13 December,2019

الفساد المستشري في القطاع المصرفي وتداعيات الفوائد!

 

بقلم طوني بشارة

 

الدكتور ايلي يشوعي: سويسرا ملزمة بالكشف عن أموال بعض الأشخاص بموجب معاهدات وقعتها مع لبنان لتبادل المعلومات المالية المصرفية!

المتتبع للاوضاع الإقتصادية ــ المالية في لبنان يلاحظ أن صرخة القطاعات الإنتاجية ترتفع بالتوازي مع إزدياد حالة الغليان في الشارع، مما يؤكد صحة القول أن لا خلاف محلياً حول خطورة المأزق المالي الإقتصادي والإجتماعي الذي ترزح تحته البلاد، فالوضع المعيشي المتأزم بالإضافة إلى إنتشار الفساد والفقر والبطالة وتردي الخدمات وإزدياد الدين العام دفع جهات محلية وخارجية إلى التحذير من إنهيار اقتصادي ومالي يدخل البلاد في المجهول.

واللافت انه وعلى وقع نزول الثوار إلى الشوارع والذين نددوا بالطبقة السياسية والتوجهات الاقتصادية المعتمدة، ثمة مخاوف من إحتمال تخفيض قيمة العملة المحلية، أو تخلف الدولة عن سداد الديون في غضون أشهر ما لم يحصل لبنان على دعم مالي من الخارج، مما يعني ان الكارثة المالية واقعة لا محالة!

فما سبب هذه الكارثة؟ وهل فعلا هناك فساد في القطاع المصرفي والمالي في لبنان؟

يشوعي ومعادلة <الفاء ــ فاء>!

 

تساؤلات عديدة للإجابة عنها نقلت <الأفكار> رأي الخبير الاقتصادي الدكتور ايلي يشوعي الذي جزم في بداية حديثه بأن سياسات حاكم مصرف لبنان قد أسهمت للأسف وبشكل أساسي في إيصال لبنان الى المأزق المالي الكبير، كما وتطرق يشوعي خلال كلامه الى معادلة الـ<فاء ــ فاء، الفوائد والفساد>، مؤكدا ان كليهما مسؤول عن الكوارث التي يشهدها لبنان في مجال الإنتاج والاستثمار والنمو والدين العام والهجرة والبطالة وتراجع حجم الاقتصاد، وبالتالي شدد في سياق حديثه على ان المصرف المركزي ممثلاً برياض سلامة لم يلتفت الى الاسواق ليكتشف تعطّشها لرساميل بكلفة تناسبها، مما يعني وفقا ليشوعي أن المسؤول عن ارتفاع الفوائد هو حاكم البنك المركزي تحديداً، وكل من يدعي وجود الفوائد قبل وصول رياض سلامة الى حاكمية مصرف لبنان يعتبر كاذباً.

<الافكار> نقلت الدردشة الشيقة مع الدكتور ايلي يشوعي وبدأتها بالسؤال الآتي:

ــ تحمل مسؤولية ما وصلنا اليه من تردي الى حاكم مصرف لبنان، فعلى أي أساس يتم ذلك؟

– لو أخذ رياض سلامة فعلياً حاجات القطاعات والأسواق بعين الاعتبار لما تجرأ لحظة واحدة على رفع الفوائد بهذا الشكل الصادم، وانا أحمّل المصرف المركزي والحاكم مسؤولية المساهمة المباشرة في تكوين هذا الدين العام المتنامي والذي وصل الى 100 مليار دولار، ناهيك عن خدمة دين تصل الى حدود الـ7 مليارات دولار، وهذا كله بسبب الفساد والفوائد.

وأضاف يشوعي قائلاً:

– حاكم مصرف لبنان لعب دور الوسيط على مر 25 عاماً بين أصحاب المصارف والفريق السياسي، فقام بتأمين الاموال للفريق السياسي الفاسد الذي يقوم بهدر المال العام على شكل ديون وسندات رسمية من ودائع الناس، وذلك بفوائد مجنونة.

التجاوزات… وإلغاء دورة المناعة الاقتصادية!

