21 September,2018

الـمـسيـحـيــــــون شـــــركـاء ولـيـســـــــوا أجــــــــراء!

SAM_5085

دخل الشغور الرئاسي شهره العاشر دون أن تلوح في الأفق أي بوادر تشير الى قرب إنجاز هذا الاستحقاق الذي ترك بصماته على كل المؤسسات بدءاً من المجلس النيابي شبه المعطّل الى مجلس الوزراء الذي اختلفت مكوناته حول الآلية المتبعة، رغم انها كانت تتعايش مع بعضها البعض بالمساكنة القسرية، فهل يمكن <لبننة> هذا الاستحقاق بعد، أم انه فات الأوان وأصبح ارتباطه بالملفات الإقليمية؟

<الأفكار> استضافت في مكاتبها نائب رئيس المجلس النيابي السابق إيلي الفرزلي وحاورته في هذا الملف، بالإضافة الى شؤون وشجون الوضع الداخلي لاسيما لجهة الحوار الدائر في البلد وأهميته بدءاً من السؤال:

ــ عام 1970 كان هناك الحلف والنهج، فجاء أقطاب من الرئيس سليمان فرنجية الى الرئيس صائب سلام والنائبين عبد اللطيف الزين وجوزف سكاف وشكّلوا كتلة الوسط التي أوصلت الرئيس فرنجية الى سدة الرئاسة. والآن نرى أن الرئيس ميشال سليمان يجمع بعض مكوّنات الحكومة بما يشبه الكتلة الوسطية. فأين ستصل هذه الخطوة وهل هي من داخل 14 آذار أم من خارجها في تقديرك؟

وسطية لها وظيفتها

ــ لا يمكن التشبيه بين الكتلتين. فالكتلة الوسطية زمن الرئيس فرنجية كانت وسيلة من وسائل الحؤول دون وصول الشهابية الى الحكم آنذاك، وكانت بمنزلة توزيع أدوار بينها وبين الحلف الثلاثي الذي كان يضم كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده. والمحاولة اليوم لتشكيل كتلة وسطية هدفها الحؤول دون وصول العماد ميشال عون الى الرئاسة، وهذا هو بيت القصيد، إلا ان هذا الأمر لن يؤدي الى أي شيء على الإطلاق.

ــ حتى لو انضم الرئيس أمين الجميل الى هذه الكتلة؟

– حتى لو تألفت 500 كتلة وسط، أولاً لأن الظروف تغيرت ونظام القيم تغير خاصة وان مسلمي اليوم هم غير مسلمي العام 1970 وغير مسلمي الأعوام بين الأربعين والخمسين والستين، فهم انضووا اليوم في كيانات مذهبية طائفية، ولكل مذهب كيانه وحدوده وأحلامه وأعلامه وماليته ومؤسساته وثقافته وطقوسه وانتسابه الحاد للمحور الإقليمي الذي ينتمي إليه بحيث انه ألغى الذاتية أو يكاد يلغيها. لذلك يحاول هؤلاء أن يحولوا دون وصول العماد عون، فيما المعطى اليوم يقول ان المسيحيين يطالبون بشكل واضح وعملي وفعّال بدون أي مساومة بعدم مجيء رئيس جمهورية مستولد من كنف الآخرين، بل يريدون رئيساً يكون شريكاً للآخرين. وهذا يتطلب أن يكون هذا الرئيس مستولداً من البيئة التي ينتمي إليها، وممثلاً لها تمثيلاً فاعلاً، فيذهب الى الرحاب الوطنية لصياغة الغد بالشراكة مع بقية المكوّنات. والرئيس ميشال سليمان كان بالأمس رئيساً للجمهورية وهو لم يستطع أن <يقلّع> بالجمهورية، وكل الواقع الذي نعيشه اليوم هو نتيجة لإرهاصات الوضع الذي عشناه في كنفه. ولذلك نحن نسعى للمجيء برئيس للجمهورية يتمتع بمواصفات نطمح إليها جميعاً من لبنان القوي الى الدولة القوية التي تقوم على قاعدة وحدة لبنان وعروبته والحفاظ على مؤسساته.

