20 November,2017

الـمــتـغـيـــرات الـدولـيــة تـنـعـكـس سـلـبــاً عـلـى الـمـعـارضــة الـسـوريــــة

 

بقلم علي الحسيني

من-أقنع-من-بالحل-السوري؟---5

من الواضح ان الصراع القائم في سوريا، بدأ ينحو في الفترة الاخيرة باتجاه بسط الجيش السوري سيطرته على العديد من المدن والبلدات سواء في العاصمة أو في الارياف. وقد بدا لافتاً مدى تراجع قوى المعارضة المسلحة وغيابها بشكل كامل عن المشهدية القائمة على الانتصارات وكأن همها الوحيد اليوم، الحفاظ على بقية ما أنجزته منذ ستة أعوام، أو الحفاظ على وجودها أو حياتها، بانتظار ما يُمكن أن تُفرزه التسويات الحاصلة بين الدول الكُبرى والتي يبدو أنها اقتربت من لحظاتها الاخيرة.

المعارضة والوضع الصعب

 

تواجه المعارضة السورية اليوم، أوضاعاً صعبة للغاية على الصعيدين المادي والمعنوي خصوصاً في ظل التقدم الذي يحرزه النظام السوري في العديد من المناطق والذي اصبح قاب قوسين أو أدنى من الحدود مع العراق. لكن ما يشفع للمعارضة السورية المسلحة، أنها لم تعد كما من قبل منضوية تحت لواء واحد أو تجمع بينها غرفة عمليات موحدة، فلكل فصيل من الفصائل هذه، اصبحت لديه جهة محددة تدعمه بالمال والسلاح ولذلك ما عادت الهزيمة تُعنى بالجميع بل بجهة واحدة عادة ما تكون هي المسؤولة عن الجبهة التي تحصل عليها المواجهة تماماً كما هو حاصل عند الحدود مع العراق حيث ان <الجيش السوري الحر> هو من يسيطر على تلك الجغرافيا بغطاء ودعم اميركي. ومن هذا الدعم جاء الهجوم الذي شنه <الجيش الحر> يوم الاربعاء ما قبل الماضي على مواقع تابعة للجيش السوري في البادية السورية والتي كان قد احتلها مؤخراً، وذلك ضمن عملية أطلق عليها <الحر> اسم <الأرض لنا>.

والملاحظ أن هذه التطورات جاءت بعد يومين من إلقاء طائرات التحالف الدولي مناشير ورقية على المناطق التي سيطر عليها الجيش السوري وحلفاؤه في البادية، تطالب بعدم تجاوز حاجز <ظاظا> القريب من منطقة من بلدة السبع بيار، والتي تبعد نحو 55 كيلومتراً عن معبر التنف الحدودي مع العراق. وتذرعت الولايات المتحدة عبر البنتاغون أن وجود جيش النظام وحلفائه في تلك المنطقة والمناطق الحدودية مع الاردن، يُشكل تهديداً لقوات التحالف الدولي ضد تنظيم <داعش> ويُقيّد حركتهم خلال توجيه الضربات ضد التنظيم. ولذلك اطلق المتحدث باسم البنتاغون العقيد <جيف دافيس> تصريحاً قال فيه: في حال رفضت القوات المدعومة من قبل النظام السوري مغادرة المنطقة، فإن الولايات المتحدة سوف تخطو خطوات في إطار مبدأ حماية قوات التحالف.

أزمات المعارضة تتعاظم

 

واجهت المعارضة السورية في القلمون الشرقي أوضاعاً صعبة وهي ما زالت على هذا الحال منذ فترة، ليس فقط في القلمون إنما في العديد من المناطق التي كانت تُعتبر الى حد كبير، مستقراً لها وفيها كانت ثبّتت وجودها وركائز دعمها. قوات النظام استطاعت خلال الاسبوعين المنصرمين وصل مناطق سيطرتها جنوبي تدمر مع مواقعها في وادي السبع بيار في ريف دمشق الشمالي الشرقي، وذلك بعد انسحاب تنظيم <داعش> من تلك المناطق الاستراتيجية التي سبق ان شهدت معارك بين فصائل المعارضة السورية في البادية مثل: <جيش أسود الشرقية> و<قوات الشهيد أحمد العبدو> و<لواء شهداء القريتين> من جهة، وقوات النظام وحلفاؤه  من جهة أخرى، بالإضافة إلى معارك بين المعارضة و<داعش> بهدف فك الحصار عن القلمون الشرقي ووصلها بمناطق البادية.

