24 October,2017

الـكـتـــب الـصـــــوفــيّة بــــــاتـت الأكـثـــــــــر مـبـيـعــــاً فــي مـواجـهــــــة الإســـــــلام الـمـتـطــــــــرّف!

بقلم كوزيت كرم الأندري

SAM_2181---a

صدّق، أو لا تصدّق: إنه زمن… المؤلفات الصوفيّة! فهي، وفق العاملين في مجال النشر، الكتب الأكثر قراءة وانتشاراً في السنوات الأخيرة. مِن أسباب مَيل القارئ العربي إلى فكر المتصوفين، إلى ظاهرة الكتاب <الأكثر مبيعاً> التي تحرق الإصدارات الأخرى وتتحكم بمزاج القارئ، مروراً بتحديد صاحب المكتبة خيارات زبائنه وإبعادهم، تالياً، عن التنوّع البيبليوغرافي، وصولاً إلى <الكتاب الصوتي Audio book>… نقاط عديدة تطرقت إليها <الأفكار> مع مديرة  <دار الآداب> رنا إدريس، إحدى أكثر الدور عراقة في لبنان والعالم العربي.

ــ سمعتكم تقولون، في حلقة تلفزيونية، إن كتب التصوّف الإسلامي هي الأكثر مبيعاً في السنوات الأخيرة. فاجأتني المعلومة، فهل هي دقيقة؟ وأي أسباب تقف وراء <مزاج> القارئ هذا؟

– المعلومة صحيحة، نعم. الاهتمام بالكتب الصوفية هو في أوجه منذ أربع أو خمس سنوات، وقد أتى مزاج القارئ هذا وميله إلى المؤلفات الصوفية كردة فعل على ظهور وانتشار تنظيم الدولة الإسلامية <داعش>. فالمنهج الصوفي يمثّل الإسلام المتنوّر، المنفتح، المرن والمتسامح. تعكس الصوفية الإسلام المعتدل، لذا فهي غير مرغوب فيها من المتطرفين… ولا بد، في هذا السياق، من أن نتطرق إلى كتاب الروائية التركية <إليف شافاق> <قواعد العشق الأربعون> (عنوان النسخة العربية منه)، الذي شكل ظاهرة في هذا المجال، والذي أعاد أعلام حركة التصوف إلى الواجهة، منهم جلال الدين الرومي وشمس التبريزي وابن حزم الأندلسي.

ــ هل يحدث، إذاً، أن يتم إحياء كتابات معينة، تماما كما يجدّد بعض الفنانين أغنيات قديمة؟

– هذا ما حصل، بالفعل، من خلال <قواعد العشق الأربعون>. الإقدام الكبير على هذا الكتاب فتح الباب، مجدداً، أمام قراءات مماثلة لأدباء وشعراء التصوف. ألقت <شافاق> الضوء عليهم، فأعادتهم إلى التداول.

ــ أفهم، من كلامكم، أن الكتّاب المعاصرين قد يجعلون من كتّاب قدامى <على الموضة> من جديد؟

– هذا ممكن، نعم، لكن علينا أن نأخذ بالاعتبار، أيضاً، الظروف التي تمر بها البلاد والمنطقة. ظروفنا الراهنة هي التي سمحت للفكر الصوفي بأن يعود ويزدهر. لو لم تعرف منطقتنا العربية كل هذا التزمّت والتعصب  والإجرام، لما نَشط المنهج الديني المقابل.

ــ <إليف شافاق> أعادتنا، بالذاكرة، إلى أحلام مستغانمي التي أحدثت ظاهرة بكتابها <ذاكرة الجسد>. لكن الغريب أن كتاب <شافاق> <قواعد العشق الأربعون> ضخم نسبيا، وقراءته تتطلب وقتا. يُخيّل إلينا أن هذا النوع من الإصدارات لم يعد يتماشى وزمننا الحالي، إلا أن الواقع برهن عكس ذلك. ما سر <شافاق>؟

– هو ليس دسماً بالمعنى الذي تقصدينه. فيه الكثير من الحكم الجميلة وأشعار حب… لكن لا شك في أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا أساسيا في إطلاق الكتاب والترويج له، وهي اليوم قاعدة مهمة لأي عمل ترويجي ولأي منتج. قرّاء الكتاب و«فانز> <شافاق> جعلوا من كل قاعدة أو تعليم تغريدة. المادة نفسها كانت قابلة للتداول على وسائل التواصل الحديثة، مما ساعد في انتشار النسخة العربية من الكتاب.

