23 August,2019

الـمـبــــادرة الـروسيـــة لإعـــادة الـنـازحـيـــن الـسوريـيـــن تواجـــه مجـــدداً عراقـيـــل أميركيــة وأوروبـيـــة وخـلـيـجيـــة!

 

بقلم وليد عوض

في الوقت الذي يؤكد فيه المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم استمرار تنظيم عمليات عودة السوريين الراغبين الى بلادهم بمعدل عملية كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وفيما أبلغ لبنان الأمم المتحدة والدول الكبرى أنه لن ينتظر تحقيق الحل السياسي للأزمة السورية ليعود النازحون الى أراضيهم… في هذا الوقت بدا ان المبادرة الروسية لإعادة النازحين السوريين تواجه مجدداً صعوبات جعلتها تراوح مكانها وإن كان تحقق بعض التقدم على صعيد رعاية الروس للعائدين في الأماكن التي حلّوا فيها بعد العودة لاسيما من النواحي اللوجستية (منازل مؤقتة) والتربوية (تنظيم عمل المدارس) والصحية (تأمين أدوية واسعافات ورعاية استشفائية) الخ…

وتقول مصادر مطلعة على الملف ان <البنى التحتية> للمبادرة باتت جاهزة بعد التنسيق الذي قام بين موسكو وعواصم الدول التي تستضيف نازحين سوريين، لاسيما لبنان والأردن والعراق، إلا ان استمرار غياب الدعم الأميركي وانكفاء الأوروبيين عن الانخراط كلياً في مبادرة العودة، أحدث <فرملة> في التنفيذ خصوصاً بعدما دخلت على الخط دول خليجية رفضت المساهمة في تمويل عمليات العودة وربطها بالحل السياسي وتوفير الضمانات من الدولة السورية وتقديم تسهيلات للعائدين. وتضيف المصادر ان الزخم الذي برز حيال ملف العودة خلال المحادثات اللبنانية ــ الروسية التي تمت في موسكو الشهر الماضي بين الرئيس اللبناني العماد ميشال عون والرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، سرعان ما تراجع على رغم التقاء وجهات النظر اللبنانية والروسية حول ضرورة إعطاء الأولوية لعودة النازحين. لكن المشكلة برزت في كون التفاهم اللبناني ــ الروسي لا يكفي وحده لاطلاق الترجمة العملية للمبادرة الروسية، خصوصاً ان الولايات المتحدة الأميركية أعاقت الخطوة الروسية بأساليب مختلفة راوحت بين ربطها بالحل السياسي حيناً، وبعدم تشجيع توفير التمويل اللازم لها أحياناً، إضافة الى <التريث> الأميركي في الدفع في اتجاه اطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا بحجة استمرار <العمليات العسكرية> فيها.

 

لا تراجع روسياً عن المبادرة

 

واستناداً الى المصادر نفسها، فإن الإدارة الروسية باتت مقتنعة بأنها لن تتمكن من اطلاق عملية العودة على نطاق واسع كما كانت تأمل لأن مشاركة الآخرين فيها ضرورية، وهذه لم تتحقق بسبب المواقف الأميركية والأوروبية والخليجية على رغم الاتصالات التي قامت بها موسكو مع أكثر من دولة مباشرة أو من خلال أصدقاء مشتركين. إلا ان الجانب الروسي ــ وفقاً للمصادر نفسها ــ قرر ألا يتراجع في مبادرته فانطلق في التمهيد للعودة عندما تسمح الظروف الدولية، وذلك من خلال الانصراف الى تهيئة الظروف الأمنية والاجتماعية والصحية التي تسهل عودة النازحين ما يعني ان المبادرة الروسية مستمرة وإن اتخذت أشكالاً مختلفة أو طاولت مجالات أخرى، علماً ان المتابعة الروسية للعائدين لم تتوقف وهي تتوسع وتتقدم كلما توافرت الأسباب لذلك، بمعنى انه كلما صارت المشاركة أوسع، تصبح وتيرة المبادرة أسرع، وكلما تراجعت الايجابية من الجهات المؤثرة يصبح ايقاع العودة بطيئاً.

وفي هذا السياق، تقول مصادر ديبلوماسية معنية ان موسكو لم تفاجأ بردود الفعل التي صدرت من واشنطن وبعض الدول الأوروبية ــ وليس كلها ــ لأنها كانت تدرك ان نجاح مثل هذه الخطوة سيعطي الروس المزيد من القوة والنفوذ في سوريا خصوصاً، والدول العربية عموماً، وهذا الأمر لا يلقى صدى ايجابياً لدى الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية التي تخشى من تمدد النفوذ الروسي في المنطقة. إلا ان موسكو أصرت على تقديم مبادرتها لأنها لو لم تفعل لكان الوضع أكثر سوءاً من حيث ابقاء معاناة النازحين في غياهب النسيان، وهو ما كان حاصل بالفعل قبل قمة <هلسنكي> التي أفرزت توافقاً أميركياً ــ روسياً على المبادرة قبل أن يغير الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> موقفه ويتراجع عن دعم مبادرة <بوتين> حيال النازحين. لذلك، تضيف المصادر الديبلوماسية نفسها، فإن دور روسيا في طرح مقاربة للحل، أوجد قاعدة للنقاش والانطلاق بدلاً من ابقاء الملف <نائماً> وسط غياب أي اهتمام دولي بعودة النازحين، على رغم صرخات المسؤولين اللبنانيين وفي مقدمهم الرئيس عون الذي صارح جميع زواره ان لبنان لم يعد قادراً على احتمال المزيد من التداعيات السلبية لتدفق النازحين على اقتصاده وأمنه والواقعين التربوي والصحي، إضافة الى ارتفاع نسبة البطالة خصوصاً بين الشباب.