تأمين طوق العاصمة من الجهة الشرقية لم يكن الهدف الوحيد لتحركات قوات النظام، فالسيطرة على البادية جنوب غربي تدمر وعلى الطريق الدولي تدمر – دمشق يؤمن ظهير أي قوات تريد الانطلاق من تدمر نحو السخنة، البلدة الاستراتيجية الواقعة على طريق تدمر – دير الزور. كما تسعى قوات النظام إلى تحييد قوات المعارضة في البادية عن المعركة المرتقبة في دير الزور. وعلى الرغم من الضربة التي كان وجهها طيران التحالف الدولي للنظام وحلفائه عند محاولتهم الاقتراب من معبر التنف الحدودي، إلا أن تحركات أخرى تابعة للنظام شوهدت ترفع أعلاماً روسية شرقي محافظة السويداء، ومن شأن هذا التحرك أن يهدد بعزل قوات المعارضة ضمن قواعدها في معبر التنف وعلى الشريط الحدودي مع الأردن. لكن فصيل <جيش اسود الشرقية> في المعارضة، يؤكد أن هناك الآن دعماً كاملاً من <غرفة الموك العسكرية> لصد أي هجوم للنظام وحلفائه في البادية السورية. لكن معطيات الأرض تؤكد أن قوات النظام وحلفاءه باتت تسيطر على مساحات واسعة من البادية السورية. كما أن تأمين ظهير قواتها المنتشرة في تدمر، سيجعل من قرار اطلاق عملية عسكرية باتجاه بلدة السخنة، مسألة وقت فقط.

وبين تقدم لجهة وتراجع لجهة أخرى، يُلحظ أن العلاقة بين فصائل المعارضة في الفترة الحالية، بدأت تشهد انقسامات غير معلنة، خاصة مع بروز وزارة الدفاع الأميركية كمرجعية جديدة في الجنوب إلى جانب <غرفة الموك العسكرية> التي تشارك فيها وكالة الاستخبارات الأميركية <سي أي إيه>. الأمر الذي يفضي إلى تشتت القوى على الأرض، في فترة حرجة من الصراع على الشرق السوري. وفي هذا السياق تؤكد مصادر مطلعة في المعارضة السورية، أن هناك ضغطاً كبيراً من البنتاغون، لتشكيل غرفة عمليات مشتركة للمعارضة بقيادة قائد <مغاوير الثورة> مهند الطلاع، للتوجه نحو البوكمال جنوبي دير الزور. ونتيجة ذلك، بدأ عناصر من <لواء شهداء القريتين> العامل مع <غرفة الموك العسكرية> بالانتقال إلى قاعدة التنف العسكرية، التي تدعمها وزارة الدفاع الأميركية. وبدا لافتاً غياب ايران وحلفائها عن المعركة التي تُخاض ضد <داعش> في جنوب غرب الاردن، فيما اقتصرت المشاركة على جيش النظام وقوات روسية خاصة.

 

السباق نحو دير الزور

 

يشكل السباق نحو دير الزور، التحدي الأكبر لفصائل المعارضة المنتشرة في البادية، والتي ينتمي معظم منتسبيها إلى محافظة دير الزور. ويبدو أن شرق سوريا تحول إلى مركز الصراع الإقليمي والدولي بعد رجحان كفة النظام غربي البلاد، وتأمينه لمحيط مدينة دمشق. وتضم دير الزور الاحتياطي النفطي الأكبر في سوريا، كما تقع ضمن المخطط الإيراني لطريق الامداد البري نحو البحر المتوسط، بحسب تقرير سبق ونشرته صحيفة <الغارديان> البريطانية، منتصف أيار/ مايو، ويتحدث عن تغيير في الخطط الإيرانية وتحويل طريق قواتها نحو مدينتي دير الزور والميادين، لتجنب الوجود الأميركي في مناطق الأكراد شمال شرقي سوريا. في المقابل، تحاول الولايات المتحدة دعم قوات المعارضة السورية للسيطرة على دير الزور من قبضة تنظيم <داعش>. كما تتجه الولايات المتحدة لفرض منطقة عازلة في محيط معبر التنف بمساحة تبلغ 75 -90  كيلومتراً، بهدف منع مليشيا <الحشد الشعبي> العراقية، وحلفاء ايران الذين ينتشرون في سوريا من وصل مناطق سيطرتهما عبر الحدود.

