25 September,2018

الفاتيكان يستعجل انتخاب خلف للبطريرك لحّام تفادياً لانقسام نتيجة الخلافات بين المطارنة!    

غريغوريوسيوماً بعد يوم، يزداد تدخل الكرسي الرسولي المباشر في عمل الكنيسة الكاثوليكية في لبنان، بعدما كانت لهذه الكنيسة المشرقية خصوصيتها سنوات عدة بحيث لم يكن الفاتيكان يتعاطى في شؤونها مباشرة، وإن كان واجب <الطاعة> يشكل جزءاً أساسياً من العلاقة بين هذه الكنيسة والكرسي الرسولي على مرّ التاريخ. وكما تدخلت الدوائر البابوية في انتخابات الرهبانيات المارونية قبل اعوام، وكذك في أوضاع بعض الابرشيات المارونية والتي كان آخرها أبرشية صيدا المارونية، كذلك الحال بالنسبة الى طائفة الروم الملكيين الكاثوليك التي شهدت قبل أسبوعين <قبول استقالة> بطريركها غريغريوس الثالث لحّام في خطوة كادت أن تحدث تفاعلات داخل الطائفة بعد تلويح البطريرك لحّام بالاستمرار في موقعه حتى كانون الأول/ ديسمبر المقبل حين يبلغ الخامسة والثمانين من العمر. إلا أن <نصيحة> وصلت الى الربوة، مقر بطريركية الروم الكاثوليك، جعلت البطريرك <الغاضب> من التدبير البابوي، يعترف بالأمر الواقع ويسلّم المدبّر الذي عينه البابا على الكنيسة البطريركية المطران <يوحنا جانبرت> كل الملفات والوثائق الى حين التئام <السينودس المقدس> للطائفة من أجل انتخاب بطريرك جديد في 19 حزيران/ يونيو المقبل.

إلا أن <قبول> البطريرك لحّام بالتدبير البابوي على مضض لم يحل دون استمراره في الدعوة الى مؤتمر كان حضّر لانعقاده قبل صدور القرار من الفاتيكان، ووزع لهذه الغاية بطاقات تحمل صفته البطريركية، الأمر الذي أثار ردة فعل مدبر الكنيسة فأصدر بياناً أعلن فيه أن <استقالة> البطريرك لحّام قبلت وفقاً للأصول، لافتاً الى <تجميد> النشاطات والاحتفالات والمؤتمرات الخاصة بالبطريركية في المرحلة الراهنة، الأمر الذي فسّره المراقبون بأنه إلغاء للمؤتمر الذي دعا إليه البطريرك لحّام.

مطارنة سوريا… ومطارنة لبنان!

وفيما تفاعلت تدابير المطران <جانبرت> المستوحاة من قرار البابا <فرنسيس> والمدعومة من السفير البابوي في لبنان المونسينيور <غبريال كاتشا>، داخل الكنيسة الكاثوليكية، فإن تحديد موعد انعقاد <السينودس المقدس> للطائفة من أجل انتخاب بطريرك جديد حرّك التنافس التقليدي الذي يقوم عادة بين مطارنة الكنيسة في كل مرة يدعون لاختيار بطريرك، ويتمثل هذا التنافس لدى الروم الملكيين الكاثوليك بين خطين: الاول خط مطارنة سوريا ومطارنة لبنان، والثاني خط المطارنة مع الرهبانيات بحيث تسعى كل رهبنة كي يكون البطريرك العتيد منها. أما بين المطارنة، فإن وجود الكرسي البطريركي في دمشق جعل الكفة راجحة دوماً لمطارنة ابرشيات سوريا أو لمطارنة من سوريا، الامر الذي جعل مطارنة لبنان يطالبون هذه المرة بأن تكون الكرسي البطريركي من حصتهم، وبدأوا تحركاً في هذا الاتجاه، وان كان رفاقهم مطارنة سوريا يعتبرون أن الامر بات محسوماً وسيكون البطريرك الجديد من صفوفهم.

وفيما تؤكد مصادر روحية مطلعة لـ<الأفكار> أن التباين في وجهات النظر حول خلافة البطريرك لحّام بدأ قبل خمس سنوات، منذ قرّر الكرسي الرسولي ضرورة <استقالة> البطريرك لبلوغه سن الثمانين من العمر، ورفض البطريرك ذلك ومحاولته تأجيل الاستحقاق من سنة الى اخرى، فإن المجمّع الذي سيعقد في المقر البطريركي الصيفي في بلدة عين تراز (قضاء عاليه) سيواجه تنافساً حاداً بين المطارنة والرؤساء العامين إذا لم تتوصل المساعي الى الاتفاق على حل وسط، كما حصل مع البطريرك لحّام الذي انتخب في تسوية قيل يومئذٍ انها ستكون الأخيرة في المسار الانتخابي البطريركي. وتدل المعطيات الى أن فريق مطارنة سوريا يعمل لوصول أحد اثنين: الأول هو المدير البطريركي حالياً المطران <جانبرت> وهو أساساً متروبوليت حلب وسلوقية وقورش، والثاني هو النائب البطريركي في دمشق المطران جوزف عبسي الذي يحظى بدعم واسع من المطارنة. أما المطارنة من خارج سوريا فلم يحسموا أمرهم بعد بالنسبة الى من سيكون خيارهم ليخوضوا به <المعركة> الانتخابية التي وضعت على نار حامية منذ تحديد موعد <السينودس المقدس> للطائفة، لاسيما وأن بعض المطارنة يعتبر أن تعيين البابا للمطران <جانبرت> مديراً بطريركياً لا يعني أن الكرسي الرسولي يميل إليه بطريركاً بل اتى هذا التعيين كونه  الأقدم في الرسامة بين المطارنة غير المتقاعدين، وبالتالي فإن اختياره للمنصب المؤقت لا يعطي أي إشارة الى حتمية حلوله في السدة البطريركية.

تنافس الرهبانيتين

وتورد المصادر نفسها وجهاً آخر للخلافات داخل كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك يتمثل بموقف الرهبانيتين الكبيريين في الطائفة، <الرهبنة البولسية> المنبثقة من <الجمعية البولسية> و<الرهبنة الباسيلية الشويرية>، لاسيما وأن ثمة مطارنة فعليين ومتقاعدين ينتمون الى الرهبانيتين ولهم تأثيرهم في التصويت داخل <المجمّع المقدس>، وبالتالي ترجيح كفة هذا أو  ذاك من المرشحين. وثمة مخاوف من ان يكون <السينودس> مناسبة لإثارة مطران أو أكثر ما يوصف بـ<الملفات الحساسة> التي شكّلت أحد الاسباب الرئيسية لإسراع الفاتيكان في <قبول> استقالة البطريرك لحّام، إذ يكثر الحديث عن <فضائح> مالية وبيع عقارات للكنيسة دون العودة الى روما، وإنشاء جمعيات وهمية وجمع أموال باسمها، ناهيك عن كلام كثير يتناول مطراناً من هنا ومطراناً من هناك. إلا أن المصادر نفسها تقول إن الكرسي الرسولي سوف <يضبط> إيقاع مداولات <السينودس> لئلا ينحرف عن الغاية من انعقاده، وهي انتخاب البطريرك الجديد بـ<وحي> من الروح القدس!