ــ لماذا هذا الحائط المسدود بينك وبين الرئيس سليمان؟

– هناك ثلاثة أمور تحول دون بناء علاقة بيني وبينه: أولاً، انه في ظل رعايته الكريمة بدأت ثقافة التمديد مجدداً، حيث مدّد للمجلس الدستـوري تحـت نـظره وبعـلم منه دون أن يحرّك ساكناً وهو المؤتمن على الدستور وأقسم اليمين بالحفاظ على الدستور. وثانياً، وفي ظل رعايته وبإشراف منه تم التمديد لمجلس النواب مرتين وحال دون استصدار قانون نيابي جديد وفقاً للدستور وحارب القانون الأرثوذكسي بعدما كان قد ادعى انه حوّل مشروع قانون الى مجلس النواب وبقي هذا المشروع في أدراج مجلس الوزراء دون أن يحرّك ساكناً أو ينبس ببنت شفة، لا هو ولا أحد من الوزراء الذين ينتمون الى حصته الميمونة التي أقرت من الدوحة. وثالثاً، هو الذي رفض فكرة وجود تنظيم <القاعدة> في جرود عرسال في الوقت الذي كان وزير الدفاع فايز غصن قد أعلن في ظل وجود 32 عميداً في الجيش وبإشراف المؤسسة العسكرية ان <القاعدة> موجودة خاصة بعد مقتل الضابط بيار بشعلاني والمعاون إبراهيم زهرمان والإهانة التي لحقت بوحدة المكافحة في الجيش اللبناني، ولم يحرك ساكناً، لأنه كان من مهامه تغطية هذا الدور ظناً انه يساهم في معركة إسقاط بشار الأسد.

ــ ألم تتواصل معه يوم كان رئيساً؟

– أبداً. لا اليوم ولا غداً لأنه كان يمثل خيبة أمل ليس لي فقط، بل لقاعدة واسعة من اللبنانيين، وذلك للأسباب التي ذكرت.

ــ نراك تتردد الى دارة الرئيس نبيه بري عدة مرات من أجل البحث في الاستحقاق الرئاسي. فأين أصبح هذا الاستحقاق؟

– الرئيس بري هو مرجع أساسي في البلد، وهو الراعي أساساً لانتخاب الرئيس أولاً، باعتباره رئيساً للمجلس، وثانياً، باعتباره يمثل احد المكونات الرئيسية التي يتألف منها هذا البلد، وهو حريص على إنجاز الاستحقاق وتحضر كتلته باستمرار جلسات الانتخاب رغم انتمائها الى 8 آذار، وأنا أتردّد إليه في سبيل مسألة إضافية وهي إزالة بعض الأمور التي دخلت على خط تشويش العلاقة بينه وبين العماد ميشال عون، لأنني مقتنع بأن الاثنين ينتميان الى الخط السياسي نفسه بالشكل الاستراتيجي العريض، بالرغم من بعض الاختلافات في قضايا كبيرة وهي كثيرة، وبالتالي لا يجب أن يكون هناك أي تناقض تكتيكي بينهما.

ــ هل يستطيع الرئيس بري إجراء الانتخابات الرئاسية؟

– لو كان قادراً لفعل ذلك. فالغياب عن الجلسات أمر دستوري بامتياز يرتقي الى مستوى الحضور ومستوى الامتناع أو التصويت، فهو حق دستوري يمارس من قبل العماد عون وحزب الله، طالما ان النخب الأخرى لا تريد الإتيان بمسيحي يتمتع بمواصفات الشريك الحقيقي لتصحيح شروط العلاقة التشاركية في البلد بالرغم من تمسكنا بالدستور واتفاق الطائف، فهذا أمر لا يمكن أن يسمح به بعد اليوم، لأن المسيحيين إما أن يكونوا شركاء تُحترم إرادتهم، أو أن يكونوا أجراء.

التفاهم المسيحي وحدوده والمرشح جان عبيد

ــ وماذا عن القول إن التفاهم المسيحي – المسيحي قبل بوضع الأمور على السكة الصحيحة، وهذا ما يردّده الرئيس بري كثيراً؟

– يحاول المسيحيون التفاهم بالرغم من أنني أرى انه لا علاقة لهذه بتلك، لأنه سواء تفاهم المسيحيون أم لم يتفاهموا، لا بد ان يكون الرئيس قوياً، وهناك محاولة جدية للتفاهم في الحوار الجاري بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية.

ــ هل تقصد العماد عون؟

– قد يكون العماد عون وقد يكون سمير جعجع، أو أمين الجميل، أو سليمان فرنجية، وبالتالي نتحدث عن شخص يتمتع بمواصفات يملك العصب الحقيقي للشريحة التي ينتمي إليها وليس شخصاً مستورداً من لا شيء.

ــ يعني من الأقطاب الأربعة؟

– هؤلاء الأربعة المعترف بهم، وقد اعترفت بهم بكركي بأنهم يمثلون الزعامات المارونية، بدليل انها تجري لهم اجتماعات كممثلين للأقطاب في الزعامة المارونية.

