20 September,2018

الـمـواقــــــع مــــن الــمــــــــــآدب!  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

ماذا ستفعل المطابخ السياسية الدولية، بل ماذا تستطيع أن تفعل في حال تعطلت الأقمار الصناعية أو توقفت عن العمل لغير سبب؟ هل يعاود طباخوها القراءة وتصفّح الكتب تمريناً لعقولهم وإيقاظاً لفكرهم الغارق في سبات عميق…؟

ما هو أكيد في الألفية الثالثة، أن هناك نقصاً هائلاً في الأدب السياسي على مستوى العالم، ما جعل الانحطاط يكبر وينتشر أفقياً ليضرب الفكر والعلوم الإنسانية بدءاً من المدرسة والجامعة وصولاً الى المؤسسات وسائر أنماط الحياة. فأصبح الشواذ هو القاعدة، والكفاية لمن يحمل مالاً ويمتلك نفوذاً، والقرار لمن لم يقرأ كتاباً في حياته.

قلنا في مقالة سابقة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، إن الجنرال <شارل ديغول> رحل تاركاً سياسة فرنسا والعالم للرجال العاديين، وان العقود الأربعة التي أعقبت رحيل ذلك العظيم، أثبتت صحة هذا الكلام، ولم نعد نرى سوى رجال عاديين يحكمون العالم وتتحكم بهم الأجهزة البشرية والتكنولوجية وقد أوصلوا الكرة الأرضية الى حافة الانفجار الكبير.

في لبنان، حدّث ولا حرج، فالنقص في الأدب السياسي أصبح مفضوحاً، وقلة لا تزال على قيد الحياة تملأ بعض الفراغ بكتبها وثقافتها ونظرياتها السياسية.

هذه القلة، حاولت ولا تزال تحاول تنوير الجيل الصاعد، وخصوصاً طلاب الجامعات، وتمكينه من رؤية اللوحة بكاملها وبكل زواياها، وحثه على التحرّك وألا يكون كريماً في إعطاء زعمائه الذين خذلوا الوطن، ولاءه الكامل والأعمى من دون مساءلة ومحاسبة.

نحن نفهم في ظل المشهد الطائفي أو المذهبي في البلد، أن تتحمس كل طائفة لزعيمها، ولكن لا نفهم كيف يُغَض النظر عن تجاوزات هذا الزعيم أو ذاك، وإساءته لاستعمال السلطة وفساده أو فساد أتباعه الفاضح.

إن الفساد لدى معظم القيادات ليس فقط بالعمولات أو الرشاوى والإثراء غير المشروع، بل بإساءة استعمال السلطة المتفشية والواضحة لأي مراقب.

هل يعقل أن يكون مصير شعب وقفاً على مشيئة قلة من الأفراد قُدّر لهم أن يكونوا قيمين على شؤون البلاد والعباد؟ وهل يعقل أن يكون مسار تاريخ أمة من الأمم رهناً بتفكير شخص من الأشخاص أو بسلوكه أو كما هو الأمر في كثير من الأحيان بمزاجه؟

هل يُعقل أن يُملأ مركز شاغر في الدولة على مأدبة دعا إليها المرشح أو المرشحة للمركز المفترض، وهو أو هي براء من هذا المركز ولا علاقة له أو لها به؟ ولا أحد يستطيع أن يتهمه أو يتهمها بـ<ضرب> ذكاء؟ المركز مضمون لأن المخزون المالي أو العقاري مضمون ولا يُقاوَم؟!

إن أي حل للمشاكل اللبنانية لن يتحقق إذا لم ترسُ قواعده على إصلاح جذري واسع يتناول النظام السياسي والطبقة السياسية بما يؤمن قيام الدولة القادرة والعادلة، دولة المؤسسات الحديثة الفاعلة، دولة الديموقراطية الصحيحة في وطن العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص..

وتكافؤ الفرص لا ترسيه سوى مرجعيات كفوءة، مثقفة، نقيّة، وذكيّة.

إن أزماتنا الكثيرة والكبيرة تنتهي يوم ينتهي زمن المعالجات الجزئية والموضعية، يوم نطوي صفحة الكلام على الطوائف والطائفية، ويبدأ عصر المعالجات الشاملة الوطنية، فلقد تعلمنا من تجاربنا المُـرّة أن كل معالجة جزئية يكبر فيها الصغير وكل معالجة شاملة يصغر فيها الكبير… وكلنا يجب ان نصغر ليكبر لبنان.

والدولة الفاعلة لا تقوم إلا بسلامة نظامها ورضا الشعب عنها وإيمانه بها وبعدالتها، وبمحاسبة المرتكبين أياً تكن قوتهم ومهما كان موقعهم.

هؤلاء المرتكبون وهم كثيرون، يعلمون سلفاً أن يد العدالة لن تطالهم.

أليس موجعاً هذا الإعلان الكاريكاتوري الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ومفاده أن في أوطاننا نوعين من اللصوص: لصوص صغار تلاحقهم الشرطة، ولصوص كبار تحرسهم الشرطة؟!

كان للمدرسة والجامعة فضل كبير في تطوير المجتمع اللبناني والعقل اللبناني ولاسيما في الخارج، ونحن اليوم أشد ما نكون بحاجة الى تطوير المدرسة والجامعة كي لا تكون المؤسسة التربوية فقط مصنعاً للشهادات وإنما أيضاً مصنعاً للمواطن الصالح، وكي لا تكون مصدراً للتدريس فقط وإنما أيضاً مصدراً للثقافة الحقيقية، وكي لا تكون منبتاً للفردية والنفعية وإنما للروح الوطنية المسؤولة.

أين المسؤولون عندنا بل معظمهم من هذه المسؤولية وهذه النقاوة؟…

إنهم بعيدون جداً… ونحن بالتأكيد بعيدون عنهم…