13 November,2018

الـمـوسيـقـــار ملحـــم بـــركات تـحــت ألطــــاف الله فـي مـسـتـشـفــــى ”أوتـيـــــل ديــــــو“!

بقلم عبير انطون

بركات-و-ماجدة----4

بركات الفن وأمجاده لا تليق الا بمن آمن بالفن الأصيل هوية لوطن أصبح متعبا لا بل مضنيا بالنسبة اليه. مذ سأل الوالد ابنه المولود في الخامس عشر من آب/ أغسطس 1945هل <ستغني وعبد الوهاب موجود؟ وعد ملحم بركات بالا يكون الا بمستوى الكبار، ولم ينكث بالوعد يوماً، وقد قال عنه الموسيقار توفيق الباشا: <ملحم بركات هو المؤهل لتجديد أمجاد محمد عبد الوهاب>… ملأ الدنيا أغنيات ومسرحيات واعمالا منذ لحنه الاول لمدرسته في كفرشيما <الى الامام سيروا الى الامام> وبعدها مسرحية <جنفياف> لاقرباء حليم الرومي.. سافر ابن كفرشيما وجار فيلمون وهبي وجاب عواصم العالم، جالس الملوك والزعماء والرؤساء، خبأ اسرارهم التي ائتمنوه عليها، وبقي صديق الناس الطيبين الذي هو منهم متواضعا كريما فاتحا بيته ودرجه او <الجارور> الذي عرف به بحيث كان يقول لمن يتوجه اليه بطلب او مساعدة: <افتحه وخذ بقدر حاجتك>..

 الموسيقار يرقد اليوم في مستشفى <اوتيل ديو> في الاشرفية اسير المرض والكثير من الشائعات وحشر الانوف واختراق اخص الخصوصيات، محاطاً بالعائلة والاوفياء ودعوات المحبين الكثيرين بالشفاء حتى يبقى لعالم الفن طعم ولذة. فما حكاية مرض الموسيقار وكيف انتشرت؟

اصل الحكاية.. 

 اخبار وشائعات نسجت حول دخول ابي مجد الى مستشفى <اوتيل ديو> في العناية المركزة اثر تدهور حالته الصحية في الثاني عشر من هذا الشهر، اي تشرين الاول/ أكتوبر، <بعد توقف قلبه عن النبض عدة لحظات ما استدعى نقله الى العناية المشددة>. وبين التأكيد والنفي سرت اخبار عن اصابة ابي مجد بسرطان البروستاتا ومعرفته بالمرض منذ شهر شباط/ فبراير الماضي، الامر الذي اراد ان يبقيه سرا عن كل من حوله وبقي يحيي الحفلات واقفاً بصلابة وكبر وعنفوان..

القصة بدأت في منتصف ايلول/سبتمبر الفائت بعد وجع شديد في الظهر سببه التهاب لم تعرف اسبابه للتو، وانتشر خبر دخول الموسيقار الى المستشفى بحالة طارئة، وقد كتبت الاعلامية نضال الأحمدية عن مرض الموسيقار بطريقة جعلت القارئ يتساءل ان كان الأمر فعلا لا يتعدى الما عاديا. اما الفنانة مي الحريري طليقة الفنان ووالدة ابنه <ملحم جونيور> فقيل انها كانت من اتصل بالاحمدية من ايطاليا منتحبة قائلة: <يا حبيبي يا بيي يا خيي يا عمري يا نور عيوني يا أبو مجد> ولتضيف <ابو مجد يودعنا ولا يريد ان يعرف احد بذلك>، واضعة الاحمدية في الاجواء الصحية الصعبة التي يعيشها الموسيقار داخل غرفة العناية المركزة في مستشفى <اوتيل ديو> حيث يحاول الاطباء كما ذكر في الخبر، ان يخففوا من حدة الأوجاع <بالمورفين>.

