19 November,2018

الـهـديـــــــة الـمـطـلـوبـــــــة للـبـنـانـيــيــــــــــن مــــــن سعــــــد الـحـريـــــــري هـــــي فـــــــرص الـعـمــــــل!

بقلم وليد عوض

DSC_4170 

جلستي مع رجال الفكر وفّرت لي مخزوناً من الأفكار والذكريات التي هي صدى السنين الحاكي. ومن هؤلاء أصحاب الفكر المشرق صاحب جائزة <نوبل> الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ الذي عقد لي موعداً وإياه في أحد مقاهي منطقة الجيزة في القاهرة، وكان الوسيط مندوب <الأفكار> الراحل في مصر عادل رضا. وبعدما تأكد نجيب محفوظ أبو الحرافيش من أنني صحافي واسع الأفق وغني الذاكرة قال لي:

ــ اسمعني جيداً يا صديقي وأنا أقول لك: كل الذين يستهلون عملهم بتواضع جم لن يبلغوا بسهولة ما يتمنون. إذا شئت تواضع مع الناس ولكن لا تتواضع مع مهنتك وكتاباتك. فحين تكتب ارفع رأسك يا أخي!

والتواضع مع الناس هو الصفة التي يكتسبها المرشحون اللامعون في لبنان. وما رأيت رجلاً يمثل قمة في التواضع مثل الرئيس سعد الحريري، وقد ضرب مثلاً على ذلك خلال جولته صباح الأحد الماضي في دائرة بيروت الثانية، لقد أبى أن يقام له زنار أمني وهو يدخل قلم الاقتراع بل طلب أن يقف في الصف مع سائر الناخبين، ووقف مرافقوه الأمنيون في الحلقة معه كسائر الناخبين.

وفي الأدب الشعبي القول المأثور: من تواضع لله رفعه.

والمثيل أو النظير في مسألة التواضع للرئيس الحريري، هو الرئيس نجيب ميقاتي الذي لم يسكره المنصب، ولا كرسي الرئاسة في السراي. ومن مزاياه أنك إذا طلبته في التليفون ولم يكن موجوداً، اتصل بك بعد دقائق ليسألك: الوليد ماذا يريد؟!

ومن أقوال العالم الصيني <كونفوشيوس>: <حاول ألا تتكلم عن نفسك، لا بالخير لأن أحداً لن يصدق، ولا في الشر لأنهم لن يحفلوا بما تقول>!

وإذا خرجت من دائرة التواضع، تكون قد خرجت من الواجهة الانتخابية، وهذا ما ينطبق على جملة مرشحين ولا تملك هنا إلا أن تتساءل: <ماذا فعل كل هؤلاء قبل أن يترشحوا>؟!

في الشارع اللبناني مئات من أصحاب الحاجات الخاصة، وقد أطلوا على الرئيس سعد الحريري من كراسيهم في دائرة بــــيروت الثانيـــة وقالـــوا له إنهم تلقوا وعوداً لتحسين حالهم وانصافهــــم طبيــــاً وغذائيــــاً، ولكن الوعود لم تتحقق، وقـــد عـــزّ هــذا المـــوقف عــلى الـــرئيس الحريــــري وأبـــدى كامل تـــأثره بأحـــوال أصحـــاب الحاجــــات الخاصة وقال: لقـــد استـــدعيت المسؤولين عن هذا التقصير واتخذت التدابير التأديبية بحقهم، وكذلك سوف أنقل مشكلة ذوي الحاجات الخاصة الى مجلس الوزراء ليكون لهم قانون خاص بهم!

 

الثالوث المطلوب!

 

بعد الانتخابات هناك ثالوث احتياجي إذا أخذ به النواب الجدد نقلوا الوطن من حال الى حال، ومن التردي الاقتصادي الى الرفاهية الاجتماعية، ومن سوء الحالة المعيشية الى ازدياد فرص العمل، والطبابة الاجتماعية والاستقرار الغذائي. ويسقط من الآن كل عذر في شرح التقصير المطلوب من النواب الجدد بدءاً من التصميم، ثم التغيير، ثم نشر وطن جديد يستفيد من شهادة دول العالم في مؤتمرات <سيدر واحد> و<بروكسيل> وتحويل هذه التقنيات الى أفعال محسوسة، فلا يظهر قرب المراكز الدينية متسول معدوم العافية، أو في الأسواق محرومون من العدالة الغذائية ومن الدواء الشافي.

ويعود المخضرمون بالذاكرة الى زمن الأربعينات والخمسينات حين كان السوق يشهد حملة الأطباق الخاوية طلباً للمساعدات المالية والغذائية، وهو ماضٍ لا يجوز العودة إليه مهما بلغت حالة التردي. وقد شهدت في مقهى من مقاهي  بيروت في عين المريسة خطاباً بين مرشحين: الدكتور حسن صعب، ورئيس حزب <النجادة> عدنان الحكيم، وقد جمع الحكيم حوله جمهرة من الناس كانت كافية لاعطائه مقعد المنطقة ربيع عام 1960، وكان سلاحه في هذا النجاح طبق طعام رفعه بيده، وهتف: لكم كامل الغذاء يا محرومين!