ــ ألا ترون أن أحد الأسباب الأساسية لعودة الكتب الصوفية إلى الواجهة هو تعطّش الناس للروحانيات، في عالم منغمس بالماديات، على أنواعها؟

 – هذا صحيح، ويضاف إليه التعطش لـ<التسامح La tolérance>.

ــ وفق خبرتكم الطويلة في <دار الآداب> وتعاطيكم مع مئات الكتّاب، هل يتوقّع الكاتب، مسبقاً، أن كتابه <رح يضرب>؟

– <لا، مش بالضرورة>. فمن العوامل التي ساهمت في النجاح الساحق لـ<ذاكرة الجسد>، يوم صدرت الطبعة الأولى منه، الظروف التي كانت تواجهها الجزائر آنذاك، والتي وضعتها أحلام مستغانمي في قالب روائي جميل. فالحقائق السياسية والتاريخية والاجتماعية باتت تمر، كلها، في قالب روائي. ما يجعل الكتاب <يضرب>، كما تقولين، عوامل عديدة، أختصرها بالعبارة التالية: <الشخص المناسب… في الوقت المناسب>. الموهبة أساسية، لكن للتوقيت، أيضاً، أهمية كبيرة!

ــ ركّزتم على القالب الروائي الجميل. هل انحسرت المؤلفات الأخرى على حساب الرواية؟

– هذا صحيح. في الحقبات الماضية، كنا، في <دار الآداب>، نركز كثيراً على الدراسات، الكتابات المسرحية، الإصدارات التي لها علاقة بعلم النفس… أما اليوم، فنعيش زمن الرواية. <كل شي بيمرق بالرواية>، يمكن تمرير ما يريد الكاتب تمريره من معلومات اجتماعيـــــة وثقافيـــــــة وسياسية وتاريخية، لكن بشكل أقــــرب إلى القـــــارئ، أمتع وأكثر بساطة.

ــ هــــــل في عـــــالم النشـــــر، <موضــــة> تبرز في وقت معين، ثم تذوي لتأتي <موضة> أخرى مكانها؟

– هذا صحيح…

ــ وما عمر هذه الموضة، عامةً؟

– ما من عمر معين يحددها. أحلام مستغانمي، مثلاً، شكلت ظاهرة في هذا المجال إذ استمرت، في المركز عينه، حوالى خمس عشرة سنة. الظاهرة نفسها شكلتها، قبلها، الكاتبة السورية غادة السمان… هناك <حالات> تستمر على مدى سنوات طوال.

ــ هل يمكن للكاتب أن يوجِد، هو نفسه، موجة جديدة؟ أن يخلق <trend> (مجرى أو إتجاه معيّن)؟

– هذا ممكن، نعم، إن كان الكاتب خلاّقاً. لكن أعود وأكرر أن الظروف المناسبة والتوقيت الصحيح عنصران مهمان للغاية. لذا نقول إن للكتاب حظاً… ونصيباً! يضاف إلى ذلك، كما ذكرت، أهمية الترويج لأي إصدار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لاسيما من خلال صفحات المدوّنين <Bloggers> الذين ينسجمون مع نمطنا وسياستنا، ويتمتعون بنسبة عالية من المتابعين  <Followers>. إبنتي تعمل في مجال التسويق، وهي لا تنفك تقول لي إن الكتاب، كأي منتج آخر، بحاجة إلى خطة تسويق ناجحة، وإن ما نقوم به اليوم بات خارج <اللعبة> التسويقية. هذا معناه أنه لم يعد هناك، للأسف، من تأثير يُذكر للصفحات الأدبية والثقافية والفكرية في الصحف والمجلات. الأساليب التقليدية بات تأثيرها شبه معدوم…

الكتاب الأكثر مبيعاً

SAM_2172----b

ــ والدليل أن كثيرين من الكتّاب حاضرون ونشطاء، اليوم، على <فيسبوك> و<تويتر>…

– تماماً، وإن لم يكونوا موجودين هم بأنفسهم، فإن معجبيهم يوجدون لهم صفحات ينشرون فيها أقوالهم وفكرهم وأشعارهم… <نزار قباني مات بس موجود على <تويتر>! في حدا لازم يكفي الطريق>…

ــ من مهام الناشر الأساسية اكتشاف أقلام جديدة. لكن تبدو لنا <الإقطاعية> مسيطرة، في هذا المجال أيضاً، بسبب ظاهرة الكتاب <الأكثر مبيعاً> <Best seller>…

