20 September,2018

الـقـصـــــــور الـبـلـديــــــــــة  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208 

لو يعلم معظم المرشحين للعمل البلدي ما هو عملهم بالتحديد، لانخفض عددهم الى ما لا يفي المطلوب، ولو يعملون لتفعيل دور البلديات كأساس للحكم المحلي مع ما يتطلبه ذلك من دور إداري وإنمائي ومالي وبيئي وعناء وتعب، لفضّلوا البقاء في المنزل، لأن طالب العمل البلدي في لبنان – ولا نعمّم – إنما هو طالب جاهٍ وسلطة، وما أدراك ما هو الجاه وما هي السلطة في لبنان؟!

إن لبنان يواجه تحدّي إعادة هندسته لوضعه على خريطة العالم كبلد مستنير ومزدهر له دور فاعل في رعاية الإنسان والثقافة، وكبلد منتج اقتصادياً بما يلبّي مستلزمات التنمية المستدامة ومتطلبات المواطنين وتطلّعاتهم.

ولكن، أين هم المرشحون من هذه المسلّمات التي تتطلّب قدراً كبيراً من الشفافية والعزم والإرادة والثقافة والباع الطويل والتواضع؟

كيف يستقيم التمثيل ويفسح في المجال أمام تعزيز الحياة الحزبية والبلدية والعائلية، من دون تعديل الانظمة الانتخابية؟ وفي طليعتها الاقتراع حيث السكن، وخفض سن الاقتراع الى 18 سنة، وتحديد شروط الأهلية للعمل البلدي أو العمل النيابي على نحو يعزّز السلطة؟

إن الثورة الديموقراطية تهدف الى إقامة نظام ديموقراطي صحيح يضمن المساواة في الحقوق والواجبات.

من هنا، الحاجة الى تعزيز الحكم البلدي وتمكينه من القيام بدوره الإنمائي في إطار خطة إنمائية شاملة يقترحها أصحاب الاختصاص على <المجلس الاقتصادي والاجتماعي> الموجود نظرياً والمعدوم عملياً، فتتوازن فرص العلم والعمل.

كيف سيتحقق ذلك كله، وبعض الواصلين الى <القصور البلدية> لا همّ لديهم سوى التنافس والتناحر والاستزلام لممثلي الوضع لتأمين فوز، أفضل منه الهزيمة وأكثر لياقة وكرامة؟

هل شاهدتموهم لمرة واحدة يراقبون تشحيلاً لما تبقى من شجر؟ أو رصيفاً وضع تصميمه جهلة؟ أو مدّ قساطل <لمجرى صرف صحي> تذهب <خيراته> في الوديان وما تبقى من أنهار؟

يراقبون عن كثب، الورش التي لزّموها لأبنائهم وأصهرتهم، وما أكثر الأصهرة هذه الأيام بفعل الشح في ولادات الذكور!

يراقبـــــون عــن كثب، وبكثير مــن الدقـــة والدرايــــة تشييد <القصـــور البلديــــة>، هـــذه العـــــدوى التـــي انفلشت كالفطر حيث لم تعد البيوت البلدية أو الشقق البلديــــة أو الأبنيــــة البلديـــــة تليق بالمقــام وبعبقرية ساكنيها!

لم يكن ينقص <الحضارة> اللبنانية المحدثة سوى تشييد <قصور بلدية>، وتركيب كاميرات متطوّرة بمئات ملايين الدولارات، فيما الشعب الذي يختار بلدياته بإرادته، محروم من الطرقات والخدمات، ويخسر ثروته الحرجية وأبنيته الأثرية، ويخضع لفواتير المولّدات الخاصة المملوكة بمعظمها أو المسَيْطر على معظمها من قبل العديد من البلديات!

في لبنان، ليس هناك شيء اسمه <مجلس بلدي>، بل رئيس يفعل ما يشاء، ساعة يشاء، وكما تشاء مصلحته الشخصية.

فهذا الذي عندنا ليس نظاماً، إنه وضع غير سليم يحتاج الى تنظيم كي يصبح نظاماً، يحتاج الى أناس مدعوين الى التضحية وإنكار الذات.

وإننا مدعوون للتفكير ملياً قبل الإدلاء بأصواتنا الغالية من أجل حُسن الخيار والاختيار… مدعوون للتفكير بعمق، لأن حُسن الاختيار في ظروف ليست ككل الظروف ليس بالامر السهل، ولأن اليأس من الحاضر لا يضاهيه إلا اليأس الأكبر من الأوضاع الاقليمية والدولية..

كل شيء في لبنان بات مخطوفاً ومعتقلاً من الحي والزاروب، الى القرية والمدينة، الى المؤسسات والإدارات، ناهيك بالإرادات والقرارات.

وقد يبدو التمسك بالمبادئ غريباً وساذجاً في لبنان الحالي، إلا أن المواطن المثقف يعرف التمييز بين الصواب والخطأ، وأن الناس ستختار حتى ولو لم تعلن اختيارها. ففي داخل كل مواطن، في عقله وضميره وقلبه نداء الأحرار.

إشارة لا بدّ منها:

في الستينات من القرن الماضي، أي قبل واحد وخمسين عاماً تقريباً، وكان وضع لبنان ممتازاً قياساً الى السنين اللاحقة، كان حديث مع أحد الوزراء السابقين حول كيفية حصول الدولة على المال للقيام ببعض المشاريع فقال:

<لا القروض ولا الضرائب، أحسن وأسرع طريقة هي بيع ملفات كبار الموظفين لأصحابها، وهي كفيلة بجمع مئة مليون ليرة على الأقل من موظفي الفئة الأولى>.

لو طلبت الصحف الصادرة آنذاك الى معاليه أن يكتب لها عما يعرفه عن مالية كبار الموظفين، ماذا كان ليكتب؟ وماذا كانت لتنشر؟ ومَن يحاكم مَن؟…

إن الحمل ثقيل والطريق طويل <ولا بدّ لليل أن ينجلي>.