26 September,2018

الـهـنــد فـي لـبـــنـان مــن بـوابـــة بـيـت الـديــن و”تـجــار بولـيــوود“

 

بقلم عبير انطون

4

تفتتح <مهرجانات بيت الدين الدولية> لهذا العام برنامجها السنوي في الثامن من تموز ( يوليو) مع مسرحية غنائية راقصة من الهند تحمل عنوان (تجار بوليوود) وفيها يؤدي اربعون فناناً مختلف الفنون منها الرقص والغناء والعزف. الافتتاح المنتظر اثار الاستغراب اذ ليس للهند فنياً جمهور واسع في بلادنا وان كان لها محبون عديدون. من ناحية اخرى، فان تصوير اكثر من فيلم هندي في منطقة الشرق الاوسط وبينها لبنان في العام الماضي، في ما اعتُبر انه <غزو سينمائي للسينما الهندية في الشرق الاوسط>، فضلاً عن اختيار الراقصة اللبنانية اليسار مؤخراً للمشاركة في فيلم < Solar Eclipse-depth of darkness> الأضخم انتاجياً في تاريخ السينما الهندية بحسب ما نشر مكتبها، دفعا بنا لنبحث عن ظاهرة دخول الفنون الهندية السينمائية بشكل خاص الى بلدنا. فماذا في ذاكرة الجمهور اللبناني ومؤرخي الفن من افلام لاقت رواجاً؟ وهل يمكن لـ<بوليوود> التي جعلت لها محطة الـ<ام بي سي> موقعاً الكترونياً خاصا بعنوان <بوليوود> ان تنافس <هوليوود> يوماً؟

 وبينما تقدّم <دار الاوبرا> المصرية هذا الاسبوع العرض الغنائي الاستعراضي «قصة أحلام موسيقية» الهندية من ضمن فعاليات <الهند على ضفاف النيل>، ستُقدّم مهرجانات <بيت الدين الدولية> لافتتاح موسمها الحالي <تجار بوليوود> <the merchants of bollywood> بعد تقديمها في عروض شملت لندن وهامبورغ وبرلين وفيينا وامستردام وبرشلونة وفرانكفورت وميونيخ وجنيف وكوالالمبور وباريس ودبي وغيرها. المسرحية الراقصة هي من كتابة <غوبي غاف> واخراجه ومن انتاج <مارك برادي>، والعمل مستوحى من قصة سلالة عائلة <مارشانت> البارعة في تصميم الرقص، والتي كانت طوال اجيال الشخصية الرائدة في صناعة الافلام والموسيقى وتصميم الرقص في <بوليوود> حيث تغادر البطلة <عائشة مارشانت> التي درّبها جدها على تقليد <كاتاك> دارها لتصبح مصمّمة رقص لعروض <بوليوود> الموسيقية قبل ان تعود الى جذورها الفنية في <راجاستان>، وتُعتبر <عائشة> واحدة من انجح مصممي الرقصات واكثرهن رقياً خلال العصر الذهبي للسينما الهندية في <بوليوود>.

وننوه هنا ان مصطلح <بوليوود> يُستخدم على نطاق واسعٍ للإشارة إلى صناعة الأفلام باللغتين الهندية و<الأوردو> في مدينة <مومباي> الهند، كما يُستخدم هذا المصطلح بشكلٍ غير صحيح أحياناً للإشارة إلى كامل صناعة السينما في الهند، بينما يشير في الحقيقة إلى جزء من هذه الصناعة.

يشارك في مسرحية <تجار بوليوود> اربعون مؤدياً يرتدون ازياء تقليدية و5 آلاف قطعة من المجوهرات في مهرجان للألوان والموسيقى، إذ كما في مختلف المسرحيات والافلام تتميز العروض الهندية الشهيرة بألوانها الزاهية والمشاهد السريعة المتوالية والمواقف الرومانسية الجياشة التي ترويها مجموعة من الرقصات في مزيج فني متكامل يجمع الغناء والموسيقى بلغة الجسد لتنتج لوحات تعبيرية.

كريم-طرايدية-وبانكاج-سيغال-مخرجي-العمل---2 

شاهين.. و<منغالا>..

فماذا في ذاكرتنا كلبنانيين عن افلام هندية ترسخت في اذهاننا؟ المراجع والوثائق حول هذا الموضوع ليست متوافرة بشكل كبير، وقد توجهت <الافكار> في هذا المجال الى الاستاذ اميل شاهين الملقب سينمائياً بـ<انسيكلوبيديا> <الفن السابع> لبنانياً، عربياً وعالمياً. استاذ مادة السينما ورئيس <مؤسسة اميل شاهين للسينما> التي تحيي قريباً ورشة عمل في جامعة <سيدة اللويزة> بعنوان <السينما والفلسفة> حاول ان يبحث لـ<الافكار> في ما تختزنه ذاكرته حول افلام هندية عرفها لبنان، وهي في غالبيتها تعود الى حقبة الخمسينات…

ويقول شاهين:

– أول الافلام الهندية التي عرفت رواجاً في لبنان كان فيلم <انا منغالا> وقد حصد نجاحاً كبيراً… وقد رافقت والدي الى السينما لمشاهدته لانه لاقى نجاحاً واسعاً بألوانه واستعراضاته، وأذكر انه نال إعجابي كولد فتي حينذاك الا ان حكمي عليه قد يتغير اليوم لو اعدت مشاهدته، ومن بعده كان الفيلمان اللذان لاقا اقبالاًَ واسعاً ايضاً <ماسح الاحذية> و<MOTHER INDIA>. الاول، لعب بطولته طفلان وتدور احداثه حول ولد يكافح من اجل لقمة العيش ويأبى ان يكون متسوّلاً فيعمل ماسحاً للاحذية. اما الفيلم الثاني <الام الهند> فهو إعادة لفيلم <aurat> وكان اول فيلم هندي يُرشح لنيل جائزة <الأوسكار>، وتدور قصته حول احدى قرى الهند حيث يرحل زوج <رادها> احدى النسوة في القرية عنها، ويتركها لمعاناتها مع اولادها الذين تضحي بالكثير من اجلهم إلا ان الفيلم يقفل على نهاية حزينة.

ويزيد شاهين او <مسيو سينما> وهو لقبه لما عُرف به من غزارة في المعلومات في هذا المجال:

– اذكر انه في أواخر الستينات افتُتحت في ساحة البرج صالة متخصصة بعرض الافلام الهندية اسمها <لا بيغال>، وكانت الصالات الاخرى تعرض الافلام الهندية اذا ما عرفت رواجاً واسعاً فتنقلها الى شاشاتها.

وتُعتبر السينما الهندية من اكبر الانتاجات في العالم الا انها لا توزع عالمياً، وما يميزها ان ممثليها مختصون، لا يمتهنون الغناء والرقص بل يعيشونه بحيث أنهم لا يتقنونه او يتدربون عليه لاجل اداء الادوار فقط، لذلك نجدهم يبرعون في مجال الغناء الاستعراضي، وهم يتميزون بتصميم الرقص والـ<كوريغرافيا> المحترفة والمميزة، حتى ان بعض الافلام وصلت الى ارقى المهرجانات العالمية من <كان> وغيرها. وتسير الافلام الهندية بالتوازي باتجاه المثقفين والمفكرين عبر افلام عميقة، وهناك ايضا السينما التجارية ولها جمهورها العريض لما فيها من قصص <اكشن> وبطولات وقصص غرام يتخللها الرقص والغناء، وهي عناصر اساسية في كل فيلم هندي نشاهده، حتى ان الكثير من الاوروبيين يتعلقون بها ما يثير اهتماماً يفاجئ الغرب.

Selected----3ويزيد شاهين:

 – نجد افلاماً مصرية عديدة تأثرت بالسينما الهندية، واعطي مثالاً على ذلك فيلم <خلي بالك من زوزو> من اخراج حسن الامام، ونلاحظ ان الممثلين المشاركين في الفيلم يتحركون على منوال الافلام الهندية الا ان المصريين ليسوا متمرّسين بالرقص كالهنديين، وهناك الكثير من الافلام الاستعراضية التي حاولت نقل اجواء الافلام الهندية فكانت الفكرة جيدة الا ان التنفيذ سيئ.

كذلك فإن افلاما استعراضية عالمية كبرى استوحيت من اجواء الافلام الهندية، كفيلمي <لو مولان روج> و<الميوزيكال> الذي يصب في خانة هذه الافلام ايضاً.

وحول انحسار الافلام الهندية بشكل كبير عن شاشات <الفن السابع> في بلدنا يقول شاهين:

– ربما لانها ليست مكتشفة بالشكل المطلوب، وبين الجمهور من يرفضها اذ يعتبرها <درجة ثانية> معتبراً انها تدور حول محور واحد، وهي <ميلودراما> تتمحور حول قصص حب يراها البعض ساذجة وتشبه بعضها. اما عن منافستها لـ«هوليوود> وان كانت لا تزال بعيدة عنها، يعدد شاهين عدة اسباب تجعل المنافسة بعيدة، اولها ان الهند تضم فئات واثنيات عدة الامر الذي لا يجعل السينما الهندية واحدة من حيث لغتها اذفيها من الافلام ما يتوجه لفئة من الهنود دون اخرى، كذلك فاذا ما تميّز فيلم هندي على نطاق واسع عالميا فان <هوليوود> نفسها تستحوذ على توزيعه لانها ممسكة بالسوق.

وحول ما يُكتب في اكثر من مجال عن اتجاه السينما الهندية الى التصوير في الشرق الاوسط، يؤكد شاهين: السينما صناعة تفتش عن الكلفة الارخص، واليوم اصبح التصوير اكثر سهولة مما كان عليه سابقا، اذ يمكن تصوير فيلم هندي كامل في اي بلد وكأنه في قلب الهند، فلم يعد للسينما من حدود وباتت هذه متنقلة بحسب <الانسب> لها.