ترتيبات اجرائية وأمنية ولوجستية

وحددت المصادر الديبلوماسية المعنية، الإطار الذي تمهّد موسكو من خلاله لجعل العودة ممكنة فور توافر عناصر ايجابية لمواكبتها، مشيرة الى وجود ارتباط عضوي بين أمرين، الأول يتصل بضرورة ترتيب أوضاع العائدين على المستويين الاداري والاجرائي، والثاني عمراني واقتصادي يتعلق بإعادة إعمار المرافق الحيوية والبنى التحتية. وفي هذا الإطار تكشف المصادر ان اتفاقاً حصل بين القيادة الروسية والقيادة السورية بالتوقف عن تطبيق قانون الخدمة العسكرية الالزامية على الشبان العائدين خصوصاً ان المعارك تقلصت، وانتشار الدولة توسع. كما يشمل الاتفاق وقف الملاحقات الأمنية إلا لمن شارك فعلاً في قتال الجيش السوري أو حرّض على الاقتتال وان لم يشارك فيه. وكان سبق ذلك تجميد السوريين لمفاعيل القانون رقم 10 المتعلق باثبات الملكية ضمن مهل محددة، للذين غادروا سوريا خلال فترة الأحداث.

وإذا كان الشق الأمني والاستعلامي أمكن التوافق عليه بين الجانبين السوري والروسي، إلا ان الإطار العمراني يبقى مجمداً راهناً لارتباطه بمواقف الجهات الدولية والاقليمية التي انكفأت عن تقديم أي مساهمة في إعادة الإعمار في انتظار الحل السياسي حيناً، وفي تأمين الظروف الملائمة لجهة معالجة المخاوف المفترضة على مصير النازحين من تصرفات النظام من جهة ثانية. وفي هذا السياق يحرص المسؤولون الروس على نفي كل ما يروج عن اعتقالات في صفوف العائدين أو أعمال تعذيب وتنكيل تستهدفهم، مؤكدين ان مثل هذه الاشاعات لا أساس لها من الصحة وهي تندرج في إطار الحرب الإعلامية التي تستهدف الرعاية الروسية لعمليات العودة. وتضيف انه خلال الزيارة التي قام بها رئيس مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة <فيليبو غراندي> الى سوريا أمن له السوريين بالتنسيق مع الروس، زيارة مناطق عدة عاد إليها النازحون حيث اطلع ميدانياً على أوضاعهم وسألهم عما إذا تعرضوا لأي ممارسات سلبية بحقهم، فكانت الردود ايجابية، وهو ما دونه <غراندي> في التقرير الذي قدمه الى الأمين العام للأمم المتحدة <أنطونيو غوتيريس> وأبلغ بعض مضمونه الى مسؤولين عرب بينهم الرئيس اللبناني. كما أطلع <غراندي> خلال وجوده في سوريا على عمل مركز استقبال النازحين العائدين الذي يديره الجيش الروسي بالتعاون مع منظمات انسانية روسية، وتأكد بالوقائع عدم تعرض العائدين للملاحقة أو لأعمال انتقامية، خصوصاً ان الروس أقاموا في عدد من مناطق العودة مراكز ثابتة لهم لتلقي شكاوى العائدين الذين وفّر لهم الجانب الروسي منازل جاهزة بدلاً من منازلهم المهدمة، وشبكات المياه والصرف الصحي، إضافة الى إعادة الحياة الى عدد من مباني المدارس بعد اخلاء الجزء الأكبر منها من السوريين الهاربين من مناطق القتال الى أماكن أكثر أماناً.

في أي حال، فإن لبنان الرسمي يتابع عن قرب ما يتصل بتطور الموقف الروسي حيال عودة النازحين، والتواصل قائم بين بيروت وموسكو لرصد أي موقف جديد، والتطور الأبرز في هذا الإطار، كان التنسيق بين الأمن العام اللبناني والجانب الروسي الموجود على الأراضي الروسية لمواكبة عودة النازحين السوريين من لبنان وتوفير المساعدة لهم، لاسيما بعدما توافرت قناعة لدى المسؤولين اللبنانيين والروس على حد سواء، بأن ملف النازحين تستعمله واشنطن وبعض الدول الأوروبية وبالتنسيق مع دول خليجية، كورقة ضغط ضد سوريا ومحور المقاومة، علماً ان ثمة تمييزاً بين الموقف الأميركي المتشدد في هذا الملف، والموقف الأوروبي الذي تطوّر مؤخراً بحيث أصبح أقل إصراراً على ربط عودة النازحين بالحل السياسي خصوصاً بعدما توافرت عوامل بددت ــ ولو جزئياً ــ هواجس الأوروبيين حيال مستقبل العائدين وأوضاعهم وأمنهم وحقوقهم.

أرقــــــــــام

وقد حصلت <الأفكار> على تقرير أعد حول النازحين السوريين في لبنان حتى نهاية شهر آذار (مارس) الماضي يظهر بالأرقام أعداد هؤلاء على الأراضي اللبنانية، وفيه ان مجموع النازحين المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يبلغ 995,512 نازحاً، وغير المسجلين 753,184 ما يجعل المجموع العام للنازحين 1,748696 نازحاً، عاد منهم طوعاً 172,046 نازحاً (سجل منهم لدى مفوضية الأمم المتحدة 15,043 وعدد غير المسجلين بلغ 157,003). وبلغ عدد النازحين الذين تم توطينهم في بلد ثالث 49,613، ما يجعل المجموع العام للنازحين حتى نهاية آذار (مارس) مليوناً و528,390 نازحاً يبلغ عدد المسجلين منهم لدى الأمم المتحدة 932,209، وغير المسجلين 596,181 نازحاً!