17 November,2018

الـنـرجـيـلـــــة لا تقـــــل ضــــــرراً عــــن تدخـيـــــــن السجـائــــــــر وهــــــي تـسـبـــــــب أمـراضـــــــــاً عـديــــــــدة!

 

بقلم وردية بطرس

البروفيسور ربيع عازار 

يعتقد البعض بأن تدخين النرجيلة أقل ضرراً من تدخين السجائر لأن مياه النرجيلة تقوم بتنقية الدخان من المواد الكيميائية الضارة، علماً أن السجائر تحتوي على خليط من المواد الكيميائية منها <أول أكسيد الكربون> و<القطران> و<الفورمالديهايد> و<السيانيد> و<الأمونيا> و<النيكوتين>، والكثير منها يتسبب بالسرطان، كما تتسبب السجائر بوفاة حالة من كل خمس حالات وفاة في الولايات المتحدة، ويصل عدد الوفيات بسببها الى 443 ألف حالة وفاة سنوياً، ويموت المدخنون البالغون أصغر بـ14 سنة تقريباً من نظرائهم غير المدخنين، ويرتبط تدخين السجائر بمعدلات عالية من سرطان الرئة والحنجرة والفم وغيرها من أنواع السرطان وأمراض القلب، وحتى التدخين السلبي يشكل خطراً لأنه يمكن ان يحتوي على 250 مادة كيميائية تقريباً، وكثير منها تسبب السرطان ويمكن ان تسبب أمراض القلب وأمراض الأوعية الدموية أيضاً، أما النرجيلة فيحتوي دخانها على المواد الكيميائية نفسها الموجودة في أشكال اخرى من التبغ، بما في ذلك القطران والمعادن الثقيلة وأول أكسيد الكربون ومواد مسرطنة أخرى، وبالاضافة الى ذلك يحتوي دخان النرجيلة على كمية <النيكوتين> نفسها تقريباً الموجودة في السجائر، ويرتبط تدخينها بمعدلات عالية من الاصابة بالسرطان وانخفاض وزن الطفل عند الولادة وأمراض القلب، ونظراً لطبيعتها التشاركية والاجتماعية، تحمل النرجيلة مخاطر اضافية من حيث امكانية نشرها للأمراض المعدية مثل التهاب الكبد الوبائي.

تدخين النرجيلة يسبب العديد من الأمراض

 

إذاً بالرغم مما يُشاع بأن المعسل الذي يتم تدخينه في النرجيلة أقل ضرراً في مكوناته من التبغ، فأنه يضّر بصحة الانسان، فالنرجيلة يتم تناولها من فم الى فم مما يؤدي الى انتقال الأمراض وانتشارها، ومن هنا فان النرجيلة تعد أحد الأسباب للأمراض الوبائية مثل الدرن الرئوي، ودرن الأمعاء، وفيروسات التهاب الكبد الوبائي، هذا فضلاً عما تشترك فيه النرجيلة مع أنواع الدخان الأخرى من أمراض مثل أمراض الجهاز الهضمي العديدة، وقرحة الفم، والتهاب الحلق المزمن، والتهاب الغدد اللعابية ثم ضمورها وحدوث جفاف في الفم، والتهاب المريء الذي قد يستفحل ويتحول الى سرطان المريء.

والنرجيلة ليست أقل خطراً من السجائر، اذ هناك من يعتقد ان تدخين النرجيلة أكثر أماناً من تدخين السجائر، ويرد الأطباء على ذلك الاعتقاد بأن هذا الكلام غير صحيح على الاطلاق لأن نسبة القطران والنيكوتين في النرجيلة أكبر بكثير من السجائر، فضلاً عن ان كثرة تداولها بين أكثر من شخص تنقل الأمراض الوبائية من الشخص المريض الى الشخص السليم. وينفرد تدخين النرجيلة بالتسبب بالاصابة بحالات الغثيان، وارتفاع درجة الحرارة، والعرق المستمر خصوصاً في الليل وأثناء النوم… ويحذر الأطباء من انتشار تدخين النرجيلة بين صغار السن، مؤكدين ان هؤلاء اذا اعتادوا على تدخين النرجيلة في سن مبكرة، فإنهم سيتحولون عند سن البلوغ الى أنماط أكثر سوءاً مثل تعاطي المخدرات.