ردّ بركات بنفسه على مشيعي الخبر المشؤوم، وخرج في ذلك الحين عن صمته، مع الاعلامية ريما نجيم عبر إذاعة <صوت الغد>، حيث أكّد أنّه بصحة جيدة وقال: <الي أسبوع بالمستشفى عم بعاني من وجع ضهر قد يتطلب عملية جراحية>، مضيفاً <الله يسامح يلي كتب هيك بس تيبيع>، وانتقد نضال الأحمدية التي أطلقت الشائعة واصفاً ما قامت به بأن هدفه الوحيد هو <سكوب صحفي> قائلاً: <عيب عليهن>. ورداً على رد الموسيقار كتبت الاحمدية: <اذا كان الأستاذ ملحم بركات يكذبني ويؤكد انه بخير فهذا اقصى ما أتمناه وهو ان يكون بخير. وأرجو من الجميع الا يحمّل الفنانة مي حريري اي مسؤولية لان احداهن ترغب بتصفية حسابات قديمة معها في ظل ظروف تعيب هذا الفعل>، وعنت بها زوجته رندا.

من ناحيتها أيضاً عادت الفنانة مي الحريري لتنفي خبر ان تكون مصدر شائعة المرض وكتبت: <ما معي خبر شي، اللي بعرفو انو ملحم مريض فعلاً وعنده بحصة وهيدا الشي الوحيد اللي بعرفه>! مضيفة <شو هالاخبار هي؟ بدي ضوي على شغلي الآن وهذا هو المهم، انا بدي طلع شائعات؟ مؤكدة ان كل الاخبار التي يتم تداولها غير صحيحة خصوصاً وان ابنها موجود مع والده وتتكلم معهما كل يوم.

 العائلة.. وطبيبه!

العائلة المفجوعة بصحة الوالد كما بكم الاخبار التي حيكت حوله ردت على لسان وعد ابن الموسيقار منذ انتشار خبر المرض ودخول ابي مجد الى المستشفى في ايلول/ سبتمبر الماضي بحيث اكد لمحبيه ان والده دخل الى المستشفى بسبب <طرف ديسك> في ظهره، متسائلاً عن اسباب تضخيم الأمور بهذا الشكل وعن <الدافع لنشر خبر مماثل>، معتبرا المرض الخطير <فبركة> انزعجت منها العائلة بكاملها. وفي تصريح له منذ ايام حول صحة والده أكّد وعد أنّ وضع والده قد تحسن، لافتاً أنّ كل ما في الأمر التهابات في الظهر وأدوية سببت <خربطة>، إلا انّه في وعيه التام والطبيب قد طمأنهم.

ومن ناحيتها أيضاً ردت السيدة رندا، زوجة الفنان وام اولاده مجد ووعد وغنوة على مي الحريري التي قيل انها كانت مصدر الخبر والتسريب لموقع <الجرس> قائلة: <حبك المزيف اكتشفه الناس> وكانت قد أكدت ان زوجها يرقد في المستشفى لانه يعاني من مرض <الديسك> في ظهره.

 والى الموسيقار وعائلته، تضمنت الردود على الشائعات والاخبار التي تناولت صحة الموسيقار تلك التي اوردها طبيبه الخاص ارنست الحاج والمحامي مجيد مسعد صديق العائلة، حيث كان الطبيب الخاص للموسيقار ملحم بركات الدكتور إرنست الحاج قد نفى عبر صفحته على الـ<فايسبوك>، كل ما قيل عن صحة أبي مجد في وسائل الإعلام، وكتب: <ذهلت بسماعي بعض الاعلاميين وغيرهم يتكلمون عن صحة الاستاذ ملحم بركات، فأنا باعتباري الصديق والطبيب الخاص لملحم، أجزم بأنه لا يشكو من أي مرض خبيث، وكل ما قيل هو كذب وعار عن الصحة، فرجاء اذهبوا وتسلوا بالسياسيين اللبنانيين كونكم كلكم من العجينة نفسها: كذب وتدجيل، كلكم، أعني كلكم اعلاميين وسياسيين، وكفوا عن الكلام عن هذا العملاق، ملحم بركات الرمز اللبناني الوحيد الباقي، وتمنوا له طيلة العمر وكثيرا من الابداع>، خاتماً كلامه :<ابو مجد، انت نور ونار، ابو مجد هني مين هني، هني بيبقوا صغار وانت الاكبر يا ملحم>.

صورة-9-ملحم-بركات----1

والمحامي ايضاً..