ومن جهتها، فإن روسيا بدأت تركز منذ توقيع اتفاقية <مناطق تخفيف التصعيد> في استانة، على محافظة دير الزور للمشاركة في الحرب على تنظيم <داعش>، ما سيمكنها من تغيير موازين القوى هناك بهدف الضغط على الولايات المتحدة للعودة إلى طاولة المفاوضات، بعدما شكّل غياب دورها الفاعل عن المؤتمرات السياسية حول سوريا سواءً في جنيف أو أستانة العقبة الأكبر أمام تأمين الشرعية الدولية للوجود الروسي في سوريا. والملاحظ أن الايام الماضية،  شهدت تَغيراً واسعاً في خريطة السيطرة على البادية السورية، نتيجة عوامل متعددة، فالنظام يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه عبر المشاركة في الحرب ضد تنظيم <داعش>، وروسيا تريد خلط الأوراق شرقي سوريا لإعادة الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، أما إيران فإن طريقها الاستراتيجي نحو المتوسط يمر من منتصف البادية السورية. في المقابل، فإن الإجراءات المضادة من الولايات المتحدة لم تتوقف لكنها حتى اللحظة لا تغير من موازين القوى جنوب وشرقي سوريا، في منطقة تتحول إلى مركز لصراع إقليمي ودولي ستحدد نتائجه خريطة النفوذ المستقبلي في البلاد.

ما هي البادية السورية؟

المعارضة-والبحث-عن-الانتصارات----4

بادية الشام أو البادية السورية أو صحراء السماوة بادية وصحراء في بعض مناطقها . تقع جنوب شرق الجمهورية العربية السورية وتضم شرق الأردن وغرب العراق وشمال السعودية .وتغطي مساحة 518.000 كم مربع. يسمى القسم الجنوبي الأوسط منها <الحماد> التي تقع بين عرعر والجوف شمال السعودية. في الشمال تحدها منطقة الهلال الخصيب. ويجتاز البادية الشامية أو كما أطلق عليها الرحالة الصحراء السورية من جهتها الجنوبية خط الأنابيب الذي أنشأته شركة <أرامكو> السعودية لإيصال النفط من رأس تنورة في السعودية عبر الجمهورية العربية السورية إلى ميناء صيدا على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

 

تغيير في المواقف الدولية

 

ثمة تغيير ملحوظ في موقف الولايات المتحدة وحليفاتها الغربيات من المسألة السورية. كان بدا واضحاً، خلال العام الماضي، أن الدول الغربية ومعها عدد من الدول العربية، تتجه نحو قبول وجهة النظر الروسية تجاه سوريا، بما في ذلك الموقف من بقاء النظام والتعايش مع استعادته السيطرة بدعم روسي وإيراني على معظم سوريا. ما استبطنه ذلك الموقف لدى العديد من المعارضين للاتفاقيات والمفاوضات الحاصلة، بأنه إرغام على التعايش مع تحول سوريا إلى ما يشبه المستعمرة الروسية ـ الإيرانية المشتركة. وحتى أولئك الذين ظلوا على موقفهم المعارض لتصاعد مستوى النفوذ الإيراني في سوريا، أصبح أملهم منحصراً في التنافس الروسي ـ الإيراني، وتوجه روسيا في مرحلة ما إلى دحر الإيرانيين من دائرة التأثير في الشأن السوري. والجدير قوله، إنه خلال الشهر أو الشهرين الماضيين، وقع تغيير ما في هذا الموقف، وبدا كأن ميزان القوى يميل من جديد ضد النظام وحلفائه، وإن لم يكن بعد لصالح المعارضة السورية وقواها المختلفة.

وفي ما يتعلق ايضاً بالموقف الاميركي في ظل عهد الرئيس <دونالد ترامب>، لا بد من التذكير انه ومنذ توجيه الولايات المتحدة صواريخها وضربها لقاعدة الشعيرات، بدأ معارضو النظام يهللون لسياسة <ترامب> العدائية تجاه النظامين الايراني والسوري، وقد بنى هؤلاء آمالهم على <ترامب> للتخلص من وجود هذين النظامين، لكن صراحة القول إن ثمة موقفاً أميركياً جديداً يبدو انه غير مُعلن حتى الساعة، وقد انعكس هذا الموقف على مواقف القوى الأوروبية الأكثر اهتماماً بالأزمة السورية، بما في ذلك فرنسا وبريطانيا وألمانيا، كما على مواقف تركيا وحتى مصر، على نحو ما، بيد أن هذا التغيير في الموقفين الدولي والإقليمي لم ينسحب بعد إلى العلاقة مع قوى المعارضة السورية السياسية والمسلحة، ولا أسس لانقلاب ملموس في ميزان القوى على الأرض الذي يميل بشكل واضح للنظام وحلفائه.