 

ــ هل من تفنيد رقمي للتجاوزات التي أشرت اليها؟

– يبدو أن حاكم مصرف لبنان يفيد الأقلية على حساب الأكثرية ويوهم الناس بأنه حامي الليرة وبعده الطوفان. أخطاؤه جسيمة، فسياسته المالية غير دستورية، وهي ريعية، انكماشية، تمييزية، انتقائية، اختبائية، وانحرافية. لقد دمر الاقتصاد بالاضافة الى انه يتعدى على صلاحيات السلطة التنفيذية.

 وتابع يشوعي قائلا:

– بتحليل رقمي نرى بأن سلامة يعطل الودائع، فمبلغ 80 مليار دولار من اصل 60 مليار يشكل مجموع الودائع المعطلة لديه، والإحتياطي الإلزامي البالغ 27 مليار دولار هو نسبيا الأعلى في العالم، والباقي يدفع سلامه عليه فوائد ليقول أن لديه احتياطاً تاريخياً من العملات لكنه بذلك يؤذي الاقتصاد الوطني بشكل كبير.

واستطرد يشوعي قائلا:

– من المفترض أن يساهم البنك المركزي بتحقيق نمو إقتصادي مستمر مع السيطرة على التضخم والمحافظة على الإستقرار النقدي، والإستقرار يفترض وجود هوامش لسوق قطع كفيلة بإيجاد هذه السوق، فإنتظام سوق القطع هو من مسؤولية البنك المركزي ولكن بهوامش معينة.

ــ تتكلم عن هوامش معينة لإنتظام سوق القطع فهل من أرقام تفسيرية لذلك؟

– إن الإنتظام في سعر صرف الليرة يتراوح بين 1400 ل.ل للدولار و1515، لانه عندما توجد الهوامش تخلق الأسواق، فنحن لا نعيش في ظل نظام إقتصادي ماركسي، ومن الضروري في ظل النظام الاقتصادي الحر أن نحافظ على حركة العرض والطلب ضمن هوامش مقبولة ومعقولة، فيما سلامة بسياسته يخالف الدستور اللبناني وبالإضافة الى ذلك هو يلغي سوق القطع وسوق النقد معا اي حركة العرض والطلب.

ــ الازمة المالية واقعة لا محالة فهل من بدائل للسياسة التي يتبعها سلامة؟

– من واجب حاكم مصرف لبنان أن يؤسس قاعدة نقدية وفق أصول وقواعد، ولتفسير ذلك لا بد من الإشارة بأن النقد الورقي عندما يصل الى المصارف يجب ان يتحول الى قروض، ويجب أن توجد هذه المصارف نقداً دفترياً لتأمين الانتظام المصرفي وأن لا تجمد الاموال كي تتحرك الأسواق لدى صغار وكبار طالبي النشاط الاقتصادي في البلد، وذلك لتشجيع الاستثمارات المنتجة.

وتابع يشوعي قائلا:

ــ للأسف، ان سلامة وخلال 25 عاما ألغى هذه الدورة التي تؤدي الى خلق مناعة وقوة إقتصادية في البلد، والحاصل حالياً هو ترسيخ الإنكماش والركود.

ــ في بداية حديثك أكدت ان سلامة يعتمد سياسة تمييزية إنتقائية، فكيف يحدث ذلك؟

– بمراجعة دقيقة نلاحظ ان سلامة وفي سياسته التسليفية يميز بين القطاع العام والقطاع الخاص، فهو يكبد القطاع الخاص فوائد عالية جدا، فيما يعتبر ان القطاع العام من الضروري تسليفه بتسهيلات لا تراعي الضمانات العينية والفوائد، وهذا أسلوب غير صحي على الاطلاق.

وهنا أؤكد بأنه يجب عدم التمييز بين مقترضي القطاع الخاص ومقترضي القطاع العام وذلك من اجل الحفاظ على ودائع الناس، بالإضافة الى ان سلامة يتعدى على عمل السلطة التنفيذية من خلال رسم السياسة الاقتصادية للبلاد ووضع سياسات الحوافز والتدخل في الشركات الناشئة، وهذا ليس من اختصاصه كحاكم بنك مركزي بل من اختصاص الحكومة.