ــ يقال أيضاً ان اسم صديقك الوزير والنائب السابق جان عبيد متقدم إذا اتفقوا على مرشح ثالث. فماذا عنه؟

– جان عبيد لا يسمح لنفسه، ولم يشأ في لحظة من اللحظات أن يقحم نفسه في هذا الحوار الدائم، وحسناً فعل، ولم يقدم على شيء، إلا احترام المكوّن الذي ينتمي إليه. وهذا الاعتراف أدى الى احترام ممثلي هذا المكوّن لأنه يدرك في قرارة نفسه ان هؤلاء هم أصحاب حق حقيقي، خصوصاً العماد ميشال عون، ويتبنى جان عبيد هذه الفكرة ويحترم هذه الحقيقة، ولذلك نلاحظ أنه لم يتدخل قط في أي شيء بهذا الحوار الدائر على الساحة، ولكن عندما تأتي ظروف يقول فيها ميشال عون انه لا يريد ولا تكون الظروف متوافرة للمجيء به رئيساً، فإذا وجد نفسه أمام هذه الحقيقة فنحن نؤيد جان عبيد تأييداً حقيقياً لأننا نرى فيه شخصاً قادراً على ان يسلك المسلك الذي نريده جميعاً كرجل توفيقي يستطيع أن يقود الحوار، ولكن طالما ان العماد عون وبقية الزعامات المسيحية مصرة على هذه الحقيقة، فهو يحترم ذلك، ومن هنا جاء احترام جان عبيد حتى من ميشال عون شخصياً والذي يرى فيه شخصية محببة قادرة، إلا ان الظروف اليوم تحكم مسار يقول انه لا بدّ من تمثيل الحيثية السياسية.

ــ يقول البعض  إن الرئيس المقبل هو المرشح النووي بعد التوافق الأميركي – الإيراني. فكيف تقارب هذا التوافق؟

– أنا أحترم كلام السيد حسن نصر الله في هذا المجال عندما قال: <لا تنتظروا اتفاقاً>، وهو رجل ذو صدقية لأن الناس يراهنون على انه عند اتفاق الإيرانيين والأميركيين على الملف النووي سيعمد الإيراني الى الطلب من حزب الله أن ينسحب من تأييده للعماد عون، ولكن العماد عون ردّ بكلام مباشر على هذا الحديث بأن لا مجال للمساومة على ذلك.

 

إمكانية لبننة الاستحقاق

ــ هل يعني ذلك ان الرئيس سيكون صناعة لبنانية؟

– من الممكن أن يكون صناعة لبنانية، واليوم الظروف متوافرة لأن يأتي رئيس لبناني، لكن المطلوب من النخب الإسلامية أن تعترف بحق المسيحيين بأن يكون لهم شريك مسيحي في رئاسة الجمهورية، لا أن يبيعونا كلاماً بأنه رئيس مسيحي من أندونيسيا الى طنجة، وألا يكونوا مستخفين بعقولنا وذكائنا، فرئيس الجمهورية هو ذاك الذي يستطيع أن يكون ممثلاً حقيقياً للبيئة التي ينتمي إليها.

ــ قلت سابقاً إن الأفق الرئاسي غير مسدود ومن الممكن أن يتم الانتخاب في شهر نيسان/ أبريل المقبل. فما هي المعطيات؟

– قلت انه في شهر نيسان/ أبريل قد تكون الفرصة فيه قابلة جداً كي تبدأ فعلياً مسيرة هذا الاستحقاق لأنني أرى ان الحوار بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع هو حوار جدي.

ــ هل من الممكن أن يوافق جعجع على عون؟

– لِمَ لا؟ كل شيء ممكن إذا كان منسجماً مع نفسه ومسلماً بالقاعدة التي أشار إليها اي انه  لا بد من رئيس قوي أو <رئيس يمثل الحيثية التي ينتمي إليها>، أي العماد عون أو سمير جعجع. لكن الأخير اليوم لا يملك إمكانية أن يلعب دور الرئيس التوافقي في المجتمع نظراً لانقطاع علاقته مع مكونات مهمة، وبالتالي يبقى ميشال عون الذي يفتح آفاق التواصل مع الجميع بدءاً من سعد الحريري كممثل للمكون السني الى وليد جنبلاط الى كل المكوّن الشيعي.

