26 September,2018

الـقـطــــــاع الـزراعـــــي بـيـــن مـطـرقــــة اغـــــلاق الـحــــــدود وسـنــــدان وقـــف دعــــم الـنـقـــــل الـبـحـــــري شــــهـريــاً!

بقلم طوني بشارة

20170915_082701  

يعدّ القطاع الزراعي في لبنان من القطاعات الأساس التي يعتمد عليها الاقتصاد، والتي تأثرت خلال السنوات القليلة الماضية بعدد من العوامل التي أدت إلى تدهور كبير بات يهدد لقمة عيش نحو 400 ألف مزارع، ونحو 1,2 مليون شخص يستفيدون من هذا القطاع الحيوي، الذي يساهم بنسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي.

والمتتبع للواقع الزراعي يدرك بأن من اهم العوامل التي أثرت سلباً على هذا القطاع، هي إغلاق معبر <نصيب> السوري عند الحدود مع الأردن، مما أدى إلى تراجع حركة الصادرات الزراعية وبالتالي كساد معظم المواسم.

امام هذا الواقع المأساوي سعى القيمون على القطاع لإيجاد حل عبر النقل البحري، فيما الحكومة اللبنانية وبطلب من وزارة الزراعة آنذاك، دعمت النقل البحري عبر <المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان> (إيدال) التي أطلقت برنامج الجسر البحري للصادرات اللبنانية، ولكن للأسف النقل بالعبارات اصطدم بغياب التنظيم وبارتفاع الكلفة، إذ يبلغ رسم عبور قناة السويس 100 ألف دولار لكل عبارة في كل عبور لها، أي أن كلفة الذهاب والإياب تبلغ 200 ألف دولار، وتُضاف إلى ذلك مشكلة تتعلق بمسار العبّارة الذي لا يحقق إيرادات مغرية لتحويله خطاً ثابتاً بوتيرة أسبوعية، كما أن الشاحنات المبرّدة المنقولة بالعبّارة، سواء ذهبت إلى ميناء ضباء في السعودية أو ميناء بورسعيد في مصر، عليها إفراغ حمولتها والعودة إلى لبنان في اغلب الأوقات على متن العبّارة، مما يعني ان العودة على متن العبّارة ستكون مكلفة إذا لم تنقل أي حمولة في خطّ العودة.

ومما زاد الامر تعقيدا ان <ايدال> أوقفت دفعات الدعم الشهري للنقل وحولتها الى دفعات سنوية، علما ان دفعة 2015 قبضها التجار منذ شهر تقريبا، الامر الذي اثر سلبا على العاملين في القطاع الزراعي والذين باتوا يلوحون بالتظاهرات والاعتصامات. فما المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع وما الحلول المفترض اتباعها؟ وهل ان إعادة العلاقات مع سوريا لاسيما علاقة التبادل الزراعي حل مجد للازمة المتفشية في القطاع الزراعي؟

زعيتر والتواصل الواجب

 

وزير الزراعة غازي زعيتر وردا على محاولة إيجاد حل للزراعة عن طريق سوريا، أكد بأن التواصل مع وزارة الزراعة السورية واجب على لبنان، تطبيقا للاتفاقات المعقودة بين البلدين منذ عشرات السنين، قبل وبعد <الطائف>، وذلك حرصا على مصلحة المزارع اللبناني، وتابع قائلا: كوزير للزراعة أحرص على مصلحة المزارع اللبناني الذي يعاني من عرقلة التبادل الزراعي والتجاري بين لبنان وسوريا، ولفت زعيتر الى أن الزيارات بين الجانبين لم تنقطع يوما، حتى خلال ولاية الوزير السابق أكرم شهيب، حيث كانت اللجان الفنية الزراعية تجتمع بشكل دوري، مشيرا الى أن خلال زيارته الاخيرة لسوريا عقد اجتماعات مثمرة بين اللجان الفنية المختصة، من الجهة اللبنانية برئاسة مدير عام وزارة الزراعة، ومن الجهة السورية برئاسة وكيل وزير الزراعة، وأكد زعيتر أن لا اتفاقيات جديدة تعقد ولسنا بحاجة اليها، فالاتفاقات موجودة أصلا ولم تلغ واللقاءات تهدف الى التنفيذ والتفعيل، مستبعدا طرح الملف على طاولة مجلس الوزراء، ومؤكدا أنه سيفعل عندما تكون هناك حاجة لذلك، والموضوع ليس مخجلاً بل لمصلحة لبنانية عليا.

وعن قضية النقل البحري وتكلفتها على الحكومة، شدد زعيتر على فكرة مفادها بأن لبنان يدفع ما يفوق ستين مليارا فروقات أسعار بسبب النقل البحري للمنتوجات اللبنانية عبر خليج العقبة وقناة السويس، متوقعا فتح معبر <نصيب> البري بين سوريا والاردن في القريب العاجل، ومؤكداً أن لبنان سيستفيد كثيرا من فتح المعابر إن كان <نصيب> أو <التنف> (بين سوريا والعراق) اللذان يشكلان مدخل لبنان للخليج العربي، لافتاً الى أنه رغم الاجراءات الإدارية المجحفة من الجانب اللبناني بحق سوريا، فدمشق لم تبادلنا بالمثل وكانت دائما ايجابية.