حتى الوسائل اللوجستية في حاجة الى تغيير وتطوير، مثل لوائح الشطب لأن ناخبين بالجملة في دائرة سوق الغرب وبعبدا وعاليه وصوفر لم يجدوا اسماً لهم في لوائح الشطب، وأربك ذلك رؤساء الأقلام. كان طبق الغذاء إذن في تلك الأيام الخوالي سيد المطالب، وكانت علبة الدواء الموصوفة بـ<روشتة> هي أفضل ما تتمناه الزوجة التي أصابها مرض عابر. والباقي من الأشياء مجرد تفاصيل.

al-(51) 

عاطلون عن العمل!

فما الذي تغير في هذا الزمن؟

ما من أحد يموت من الجوع، وما من عائلة تبيت على الطوى، ولكن الفقر لا يموت، وعن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب أنه قال: <لو كان الفقر رجلاً لقتلته>. وعائلات بالجملة في ميناء طرابلس وباب الرمل وباب التبانة تعيش تحت وطأة التقصير المعيشي. وفرص العمل لتصحيح الوضع العائلي، ومساندة رب العائلة في كسب رزق، ليست متوافرة. وفي كل انتخابات يتبارى المرشحون من أجل كسب ضمير العاطل عن العمل في اطلاق الوعود بخلق فرص العمل، وقد نقل الرئيس الحريري موضوع فرص العمل الى مؤتمر <سيدر واحد> وصدرت الوعود بفرص العمل من عشرات الدول المشاركة في المؤتمر.

والآن، بعدما وضعت الانتخابات أوزارها، مطلوب من المرشحين الذين تهافتوا على صوت الناخب الذي لا حول له ولا قوة، أن يباشروا فوراً في استيلاد فرص العمل عبر الدعوة الى المشاريع الانشائية، وتصحيح البنى التحتية، وأولها مجاري الماء والعناية الطبية وطاقة الغذاء، فلا يبقى ضمن العائلة الواحدة أفراد يطلبون عملاً، برغم تحصيلهم العلمي، ولا يبقى في الشارع متسول يستعطي، أو امرأة على عكاز، أو حامل شهادة لا يجد وظيفة، ولا يحصل على فرصة عمل ليبني حياة زوجية.وغياب هذا المشهد هو الآن مسؤولية الخارج من معركة الانتخابات تحت راية النصر. وظهور نواب جدد في صيدا مثل المهندس الدكتور أسامة سعد يتكامل مع نائبة ذات نفوذ مثل السيدة بهية الحريري، والحالة نفسها تفرض حضورها في البقاع الأوسط والبقاع الغربي والضنية والمنية والميناء في طرابلس، وأول المناطق التي يتعين أن تدور فيها محركات الورشة، هي منطقة القبة في طرابلس، ومنطقة الطريق الجديدة في بيروت حيث ينتشر أصحاب العربات الخشبية العارضة للخضار والفواكه وكل ما يلزم للمطبخ العائلي.

وقد تأثرت صباح الاثنين الماضي بمشاهد أصحاب الاحتياجات الخاصة الذين عرضوا صوراً للشهادات التي يحملونها، واستعانوا بالحركة الآلية لقطع مشوار السير. وأستذكر في هذا الخضم مطلع عام 1970 حين تعاون وزير العمل منير حمدان مع الرئيس صائب سلام، طيب الله ثراه، لتوظيف مكفوفين في وزارة العمل، بدءاً من <السنترال>. وأصحاب الحاجات الخاصة لم يولدوا معاقين، بل هم الذين دفعوا ثمن الحرب الأهلية في السبعينات، أو ينتمون الى عائلات مكافحة، ولذلك فأوضاعهم تبقى مسؤولية الرجال الأصحاء وأولهم المرشحون الذين يحملون علم النصر في الانتخابات، والمتبارون الى إقامة احتفالات النجاح الانتخابي، وبينهم من سيكون وزيراً، أو من الناجحين في امتحانات مجلس الخدمة المدنية.

والمرأة؟! صحيح ان الانتخابات قد أظهرت عدداً وافراً من المرشحات، ولكنها لم تكفل نجاح المرشحات الواسعات الثقافة، العريضات التحصيل. ويوم يكون في مجلس الوزراء أربع وزيرات على الأقل تكون انتخابات المرشح التفضيلي قد أصابت الهدف، وافترضت بداية مساواة في تعامل الدولة مع النساء أو سيدات العصمة، ولا ننسى التسابق الى تأشيرات السفارات للفرار من… الأزمات!

ولأن نسبة الاقتراع كانت متدنية بشكل مخيف، فلا بد من السؤال: أين هي تلك الجموع الغفيرة وهي ترفع الزعماء فوق الأكتاف؟ أين هي في صناديق الاقتراع؟ ذلك ما ينبغي أن يكون هاجس المستقبل؟!

وواضح حتى الآن أن اسم الرئيس نبيه بري يتربع فوق كرسي رئاسة المجلس، وهذا أكبر حظوظ رئيس البرلمان، ويقابله اسم إيلي الفرزلي كنائب للرئيس.