– للأسف، هذا صحيح. هي ظاهرة أميركية انتقلت إلينا. فالكتاب <الأكثر مبيعاً> يحرق الكتب الأخرى، لاسيما في العالم العربي حيث مستوى القراءة متدنٍ. فإن قرر أحدهم قراءة كتاب واحد في السنة، أو كتابين، فإنه سيختار، بطبيعة الحال، الكتاب الشائع والأكثر مبيعا. من هنا بات دور الناشر في اكتشاف أقلام جديدة محدودا، بالرغم من أنها مهمتنا الأساسية <وأنا شخصيا مغرومة بهالشغلة>. نتردد ونحسبها جيدا لأننا، مع غياب القارئ المجازف، بتنا عاجزين عن المجازفة نحن أيضاً! ففي حين كانت دارنا تنشر، مثلاً، تسعة أو عشرة مؤلفات في السنة لكتّاب جُدُد، إنخفض الرقم إلى إصدارَيْن أو ثلاثة.

ــ الكتاب <الأكثر مبيعاً> هو، حتماً، كتاب جيّد؟

– كلا، <مش بالضرورة أبدا>. هناك إصدارات عظيمة لا تأخذ حقها وكتّاب رائعون لا ينتشرون كما يجب. في مسألة الكتاب <الأكثر مبيعاً> الكثير من الظلم لكتّاب آخرين… إنها مأساة حقيقة. ففي زمن إدارة والدي الدكتور سهيل إدريس للدار (وهو الذي أسسها عام 1956)، كان الوضع مختلفا. هو كان يراهن على المستقبل ويقول لي دائما: <سيكتشف الناس الكتاب الجيّد ولو بعد حين>. كان على حق! فقد أصدر، مثلاً، حوالى الثماني عشرة مسرحية للمسرحي السوري سعد الله ونوس <وما كانت ولا وحدة تبيع كما يجب>. كنت أسأله عن سبب استمراره في طبع مسرحياته فيقول لي إنه أهم مسرحي عربي، وإن القرّاء سيكتشفون أهميته يوماً ما، وهذا ما يحصل اليوم، في المدارس، حيث يدرّسون مسرحياته!

ــ لكن، كما سبق وذكرتم، فأنتم لا تجازفون اليوم كما كان يفعل هو منذ عقدين أو ثلاثة عقود…

– صحيح، أنا لا أستطيع أن أقول اليوم كما كان أبي يقول ولا أن أفكر بالطريقة عينها. <إذا مش أول تلات أسابيع نزل فيها الكتاب ضرب، إنسي الموضوع كلو>. عمر الكتاب بات قصيراً. <دغري بروح وبيجي غيرو>.

ــ ماذا عن الكتاب الصوتي أو المسموع <Audio book>؟ هل هو أحد التطورات الطبيعية لعصر التكنولوجيا الحديثة؟

– هناك، بالفعل، العديد من المكتبات الصوتية على <الويب>، وهي كتب موجهة لأكثر من شريحة. هناك، أولاً، من لديهم مشاكل في النظر أو فاقدو البصر بالكامل. ثم إن الكتاب المسجل يتوجه بشكل أساسي إلى المهجرين العرب الذين يتحدثون العربية ويفهمونها، لكنهم لا يكتبونها ولا يقرأونها. وهي، كذلك، ظاهرة منتشرة في أوروبا، حيث هناك مسافات طويلة على السائق اجتيازها للوصول إلى مكان عمله، فيستمع إلى الكتاب في السيارة عن طريق التسجيل الصوتي.

ــ ماذا عن الرقابة على الكتب؟ هل يمكن أن يُرفض كتاب ما بسبب صورة الغلاف، مثلا، من دون الاطلاع على مضمونه؟

– طبعا، <وبتحصل كتير!>. نعمل، كناشرين، على عدم استفزاز الرقابة فنختار غلافا مقبولا لتمرير ما نريد تمريره في الداخل…

ــ ممّن تتألف لجنة القراءة في <دار الآداب>؟ أعني من هم هؤلاء الذين يقبلون مسوّدة كتاب ويرفضون أخرى؟

– تتألف اللجنة من ثلاثة أعضاء، يتبدّلون بشكل مستمر ولا يُكشف عن هوياتهم. أحدهم متخصص في النقد الأكاديمي، ثانيهم يكون روائياً وثالثهم قارئ متنوّر أختاره، كل سنة، من معرض نشارك فيه، وهو يعطيني نبض القراء.

ــ أخيراً، هل من إصدارات توقعتم لها النجاح وخذلتكم السوق أو… مزاج القارئ؟

– هناك الكثير من الكتب التي تحمسنا لها وانتظرنا، بشغف، نجاحها، لكن خاب أملنا! نعم، يحصل أن نخطئ في التقدير ويصدمنا الواقع!