وتعليقا على السجال حول الزيارة والمواقف المعارضة لها والتي تضعها في خانة التطبيع، قال زعيتر:

– التطبيع يكون مع العدو، وسوريا ليست عدوا للتطبيع معها.

مضيفاً:

– نحترم موقف بعض الافرقاء الرافض للتواصل لكن مصطلح <تطبيع> في غير محله.

وبالنسبة لموضوع التفاح نوه زعيتر بأنه تابع مشكلة تصريف انتاج التفاح ضمن سلسلة من الاجتماعات بدأها مع اللجنة المؤلفة من مديرية الثروة الزراعية وآلية الدعم الفني لتبادل المعلومات التابعة للمفوضية الاوروبية ــ <تايكس> والممولة من الاتحاد الاوروبي.

و تابع زعيتر:

– لقد قامت <تايكس> بناء على طلب وزارة الزراعة بوضع برنامج اجتماعات مع المعنيين بالقطاع الزراعي حيث خصصت الاجتماعات لمتابعة ملف تسويق التفاح في وزارة الزراعة وفي غرف التجارة والصناعة والزراعة ــ اللجنة الزراعية. وقد بحثت كوزير مختص مع اللجنة المكلفة بسلسلة من التوصيات لمعالجة مشكلة تصريف التفاح ومنها:

ــ البحث عن مصادر التمويل ودعوة الجهات المانحة الدولية والمنظمات الدولية لتمويل مراكز بحث وابتكار وتأمين استدامة المجموعات، والشراكة ما بين القطاع العام والخاص من اجل جمع الفاعلين واللاعبين ضمن نموذج اقتصادي موحد.

ــ الاستثمار في البنى التحتية لمشاريع التنمية المحلية والريفية (مراكز توضيب، مصانع لتصنيع التفاح).

ــ إعادة النظر في نظام كفالات، واعادة تفعيل التمويل الجزئي. ويمكن لوزارة الزراعة تمويل مشاريع المزارعين لتجديد الانواع والاصناف في بساتين التفاح.

ــ تعزيز الشراكة مع <المركز الوطني للبحوث العلمية> في لبنان <CNRS>، و<مصلحة الابحاث العلمية الزراعية> (LARI) للعمل على تطوير تقنيات المكافحة واعادة تفعيل نظام الانذار المبكر.

ــ مراجعة وتعديل سلسلة القرارات الوزارية المرتبطة بمنع استيراد بعض الادوية والمبيدات التي تستخدم في دول الاتحاد الاوروبي.

ــ ضرورة تفعيل المراكز الاقليمية التابعة لوزارة الزراعة من خلال تمويل افضل وتعزيز القدرات للعاملين فيها.

ــ انشاء معامل لتصنيع التفاح غير المصنف او من الفئة الثانية (عصير التفاح، شيبس التفاح…) كحل من اجل التعويض عن الخسائر الاقتصادية.

ــ مراجعة المواصفة القياسية الخاصة بقطاع التفاح لدى مؤسسة المواصفات والمقاييس (ليبنور) وجعلها الزامية.

ــ اعادة النظر في المرسوم الناظم لأعمال أسواق الجملة في لبنان، والتفاوض بهذا الخصوص مع <جمعية تجار الجملة>.

ــ يمكن معالجة الكلفة المرتفعة لإنتاج التفاح من خلال تجميع المزارعين في تعاونيات، والاستثمار في تطبيق مواصفات <الايزو ــ ISO>…

ــ انشاء مختبر يمكنه منح شهادات الاعتماد ضمن <مصلحة الابحاث العلمية الزراعية> (LARI) أو كليات الزراعة.

طعمه وتراكم الأزمات

بدوره رئيس <اللجنة الاقتصادية بغرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع، ونائب رئيس <جمعية المزارعين اللبنانيين> الاستاذ طوني طعمه أكد بأن القطاع الزراعي في لبنان يعاني وللأسف من أزمات تراكمية وليس آنية، أزمات تزيد من مآسي هذا القطاع، على إعتبار أنه ومع حدوث ازمة زراعية يعلو صراخ النقابات والجمعيات فتتحرك الجهات المسؤولة لمعالجة المشكلة، وبما ان المعالجة تبدأ مع ارتفاع الصوت، نجد انفسنا مضطرين للمطالبة بإقامة حالة طوارئ زراعية وبوضع خارطة طريق لتفادي المشاكل.