وفي لبنان لا يكاد يخلو بيت من البيوت او الأحياء اللبنانية من النرجيلة، حتى أصبحت عنصراً اجتماعياً ضرورياً لا بل أساسياً في معظم الجلسات العائلية والشبابية، وأصبحت ضرورة ترافقهم في رحلاتهم وتؤنسهم في البيت والمقهى والمطعم وعلى البحر في جلسات طويلة يدخنونها لساعات، فيقلدهم الأطفال سراً وعلناً في التسلية القاتلة مقنعين أنفسهم ان تدخين التبغ عبر أنابيب المياه اي النرجيلة لا يدخل الى أجسامهم المواد الكيميائية المضرة، غير ان هذا الأمر غير صحيح إذ قد أثبتت الدراسات الطبية ان للنرجيلة أضراراً فعلية على الرئتين والقلب بسبب مادة النيكوتين التي تحتويها النرجيلة والتي تعادل الكمية الموجودة بعشر سجائر، وهي تؤدي الى ارتفاع ضغط الدم والنبض وانخفاض نسبة الأوكسجين بالدم… ويحتل لبنان مرتبة متقدمة في قائمة البلدان الأكثر تدخيناً في العالم وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اذ قدّرت وزارة الصحة اللبنانية ان 65 بالمئة من الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 سنة و54 بالمئة من الفتيات من العمر نفسه تقريباً يدخنون دورياً السجائر او النرجيلة.

وعلى الرغم من ان المجتمعات العربية تمنع على الأطفال تدخين للسجائر، الا ان اللبنانيين يسمحون بتدخين أطفالهم للنرجيلة، على سبيل المثال أفاد نحو 83 بالمئة من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت الذين يدخنون النرجيلة أنهم يفعلون ذلك أمام ذويهم. ويرتبط تعلق الشباب والأطفال في لبنان بالنرجيلة بحوافز اجتماعية، اذ أصبحت هذه الظاهرة موضة في صفوف اللبنانيين، كما ان البعض منهم يتصورها من التقاليد العربية وهو بذلك يراها عملية اعادة احياء للتراث، في حين ان أصل النرجيلة فارسي او هندي انتشر قبل 700 سنة، ويقال ان انتشارها بدأ من تركيا حيث وصلت الى هنالك في منتصف القرن الرابع عشر وأصبحت لها مكانة اجتماعية مهمة بل أصبحت تُقدم كهدايا.

8587البروفيســـــور ربيـــــــع عــــــــــازار ونتـــــائج الدراســــــــة عـــن تــــــــــأثير النرجيلـــــة علــــى القلـــــب

 

وفقاً للبروفيسور ربيع عازار الاختصاصي في أمراض القلب فإن الدراسات التي أجريت لتحديد التأثيرات الحادة الناجمة عن تدخين النرجيلة ركزت على معلومتين مهمتين للأوعية الدموية القلبية: ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، وقد أتت نتائج هذه الدراسة بعد تجارب أجريت مع عدد من مدخني النرجيلة في المطاعم المحلية حيث قام الأطباء بقياس ضغط الدم لديهم قبل تدخين النرجيلة ثم بعد تدخينها بـ15 دقيقة، ولاحظوا ارتفاعاً في ضغط الدم وازدياد معدل ضربات القلب بمعدل 3مم.