ــ وماذا عن السياسة الإنتقائية؟

– في السياق ذاته يمارس سلامة ما يمكن تسميته بالسياسة الإنتقائية ما بين القطاعات، وذلك من خلال دعم قطاعات وإهمال اخرى لاسيما المنتجة منها كالزراعة والصناعة.

ــ سلامة صرح بأن لا علاقة له بالدين العام، فما موقفك من ذلك؟

– أستغرب كيف يتنصل شخص مسؤول كالحاكم من قضية العجز، علماً ان هذا العجز قد ترتب من خلال الفوائد الخيالية، إذ أنه عاقب الخزينة عندما كانت تستدين لإعادة الاعمار في التسعينات، فسلامة مسؤول بسياسته عن الدين العام وهو من خلال مركزية التسعير وتحديد سوق القطع والفوائد رتب هذا الدين.

ــ كيف حدث ذلك؟

– لطالما كانت الفوائد في لبنان الأعلى عالميا وهي تعتبر فوائد ريعية لأن المصرف المركزي يحدد فوائد خيالية لتثبيت سعر صرف الليرة، وقد خلق للمصارف ذريعة خيالية هي إعطاء فوائد على <المنتج> اي أرباح وليس فوائد وهذه بدعة، وهكذا فان الفوائد العالية كونت الشق الاساسي من الدين العام الاجمالي الذي وصل الى 125 مليار دولار وليس كما يقول.

تهريب الأموال وهيكلة الدين!

 

ــ أشرت الى فوائد كسبب للمشكلة ولكن الحاكم يتكلم عن هندسة مالية كمخرج للمأزق، فهل من الممكن ان تخرجنا هذه الهندسة المزعومة من الازمة؟

– إن اخر بدع سلامة هي الهندسة المالية التي وإن دلت على شيء فانها تدل على الفشل الذريع وعلى أن إقتصاد البلد بني على الفوائد، وهذه السياسة تندرج في إطار ذهنية الريع وإفادة الأقلية على حساب الأكثرية، فهل يستطيع الحاكم الإجابة كيف تصل فائدة القروض الشخصية في لبنان تلك التي لا تتعدى الـ10 الاف دولار الى 17 بالمئة؟ إنها سرقة موصوفة وأسلوب أقل ما يقال عنه مراباة. كل ذلك يؤدي الى الإنحرافية أي العجز في الميزان التجاري الذي بلغ 17 مليار دولار كفارق بين التصدير والاستيراد.

ــ بعيدا عن الهندسة المالية وقريبا من الواقع يؤكد البعض بأن المصارف وبالتواطؤ مع حاكم مصرف لبنان قامت بتحويل أموال الى الخارج اثناء الاقفال، فما صحة ذلك؟

– شخصياً استبعد تنفيذ المصارف في الآونة الاخيرة عمليات تحويل أموال إلى الخارج، ورغم أن هذه العملية ممكنة من الناحية التقنية إلاّ أن المصارف لن تخاطر اليوم بإنقاص سيولتها.

ــ لماذا تستبعد ذلك؟

– ان إخراج الودائع يستتبعه بحث عن كيفية تخفيض الديون أي بمعنى آخر تحصيل المصارف أموالها من الديون التي أعطتها، ومعظم ديون المصارف هي على الدولة اللبنانية، ولا يمكن تحصيلها بسرعة تتناسب مع سرعة تحويل الأموال إلى الخارج.

أما في حال تأكيد حصول مثل هذه العملية، فأرجّح أن تكون عملية فردية محدودة جداً في مصرف يملك فائض سيولة تلبي طلب التحويل لشخص نافذ، لكنها ليست عملية واسعة ومنظمة تطال كل المصارف.