ــ في سياق حديثك أشرت بأن المشاكل تراكمية، فما أسبابها الرئيسية؟

– ان السبب الرئيسي لمشاكل القطاع الزراعي هو بالدرجة الأولى ارتفاع كلفة الإنتاج، فنحن كمزارعين نعتبر مستوردين للمواد الأولية من اسمدة وحبوب وبذور، كما اننا نعاني من غلاء تكلفة ضمان الأراضي الزراعية التابعة ومنذ القدم للإقطاعيين كنتيجة حتمية للنظام الميري.

وتابع طعمه:

– على سبيل المثال كلفة ضمان أرض لزراعة البطاطا في منطقة عميق بالقطاع الغربي هي حوالى 350 دولاراً للدونم الواحد وذلك لمدة 120 يوماً، علما ان كلفة زراعة دونم البطاطا هي 900 دولار من ضمنها الـ350 دولاراً كلفة الضمان، ومن المعروف أيضا بأن الزراعات الصيفية ولكون ثمرتها موجودة تحت الأرض تسحب العناصر الغذائية من الأرض، ولمعالجة ذلك لا بد من اتباع ما يمكن تسميته بالدورة الزراعية، أي زراعة الأرض كل سنة بصنف زراعي ولمدة 7 سنوات، ولكن وبسبب غلاء ضمان الأراضي يتخلى المزارع مرغما عن الدورة الزراعية ويتجه نحو زراعة الأصناف الغالية.

واستطرد طعمه:

– ومن المشاكل الأخرى التي يعاني منها قطاعنا هي عدم وجود مصانع للاسمدة، ناهيك عن ارتفاع تكلفة اليد العاملة مما يؤثر سلبا على قدرتنا التنافسية في الأسواق العربية، وأيضاً، مما يزيد الامر تعقيدا الاتفاقيات الزراعية ومن ضمنها <اتفاقية التيسير العربي> التي الغت الحدود ما بين الدول وفتحت باب المنافسة، ونحن للأسف غير قادرين على المنافسة لان كلفة الإنتاج لدينا مرتفعة ومن الصعب تخفيضها في الوقت الحالي.

 

مشكلة التفاح والحلول للازمة الزراعية

ــ وماذا عن مشكلة التفاح؟

– لطالما كانت مصر المستورد الرئيسي لتفاح لبنان، ولكن وبسبب الازمات التي مرت بها مصر انهارت للأسف عملتها وانخفضت قيمتها الشرائية مما أثر سلبا على مقدرتنا على تصدير تفاحنا الى مصر، فتراكم التفاح في البرادات، ومما زاد الامر تعقيدا ان الصين أصبحت قادرة على انتاج تفاح بمواصفات عالية ونوعية ممتازة وبكلفة منخفضة وباتت تغزو بتفاحها أسواق الخليج العربي، مما اثر سلبا على قدرتنا التنافسية.

ــ مشاكل عديدة كما نرى، فهل من حلول؟

– بالطبع ان المشاكل التي نعاني منها عديدة، وبصفتي نائب رئيس <جمعية المزارعين> ورئيس اللجنة الاقتصادية لدى غرفة الزراعة، أرى انه لا بد من تحقيق ما يلي:

أ ــ اعتماد سجل زراعي للتعريف عن المزارع ولتنظيم الزراعة.

ب ــ انشاء صندوق ضمان للمزارعين او انشاء صناديق تعاضدية لهم.

ج ــ السعي وبشتى الوسائل لتخفيض كلفة الإنتاج، فنحن للأسف نستورد بذوراً من هولندا والدانمارك بـ700 يورو للطن الواحد من بذور البطاطا، علما ان سهلي اليمونة ومرجحين في الهرمل مناسبان لتأصيل البذور وبكلفة لا تتعدى الـ200 دولار.

د ــ إقامة سدود وبرك طبيعية في مناطق عديدة منها في منطقة اليمونة واللبوة والعاصي، وذلك من اجل ري الأراضي الممتدة من بعلبك باتجاه القاع والتي تعتبر عذراء بسبب قلة المياه، وبعد إقامة السدود علينا السعي الى تأجير هذه الأراضي برسوم رمزية للمزارعين.

هـ ــ إعادة جدولة دفعات الدعم (دعم التصدير من قبل <ايدال>) فالدفعات أصبحت تعطى كل 3 سنوات بعد ان كانت شهرية سابقاً.

و ــ اعفاء تصدير الإنتاج الزراعي من ضريبة الدخل لانه أساسا قطاع خاسر ويحتاج الى دعم.

ــ كل وزير في الحكومات السابقة تكلم عن حلول لمشكلة القطاع الزراعي، فعلى من تقع مسؤولية عدم تطبيق هذه الحلول؟

– ان المسؤولية تقع على عاتق كافة الحكومات المتعاقبة منذ عهد الاستقلال وحتى تاريخه، إذ لم نلمس أي اهتمام بالزراعة بل الاهتمام ينصب دائما في مجال الخدمات، لذا لا بد من انشاء خريطة زراعية، وكل وزير فور توليه مهامه عليه دعوة القطاع الخاص من اجل اكمال خطة الوزير السابق وليس ايقافها، وكل ذلك من اجل النهوض بهذا القطاع.