واعتبر رئيس <قسم أمراض القلب> في <اوتيل ديو دو فرانس> البروفيسور ربيع عازار الذي كان وراء هذا البحث ان مجرد زيادة طفيفة في ضغط الدم قد تؤدي الى تلف الأوعية الدموية القلبية والدماغية، في حين ان تدخين النرجيلة ينشط الجهاز الأدرينالي الذي يمكن ان يزيد من خطر حدوث نوبة قلبية او سكتة دماغية. ونسأل البروفيسور ربيع عازار عن مضار تدخين النرجيلة فيقول:

– تبين الدراسات ان مدخني النرجيلة يستنشقون <اول اكسيد الكربون> وهو غاز سام يؤثر على عملية تزويد أجهزة الجسم المختلفة بالأوكسجين كما يؤثر سلباً على لياقة الجسم ويزيد من خطر الاصابة بأمراض القلب، ولم يلاحظ الباحثون اي فرق في كمية <أول اكسيد الكربون> بين النرجيلة المزودة بفلتر وتلك التي لا يتوافر فيها فلتر، الا انه تبين بأن النرجيلة ذات الحجم الصغير هي أكثر خطورة من النرجيلة الكبيرة، وذلك لأن الدخان يتركز بشكل أكبر في النرجيلة صغيرة الحجم، والنتيجة التي توصل اليها الباحثون هي ان خطر استنشاق <أول اكسيد الكربون> الناتج عن النرجيلة هو الخطر نفسه الناتج عن تدخين السجائر.

 

نسبة مدخني النرجيلة في لبنان

ــ هل من احصاءات عن نسبة مدخني النرجيلة في لبنان؟

– في العام 2005 أُجريت دراسة على 1294 شخصاً يدخنون النرجيلة في المناطق الفقيرة في لبنان، 60 بالمئة منهم قالوا انهم يدخنون النرجيلة بشكل دائم اي انهم معتادون على النرجيلة، بينما 10 بالمئة قالوا انهم يدخنون السيجارة فقط، كما أجريت دراسة حول نسبة المدخنين في الجامعات في لبنان سواء الجامعة اللبنانية ام الجامعات الخاصة، وعندما نقارن النسب بين لبنان والبلدان العربية من ناحية التدخين نرى ان النسبة في لبنان هي الأعلى اذ تصل هذه النسبة الى 53.9 بالمئة، والأسوأ أن نسبة المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 سنة والذين يدخنون النرجيلة هي عالية، لا بل لبنان يأتي في المرتبة الأولى من حيث التدخين مقارنة مع الدول العربية، وهذا أمر غير مشجع لا بل انه مفاجىء خصوصاً عندما نرى هذه الاحصاءات والأرقام تتزايد أكثر فأكثر. وعندما يقول الأشخاص الذين يدخنون النرجيلة انها لا تحتوي على النيكوتين فإنهم لا يدركون ان هذا الأمر غير صحيح لأنه بعدما يدخن الشخص النرجيلة تزداد نسبة النيكوتين في الدم 107 مرات عن الشخص الذين يدخن السيجارة.

ــ وماذا عن الدراسة التي أجريت حول مضار التدخين؟

– ان أهمية الدراسة التي أجريت حول مضار التدخين ان نوصل رسالة للمجتمع اللبناني ليعرفوا خطورة التدخين، فعندما نتحدث عن مشاكل التدخين لا يمكننا الا ان نذكر أمراض الضغط اذ ان ارتفاع ضغط الدم هو السبب الرئيسي للوفاة في العالم، يليه التدخين الذي يتسبب بالوفاة في العالم، وان التدخين وارتفاع ضغط الدم يتسببان بالوفاة نظراً للتعرض للذبحة القلبية والسرطان وذلك ليس في لبنان وحسب بل في العالم كله. وبالنسبة للتدخين فهو السبب الثاني للوفاة في العالم اذ يموت سنوياً حوالى خمسة ملايين شخص، وبحسب الاحصاءات فإن واحداً من أصل عشرة أشخاص يموت بسبب التدخين في الدول المتقدمة اذ نلاحظ بأن عدد الوفيات بسبب التدخين في الدول المتقدمة يتراجع جراء التوعية والارشادات الصحية، بينما نرى ان نسبة الوفيات بسبب التدخين في الدول النامية تتزايد، ولهذا من الضروري ان تكون هناك حملات توعية أكثر لايصال الرسالة الى الناس، فنحن كأطباء نعرف مضار التدخين وبأنه يتسبب بالوفاة، ولكن يجب ان يدرك الناس هذه المخاطر وان يقلعوا عن التدخين تفادياً للاصابة بالأمراض.

