استعملوها للفّ او تغطية الفخّاريات المحتوية على المؤونة او ما الى ذلك. ثم يذهب الى المعمّرين الذين يحتفظون بذاكراتهم بأحداث او مجريات قديمة شهدوها او علموا بها ثم انطوت ذكراها لاعتبار الناس انها فقدت أهميتها بمرور الزمن عليها، فيستقطر ما بقي منها في وعي هؤلاء الاشخاص ويدوّنها حتى لا تذهب بذهابهم. ولا يغيب عن البال ما يقتضي ذلك من البحث عن أماكن هذه البيوت او هؤلاء الاشخاص والتوجه اليهم حيث هم مهما بَعُدَ مقرّهم، واقناعهم بتخصيص وقتٍ له للإدلاء اليه بمعلوماتهم او لجعله ينبش الدفائن حيث تثوي عندهم، وإزعاجهم بطول إقامته لأجل ذلك او ببعثرته الأغراض والمحتويات.

يفعل ذلك.. فيجمع حصيلةً اصبح وجودها نادراً، ويعيدها الى الضوء بعد أن كانت تقبع في الظلمة وتكاد تُوَلّي الى حيث لا رجعة. بهذه الطريقة الجاهدة استطاع جوزف نعمة ان يعود، في استعراض تاريخي فريد، الى IMG_8544اوائل نشوء الأعلام والأناشيد اللبنانية، وقد أوغل في الزمن حتى الى العهود المغرقة في القِدَم بالنسبة الى العلَم…

 

النشيد..

أما بخصوص النشيد الوطني فيوضح جوزف نعمة انه لم يكن للبنان نشيد رسميّ في العهود الماضية، بل كانت هناك أغنيات شعبية وحداء وتراويد يُنشدها اللبنانيون عندما يحيّون أمراءهم، او عندما يذهبون الى القتال او يعودون منه ظافرين. وفي عهد الانتداب الفرنسي شكّل حاكم لبنان <ليون كايلا> لجنة من شخصيات فرنسية ولبنانية تتضمن رجال فكر وموسيقيين لاختيار نشيد رسميّ للبنان من بين قصائد تُقدَم لها من جانب الشعراء، وقد استُدلّ على ان هذه اللجنة لم تتمّ عملها او انها لم تنعقد أصلاً بدليل ان الحكومة اللبنانية عمدت بعد وقتٍ غير قصير الى تشكيل لجنة أخرى برئاسة اللغويّ الكبير الشيخ عبد الله البستاني وعضوية رجال علمٍ وأدب اختارت النشيد الحاليّ الذي هو من نظم الشاعر رشيد نخلة وتلحين الموسيقيّ وديع صبرا بمساعدة الخبير الموسيقيّ الاجنبيّ <نيقولا دال>.

ولاحظ جوزف نعمة ان اللجنة أعجبها ايضاً نشيداً من نظم الإداريّ الشاعر عبد الحليم الحجّار مطلعه:

ألفخــرُ في بـلادنـا    والعزُّ باتّحادنا

وعن ذُرى أطوادِنا   والأرزِ لا تَسَلْ

ولكن لأسباب فنّية ووطنية اختارت نشيد رشيد نخلة. وأردف انه في بداية عهد الاستقلال ارادت الدولة ان تعيد النظر في هذا النشيد لترى اذا كان يتوافق ووضع لبنان الجديد، فوجدت انه مكتمل من الناحية الوطنية ولا حاجة لتغييره او لإضافة شيءٍ عليه.

<فينيكس>… التاريخ للمستقبل

المدير المساعد لـ<مركز فينيكس للدراسات اللبنانية> كارلوس يونس سعيد بإنجاز المعرض: <لقد أردنا من خلال هذا المعرض توجيه رسالتين: الأولى علمية لنستذكر الرايات والأعلام في مختلف مراحل تاريخ لبنان، والثانية وطنية وهي تذكير بالمراحل الصعبة التي مر بها هذا الوطن، وكم من جيوش مرت على أرضه ونكلت بأهله، عدا العذاب والجوع واللجوء إلى الكهوف والمغاور. إلا أن كل ذلك لم يؤثر في إرادة البقاء والصمود بوجه الغاصب والمحتل، لأن الحق أقوى من الباطل>..

اما عراب الاحتفال رئيس اتحاد بلديات كسروان – الفتوح رئيس بلدية جونية جوان حبيش، المحتفى في عرين بلديته بتاريخ العلم، فاطل أيضاً من العلم وتاريخه على المشهد السياسي الحالي بقوله: <نحن اليوم على مفترق فيه خيارات عديدة وأمامنا تحديات كبيرة ببناء دولة لبنانية لشعب لبناني على الأرض اللبنانية بالجغرافيا المعهودة وبالنظام الذي يحافظ على كرامة الإنسان ويعطيه أملاً بالمستقبل. ورهاننا كبير على رأس هذه الدولة الرئيس العماد ميشال عون الذي نتمنى له التوفيق في مهامه التي عبر عنها في خطاب القسم منذ أسبوعين وهي تشكل خارطة طريق يجب أن تتضافر حولها القوى السياسية وتدفع بها إلى الأمام القوى الشعبية>.

وختم بالقول <لكي يكون وطني دائماً على حق> (شعار الرئيس سليمان فرنجية) يجب أن يكون كتاب الدستور عادلاً لكل اللبنانيين وأن يشعروا بأنهم سواسية أمام أحكامه وأحكام القانون، وأن تكون الميثاقية مؤشر ثقة وتوازن بين مختلف العائلات، وأن نرى راية واحدة ترفرف على أرض لبنان، تعلو كافة الرايات والأعلام، وأن يكون لنا يوم وطني واحد يختصر كافة الذكريات الوطنية، وأن تكون لنا ذكرى واحدة للشهداء اللبنانيين كل الشهداء اللبنانيين، حينئذٍ يكون لبنان، لبنان>..