وعن افلام لبنانية وثائقية صورت في الهند، لا تستحضر ذاكرة شاهين اسماً معيناً، الا انه يستبعد وجود افلام لبنانية طويلة صورت فيها، <ذلك ان هذه الصناعة صعبة محليا فكيف بالاحرى مع الانتقال الى بلاد اخرى، ولو ان الامر بات اكثر سهولة مع كاميرات <الديجيتال> اليوم..

وعمـا اذا كان ينصـح شاهــين تلاميذه بمشاهـــدة الافــــلام الهنديـــة، فانــه يـــــؤكد ان لا وقت كافيــــا للامــــــر، وان كان <لا بأس بالفكرة> في <السيني- كلوب> الذي يديره فيتعــــرف الجمهور الى هذا النوع من الافلام من دون احكام مسبقة.

غزو.. للشرق الاوسط

صورة-اميل-شاهين----5 

في تحقيق حول السينما الهندية في العام 2014 تحت عنوان <السينما الهندية تغزو الشرق الاوسط>، ذُكر في التحقيق لصحيفة <الشرق الاوسط> ان هذه المنطقة تحولت الى واحدة من اكثر الاماكن الجاذبة لصناعة السينما الهندية، اذ شهد العام 2013 وحده تصوير ما يزيد عن 12 فيلما من اشهر افلام <بوليوود>، حتى ان المنتج <ناديادوالا> الذي يتخذ من <بومباي> مقراً له، صور نحو عشرين فيلماً في منطقة الشرق الاوسط كمثل فيلم < WELCOME BACK> الذي تم تصويره في دبي، وكتب ان الاسرة الحاكمة في الامارة اتخذت خطوة استثنائية اذ وافقت على تصوير احد المشاهد الرئيسية من الفيلم في <اليخت> الخاص بها، كذلك صُور فيها فيلما <هابي نيو يير> و<جاي هو>، كما جرى تصوير فيلم <جونداي> في سلطنة عمان التي تتحول الى واحدة من المناطق المهمة بالنسبة لـ<بوليوود> من حيث مواقع التصوير المثالية لتصوير الافلام والاتجاهات المشجعة من جانب الحكومة والتي تخصص ميزانيات ضخمة لهذا الغرض.

 

اليسار.. الى <بوليوود>

 

اما لبنانياً، فقد كان بلد الارز محطة للنجمة <البولووديــــــة> المعروفـــــــة <كارينا كابور> منذ سنة ونيف مــــن اجــــــل تصويــــــر فيلـــــــم <شــــــودهي> مـــــن اخــــــراج <كــــــاران جوهــــــــر> وقــــــد تم التصـــــوير ما بين بيروت وجبل لبنان.

ومنذ فترة وجيزة جدا انتهت الراقصة اللبنانية اليسار من تصوير لوحة استعراضيّة في الفيلم الروائي <البوليوودي> المُنتظر < Solar Eclipse – Depth of Darkness>. وترقص فيه على أنغام لحن من توقيع <Prashant Pillai>، مُسجّلة بذلك أول ظهور لنجمة استعراضيّة عربيّة في عمل عالمي هو الأضخم إنتاجياً في تاريخ السينما الهنديّة.

وتدور أحداث الفيلم في العام 1947 عقب انتهاء الاحتلال البريطاني للهند وتفجر الاضطرابات الأهليّة ذات الطابع الديني من جرّاء تقسيم شبه الجزيرة الهنديّة، وكيف ألقت عمليّة التقسيم بظلالها الثقيلة على مصير شخصيّات تاريخيّة أبرزها <الماهاتما غاندي> الذي اغتيل في 30 كانون صورة-مهرجانات-بيت-الدين---1الثاني/ يناير عام 1948، وحول محاولة ثلاثة ضبّاط شرطة لإنقاذ <غاندي> الزعيم الروحي للأمّة بل لإنقاذ الأمّة بأسرها.

 تؤدّي إليسار في الفيلم دور <إدوينا> وهي امرأة بريطانيّة هنديّة تتحوّل إلى محطّ اهتمام لاجئ من <بونجاب> فتعيش معه تجربة حب. وتمثل صورة <إدوينا> الرابط المختلف بين بريطانيا والهند بعد انتهاء الاحتلال، وقد صوّرت مشاهدها في <سريلانكا> على مدى خمسة أيّام بعد أن خضعت لتدريب لمدة أسبوع تحت إشراف كبيرة مُصمّمي الرقص في الهند <ساروج خان> والتي أعربت عن سعادتها الكبيرة بالتعاون مع إليسار مُعلنة أنّها ستحوّلها من نجمة عربيّة إلى نجمة أولى في <بوليوود>. أمّا إليسار فوصفت تجربتها بالاستثنائيّة قائلة: <رافقني الخوف في البداية، فالمسؤوليّة كبيرة والتجربة هي تجربة عمر. إطلالتي في هذا العمل لن تمثلني وحدي بل ستمثل بلدي وحتى الوطن العربي كوني الفنّانة العربيّة الوحيدة بين نجوم من ثلاثين دولة اجتمعوا لتصوير هذا الفيلم، وانصحكم بمشاهدته لانه يستحق>.