ــ هناك اعتقاد سائد بأن النرجيلة ليست مضرة كما السجائر، فما رأيك؟

– هناك اعتقاد خاطىء بالنسبة لمضار السيجارة وليس النرجيلة فمثلا اذا سألت الناس ما رأيهم بالسيجارة فيجيبون في الحال انها مسببة للوفاة، ولكن اذا سألتهم عن النرجيلة فيجيبون ان النرجيلة ليست مضرة مثل السيجارة، وأكثر من ذلك يظنون انهم اذا استعملوا النرجيلة فلن يدمنوا عليها كما يدمنون على السيجارة، ولهذا أصبحت النرجيلة عادة وتقليداً أكثر في يومنا هذا، لا بل هناك أشخاص يظنون انهم اذا لم يدخنوا النرجيلة فهذا أمر غير طبيعي وغير مألوف في مجتمعنا اللبناني، وقد اصبحوا معتادين على تمضية الوقت وهم يدخنون النرجيلة لأنها تمنحهم الشعور بالفرح والاسترخاء، معتقدين بأنها لن تضر بصحتهم كما السيجارة، ولهذا نرى نسبة تدخين النرجيلة تزداد أكثر فأكثر في وقتنا هذا، أضف الى ذلك ان الحملات ضد تدخين السيجارة منتشرة ولكن لا نرى حملات ضد النرجيلة علماً انها لا تقل ضرراً عن السيجارة، لا بل ان الشخص يقضي ساعات وهو يدخن النرجيلة ويعرض نفسه للمخاطر أكثر، وتدخين النرجيلة لم يعد شائعاً في المجتمع اللبناني والعربي وحسب بل أيضاً في المجتمعات الأوروبية والأميركية اذ أصبحت النرجيلة تستهوي الشباب في الغرب في السنوات الأخيرة بشكل لافت.

تدخين النرجيلة وأمراض القلب

ــ وما الهدف من هذه الدراسة؟

– يجب ان يطلع الناس على آثار النرجيلة وما يمكن ان تسببه من أضرار، وبما ان أمراض الضغط والتدخين من المسببات للوفاة في العالم كان هدفنا التركيز على النرجيلة وتأثيرها على نبضات القلب، فقمنا بارسال فريق طبي الى المطاعم علماً انه في البداية لم تقبل المطاعم باجراء هذا العمل ولكن تمكنا من الدخول الى هذه المطاعم، وفي البداية طلب الفريق الطبي من الأشخاص الذين يدخنون النرجيلة الأذن بالمشاركة في هذه الدراسة من خلال قياس ضغط الدم ونبضات القلب قبل البدء بتدخين النرجيلة، ومن ثم معاودة قياس ضغط الدم وأيضاً نبضات القلب بعد 15 دقيقة. ولكن في الوقت نفسه قلنا بأنه ربما قد يرتفع ضغط الأشخاص بسبب تناول الملح الى ما هنالك، لهذا قمنا بتقسيم الأشخاص الموجودين في المطعم الى مجموعتين: مجموعة من الأشخاص الذين لا يدخنون النرجيلة ولكنهم يجالسون الأشخاص الذين يدخنون النرجيلة ونسميهم <Passive smoker> والمجموعة الثانية هم الأشخاص الذين كانوا يجلسون في أماكن بعيدة عن التدخين. وأتت النتيجة انه قبل تدخين النرجيلة كان ضغط الدم عادياً ولكن بعد تدخين النرجيلة بـ15 دقيقة ارتفع ضغط الدم لدى الأشخاص المدخنين، بينما الأشخاص الذين لم يدخنوا النرجيلة انخفض لديهم ضغط الدم قليلاً، وبالتالي يتبين ان تدخين النرجيلة يلحق الضرر بصحة الانسان وخصوصاً بما يتعلق بارتفاع ضغط الدم، ولهذا يجب ان تكون هناك حملات توعية في لبنان لتسليط الضوء حول مضار تدخين النرجيلة على صحة الانسان، اذ للأسف يظن العديد من الناس ان النرجيلة أقل ضرراً من تدخين السجائر، وطبعاً هذا غير صحيح والدراسة تؤكد ذلك.