ــ وماذا عن لقاء العماد عون مع الرئيس الحريري الأخير؟

– كان لقاء جيداً حسب الانطباع. وفي رأيي الشخصي لا أستطيع أن أتصوّر ان السنية السياسية لم تدرك أن مجيء ميشال عون هو مصلحة سياسية لها لأنها تدرك المعادلة تماماً، وهي انه في ظل عدم مجيء ميشال عون أو لنقل عدم مجيء <رئيس قوي>، فإن الطائف في خطر جدي وكل ما تمّ اعتباره إنجازات تحققت ستكون معرضة لشتى أنواع التغيرات، خاصة وان أوضاع المنطقة تعجن فيها الأمور وتفبرك فيها الأنظمة وتخلف أوعية داخل كل نظام حتى لو كان ضمن حدود <سايكس بيكو> أو أوعية لأنظمة جديدة مختلفة عما كان قائماً، ولبنان هو أحد هذه الأنظمة التي ستتعرض الى إعادة نظر في نظامها ودستورها إذا لم يكن المسيحي يمثل صلة الوصل بين السني والشيعي.

ــ قلت أيضاً إن حوار تيار <المستقبل> وحزب الله له وجهه الإقليمي. فهل معنى ذلك ان الحوار الجاري بين الوكلاء هو انعكاس لحوار مرتجى بين السعودية وإيران؟

– أولاً، لا يصح أن نستعمل كلمة وكلاء، فالصورة ليست كذلك، وهذا الحوار هو في غاية الأهمية والضرورة، لأن لا استقرار داخلياً في لبنان بدون هذا الحوار بين السنة والشيعة. أما اليوم، فالمعركة تكتسب أولويات جديدة في نظرهم وهي أولوية الحرب ضد الإرهاب، وهذا يتطلب الاستقرار الداخلي لكي تستطيع القوى الأمنية مدعومة من الداخل أن تلعب دور التصدي لهذا الخطر الآتي إلينا من الشرق، وكان القرار بضرورة هذا الحوار سعودياً وإيرانياً وأميركياً ومن كل الدول، لكي تذهب باتجاه تأمين خيمة أو مظلة لتأمين هذا الحوار الذي بدأ بأهداف متواضعة. ونحن ندعم هذه الفكرة لأن لا  استقرار إلا إذا حصل تفاهم بين هذين المكونين الأساسيين في البلد. وعلى كل حال، فحدود الصراع بينهما رسمت وانتهت ولا آفاق لها. فلا حزب الله لديه طموح باحتلال طرابلس وصيدا، ولا أهل السنّة في وارد احتلال الضاحية والجنوب وبعلبك والهرمل، وبالتالي لا بد من إيجاد قواسم مشتركة وهذا يتم بالحوار وحسناً فعلوا، ونحن ندعم هذا الحوار ونعتبره مصلحة مسيحية بامتياز، وهذا الحوار الذي جرى برعاية كريمة من الرئيس بري وبمساهمة وجهد وليد جنبلاط سينعكس إيجاباً على استقرار البلد وتأمين الظروف التي تمكّن المؤسسات الدستورية والأمنية من أن تواجه الخطر الزاحف إلينا.

ــ خائف من <داعش>؟

– ليس المفروض أن نخاف، لكن هذا الخطر جدي، ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار وأن نعمل للحؤول دون تحقيق أهدافه.

ــ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعا الى جبهة عربية ضد الإرهاب..

قال فوراً:

– كالمستجير من الرمضاء بالنار… فمصر تتعرض لمؤامرة خطيرة جداً وهي فكرت أن تمتد باتجاه المشرق العربي، وكنا نتمنى أن تلعب هذا الدور لأن مصر موضع ثقة الجماهير العربية وتستطيع أن تلعب دوراً قائداً وقوياً وفاعلاً يمثل شعور الأمة العربية. واليوم تنفذ بحق مصر مؤامرة لإرباكها وإشغالها بنفسها وبالمغرب العربي لكي تمنع من المجيء الى المشرق العربي. وهذا هو هدف إسرائيل من الوجود وهو فصل المشرق العربي عن المغرب العربي.

ــ بدون دعم أميركي؟

– بدعم أميركي.

– رغم الخلاف بين <باراك أوباما> و<بنيامين نتنياهو> حالياً؟

– هذه مشكلة تكتيكية بين الاثنين وليست بين أميركا وإسرائيل، وهناك ما يسمى بـ<صراع الأجنحة> في البيت الأبيض وأميركا بين <اللوبي> المؤيد للصهيونية وبين <اللوبي> الآخر الذي يتبنى وجهة نظر أخرى، أي انه صراع أفكار معكوس على اسرائيل من خلال العلاقة الأميركية مع الحكومة.