ومن ضمن برنامج <ما بتعتم> عبر <صوت لبنان> مع الاعلامية ريما صيرفي أبدى المحامي مجيد مسعد، صديق عائلة الموسيقار ملحم بركات، عتبه على بعض وسائل الاعلام التي نشرت خبر وفاة بركات وروى القصّة كاملةً: <أبو مَجد يعاني من تضخّم في القلب ومن مرض <الديسك>. وبعد خضوعه لعملية تمييل القلب مطلع هذا العام، تفاقمت آلام ظهره لدرجة لا تطاق، مما استدعى ادخال بركات الى مستشفى <اوتيل ديو> للمعالجة من الالتهابات>.

وتابع قائلاً: <ما زاد الطين بلّة ان الفحوصات أظهرت ان الموسيقار مصاب بـ<فيروس> في الدم. وبعد ايام انتفخت أطرافه وامتلأ جسمه بالماء وضعفت عضلة القلب.. ساءت حال ملحم بركات مما استوجب نقله الى قسم العناية المشددة لسحب الماء من الجسم. تجاوب ملحم مع الادوية، ورحّب بزيارة الرئيس الأسبق العماد إميل لحود له>.

وكشف برنامج <ما بتعتم> ان وزير الصحة وائل ابو فاعور كلف طبيباً من الوزارة بمتابعة الحال الصحية لملحم بركات، كما فرض على مستشفى <اوتيل ديو> ان يكون علاج الموسيقار على نفقة وزارة الصحة بالكامل.

وبعد ان هدأت قضية المرض لايام، اطمأن فيها الاهل والاصدقاء محبو ملحم لتحسن وضعه، عادت الاخبار عنه بشكل اكثر قساوة، فمنهم من كتب انه في الامتار الاخيرة من حياته راقداً في حالة سيئة في المستشفى، ومنهم من لم يتورع عن الكتابة على احد المواقع الالكترونية بأنه توفي فعلاً وان العائلة متكتمة بانتظار الوقت الملائم لاعلان الخبر..

صديق العمر والعمل..

 وبين الروايات المتعددة خرج صديقه الاقرب الذي لا يبارحه لحظة الشاعر نزار فرنسيس ليؤكد ان وضع ملحم بركات الصحي دقيق لكنه ليس حرجاً، داعياً بعض الاقلام للكف عن قتله كل يوم. هو لا يتركه ويطمئن دورياً على حالته وفي احد ايام رقاده في المستشفى كنا نضحك وندردش، مؤكداً عدم صحة ما يشاع عن مصير الفنان المحتوم لكن للاسف يحاول البعض ان يكتب <السكوبات> كيفما كان. ولما سئل اذا ما كان مصاباً فعلاً بمرض خبيث رد فرنسيس <انا ما بعرف. يعاني من التهابات ربما جراء مرض خبيث او جراء مرض آخر. لا اعرف. لكن الأكيد انه بسبب حالة ظهره المتأزمة صارت عنده التهابات قوية ادت الى اشتراكات ما زالوا يعالجونها، لكن من الواضح انها صعبة جدا ولذا حاله دقيقة جداً ووضعه حرج، مضيفاً انه موجود في العناية الفائقة لكن حالته افضل من قبل فوضعه صعب جداً. وقد جاء جواب فرنسيس قبل ساعات من آخر تصريح للسيدة رندا زوجة الموسيقار مساء الجمعة 14 تشرين الاول/ اكتوبر تطمئن فيه <أن ملحم بصحة جيدة وحالته في تحسن مستمر، وهو كان قد أصيب بالعارض الصحي نتيجة الماء في الرئتين وضعف القلب، وكان من المفروض ان يخرج من غرفة العناية وينقل إلى الغرفة في المستشفى لكن نتيجة عدم وجود الأطباء يومي السبت والاحد في المستشفى فإنه سيبقى حتى الإثنين>.

رسالة الاسد!