ــ مؤسسات عالمية تحدّثت عن إعادة هيكلة دين باتت محتومة، ما هو رأيك بهذا الموضوع؟ وماذا ستكون تداعياته؟

– أستبعد الخفض الإلزامي لحجم الدين <Haircut>، هذا موضوع فيه الكثير من الخطورة وخاصّةً مع طبقة سياسية كهذه. قد تحصل هكذا خطوة في <تضحية مرحلية> من قبل سلطة تتمتّع بالشفافية ولكن لا يمكنها أن تحصل في ظل السرقة والنهب.

ــ ماذا تقصد بمقولة سرقة ونهب؟

– ودائعنا شئنا أم أبينا مسروقة بطريقة مغلّفة، وذلك لأن 130 مليار دولار منها مع الدولة غير القادرة على إعادتها عندما يحتاجها المودعون، لذا ان إعادة جدولة الدّين غير مجدية هنا.

ــ عدد من الخبراء تمنّى تحييد المركزي والمصارف التجارية عن تظاهر الثوار معتبرين ان ذلك يزيد الضغط على العملة، فهل تؤيد ذلك؟

– ليتظاهرالثوار أينما يحلو لهم…! ومن يقول عكس ذلك، فهو من الذين يحاولون تجميل صورة البنك المركزي… هذا التجميل ساهم بوصول الإقتصاد الى ما هو عليه اليوم.

ــ المتظاهرون يطالبون بإعادة الاموال المنهوبة، فهل من الممكن قانونا أن يتم إستعادة الأموال المودعة في سويسرا؟

– لبنان وقّع على معاهدات لتبادل المعلومات المالية المصرفية مع 139 دولة. في حال طلب لبنان من سويسرا الكشف عن أموال بعض الأشخاص فإنها مضطرة للقيام بذلك، ولكن من سيُقاضي من؟ ومن سيكشف عن من؟ هؤلاء مجموعة من الشركاء في كافة المشاريع.

وتابع يشوعي قائلا:

– هنا أتساءل: هل يعلم المواطنون كيف يقوم هؤلاء بوضع الموازنات؟ لا يخفى على احد ان كل واحد منهم يعتبر أن الوزارات والإدارات أو المرافق ملكه، ويبدأون عند وضع الموازنة بتقسيم الحصص. هذا هو مفهوم الموازنة بالنسبة اليهم.

فهل من الطبيعي أن يقول مستشار رئيس الحكومة في مقابلةٍ تلفزيونية: <نرفض خفض حصّة مجلس الإنماء والإعمار أولاً لأنه يرتبط برئاسة مجلس الوزراء وثانياً لأنه من حصة تيار المستقبل؟>…

ــ وما الحل لهذه الازمة؟

– ان لبنان أصبح أمام حائط مسدود من الناحية الاقتصادية والمالية، فالعملة المحلية تنهار يوما بعد يوم، وقد يتم التوقف عن دفع الديون ما لم يتم تدارك الأمور وتشكيل حكومة من اختصاصيين.

ووفقا لخبرتي اؤكد أن تداعيات خفض العملة تتجلى في ارتفاع الأسعار من جهة وزيادة الغضب الشعبي في كل المناطق من جهة ثانية، وبالمقابل لبنان لن يحصل بسرعة على عملات صعبة، سواء في إطار برنامج <مؤتمر سيدر> للدول المانحة لدعم لبنان أم عبر اقتراض خارجي، وذلك نظرا لظروف البلاد المالية وتصنيفاتها السلبية وفقدان الثقة بالطبقة السياسية. وهنا اؤكد ان لخروج لبنان من هذه الازمة يجب اعتماد مجموعة لاءات: <لا للمس بالرواتب، لا للمس بضريبة القيمة المضافة، لا للزيادة على صفيحة البنزين، ولا لكل شيء اسمه مكتسبات الموظفين الجديّين داخل القطاع العام>… وما نحتاج اليه الان وبسرعة هو حكومة نظيفة وكفوءة بعيدة عن ذهنية المحاصصة والفساد السائدة منذ سنوات، وبالتالي يجب على قوى الحراك أن تنتبه لشخصيات الـ>تكنوقراط> التي سيتم إقتراحها، اذ من الممكن أن يكونوا سماسرة أيضاً.