 

الحل بإعادة الروح إلى المعارضة

 

يبدو المشهد المنظور لقوى المعارضة السورية، أكثر مدعاة للقلق والخوف على مصير ما سبق أن انجزته الثورة في بدايتها والتي كانت انتزعت من العالم كله شرعيتها في مواجهة آلة القتل التي كانت تفتك بها في زمن السلم، لكن وبعد تحوّلها باتجاه العمل المسلح وانزلاقها في بؤر العنف اصبحت تواجه الاتهامات نفسها التي كانت توجهها للنظام بما فيها جرائم القتل واستعمال الاسلحة المُحرمة دولياً. فـ<الجيش الحر> وهو القوة المسلحة الأولى التي واجهت بطش النظام، في الحقيقة فهو ليس جيشاً موحداً بالمعنى المفهوم، بل يمثل عدداً من الفصائل الموزعة على الجغرافية السورية والتي لا تربطها مرجعية عسكرية قيادية واحدة. وقد شهدت الساحة السورية ولادة، وتوحد، ومن ثم انقسام عشرات من الفصائل، التي يبدو بعضها أشبه بالعصابات المسلحة منها إلى القوى الثورية.

وفي المقابل، تعبر بعض هذه الفصائل عن ثقافات إسلامية متشددة، أقرب إلى فكر القاعدة وأخواتها منها إلى إسلام عموم السوريين، وتمارس في بعض الحالات، قمعاً أيديولوجياً بمناطق سيطرتها لا يبعث على الاطمئنان ولا يؤهلها لحكم سوريا وشعبها. والأسوأ، أن هذه الفصائل دائمة التنازع على النفوذ والموارد ومساحات السيطرة حتى إن أدى ذلك إلى مقتل العشرات من منتسبيه ومن المدنيين، على السواء، وإلى التأثير على المواجهة مع قوات النظام والميليشيات الحليفة له. وبالرغم من المحاولات المتكررة، فشلت كافة الجهود في إرساء إطار واحد يجمع ولو حتى الفصائل الرئيسية. ومن الأمور المُحيرة، أن <داعش> وجبهة <فتح الشام> (النصرة) سابقاً، يواجهون مصير الموت نفسه في الجرود المتداخلة بين لبنان وسوريا، ومع هذا، ثمة معارك دائمة بينهما يسقط فيها العديد من القتلى والجرحى، وهو ما يُعتبر من الضربات القاضية التي تلقتها المعارضة السورية. وهذا وضع لا يساعد بالتأكيد على تقدم قضية الثورة وشعبها أو من ينضوي ضمنها، ولذلك يرى البعض بأن هناك حاجة ملحة لإعادة بناء الإطار السياسي للثورة، بحيث يجمع أكبر عدد ممكن من القوى والشخصيات وإعادة تجديد فكرة الثورة وتأكيد مبادئها السلمية لا العنفية.

هنا مربض الفرس. المعارضة المسلحة تخسر المواجهة مع هيئة تحرير الشام، وهي تشكيل عسكري أسسته عدة فصائل عسكرية منتشرة في شمال سوريا منها: <جبهة فتح الشام> و<حركة نور الدين الزنكي> و<لواء الحق> و<جبهة أنصار الدين> و<جيش السنة>. ومن هذه الخسارة ينتهز النظام وحلفاؤه ليتقدموا داخل المحافظات والمدن ويبدو أن إدلب أصبحت ضمن مخطط الدخول هذا، وهذا الأمر سيشكل امتحاناً قاسياً للتفاهم بين روسيا وتركيا. لكن حتى في أحسن الأحوال، ستجد المعارضة نفسها منحصرة ومُحاصرة في فضاء سياسي وعسكري وجغرافي متضائل باستمرار، وسوف تخسر المزيد من النفوذ والقدرة على ممارسة الضغط المضاد، من دون مكاسب أو نتائج مضمونة في المقابل.

ولذلك يعتبر بعض المحللون السياسيون، أنه ربما تكون المرحلة الأخيرة من النزاع السوري مديدة وطويلة الأمد، لكن خيارات المعارضة تضمحل بوتيرة متسارعة. وقد سعى أحد مراكز الأبحاث المؤيدة للمعارضة إلى شد العزائم عبر التأكيد على أنه على رغم أن التغيير أصبح معطــــــى واقعيــــــاً في السياســـــة التركية، لكن لا يمكن لأحد أن يفـــــرض علـــــى المعارضـــــة تسويــــــة مُجحفة لا تريدها. بيد أن مركزاً آخر استنتج بواقعية أكبر أن المعارضة باتت بالفعل مهزومة استراتيجياً. ولعل العزاء الوحيد هو أن المعارضة السياسية العريضة، والحراك الاجتماعي القاعدي، والائتلافات العابرة للطوائف والإثنيات، ستُبث فيها الروح مجدداً فقط عند انتهاء النزاع المسلح.