 

الوضع الصعب للفنان الكبير جوبه بكم من التعليقات والتغريدات المحبة من معجبيه، ومن سياسيين واعلاميين وفنانين زاروه او تمنوا له الشفاء العاجل حيث زاره كلّ من ماجدة الرومي ووليد توفيق وإيلي العليا وغيرهم في العناية المشددة، كما اتصل به كل من قائد الجيش العماد جان قهوجي، العماد ميشال عون والوزير مروان شربل، وعدد من الفنانين منهم راغب علامة وزين العمر. أما الحدث الأبرز فشكلته زيارة السفير السوري في بيروت علي عبد الكريم علي الذي نقل اليه تحيات الرئيس السوري بشار الأسد. وتناقلت بعض وسائل الاعلام أخباراً تفيد بأن الرئيس السوري بشار الأسد وضع بتصرّف عائلة بركات أي مساعدة طبية ومن ضمنها طائرة خاصة لنقله، الا ان السفير السوري علي عبد الكريم علي نفى ما تم تداوله بكثافة حول إرسال الأسد طائرته الخاصة لنقل بركات، وكشف أن الرئيس الاسد قد أرسل رسالة إلى الموسيقار ملحم بركات.

 الا ان الاعلامية ريما صيرفي التي كانت قد زارت بركات والتقت عائلته مؤخراً مطمئنة بأن وضعه الصحي تحسن بمعدل 80 بالمئة، عادت وأكدت صحة المعلومة بتكليف الرئيس السوري بشار الاسد سفيره في بيروت علي عبد الكريم علي بوضع طائرة خاصة بتصرف الموسيقار لمعالجته في الخارج إذا استدعت الحاجة!

 وفي هذا السياق، يعرف كم للفنان القدير من علاقة طيبة بسوريا حيث بقي فيها 14 عاماً يحيي الحفلات والمهرجانات الناجحة. وكان <ابو مجد> في مقابلة مفصلة معنا في مجلة <الافكار> في أيار/ مايو من العام 2014 قد أعرب عن وفائه للشعب السوري قائلاً: <الشعب السوري طيب، اعرف اهل المدينة واهل الريف ووصلت الى منبج على الحدود التركية واعرف الكرم الكبير الذي يتمتع به هذا الشعب. أذكر انني كنت مرة في منطقة الحمرا في سوريا وكان الجو حاراً جداً فحلقت شعري بالموسى ورحت اغطسه بالماء الذي يروون به القطن، فوصل احدهم وسألني: ألست الفنان ملحم بركات؟ ولما اجبته ايجاباً، ادار <موتوسيكله> واختفى.. لم نعرف اين ذهب وصارت الافكار <العاطلة> تتراكض في رؤوسنا انا ومن معي. سألنا آخر عنه فأجابنا بانه <أبو أحمد> صاحب الارض. ونحن نروي له ما جرى فإذا به يطل مع عائلته واولاده الثمانية يحملون الحصر والصحون، ويحمل هو خاروفاً مذبوحاً على ظهره.. وعرفت من صديقه لا منه، انه الخروف الوحيد الذي يملكه وكان يتركه لأبنائه في العيد.

لبنان.. قلبه

 

وفاء الموسيقار لسوريا لا يضاهيه سوى حبه للبنان، عشقه المضني والدائم. فلقد حارب بركات لصالح اللهجة اللبنانية والغناء فيها داعياً الى نشرها واعتمادها من قبل الفنانين اللبنانيين متسائلاً عن سبب غنائهم بغير لهجتهم الأم، فهذه تشكل جذورهم ومستقبلهم. من خلف ذلك لم ينتظر بركات تكريما ولا نياشين وهو بحسب ما صرح لـ<الافكار> سابقاً لا يريد من الدولة شيئا مؤكداً <بأن الدولة اللبنانية هي الوحيدة في العالم التي لا يمكن العتب عليها من ايام الشيخ بشارة الخوري حتى اليوم. لا اريد منهم شيئاً. ليعطونا الامان والسلام لاننا في بلد سياحي حتى نعمل ولا نريد أكثر من ذلك. اتحداكم اذا أعلنت غداً اعتزالي للفن فإن احداً من المسؤولين لن يتصل. من زمان، كنت اقول الدولة والدولة… مرة التقيت بسعيد عقل في منزل سلوى القطريب رحمها الله وكنا اتفقنا على اغنية لها من كلماته، فقال لي: <يا ابني.. ما بقا تنق عالدولة. في هذا البلد انت تصنع نفسك بنفسك>..

وهكذا فعل الموسيقار الكبير، عمل بالنصيحة وبنى نفسه بنفسه غارساً للأجيال المقبلة كنوزاً من الاعمال والالحان ستبقى تاجا على رأس الاغنية اللبنانية..