21 November,2018

الـفـيـلـــــم الـوثـائـقــــــي ”غــرافـيـتــــــي مــــــن بـيـــــروت“... نـبـــــض الـمـديـنـــــــة مـــــعـلّق عـلــــى جـدرانـهــــــا  

 

بقلم عبير انطون

5

من يمشي في شوارع بيروت وبعض المناطق يلتقي بنجومه المفضلين مصورين على جدران العاصمة بكامل عزهم، من فيروز إلى صباح ووديع الصافي وغيرهم، وتسترعي انتباهه أيضاً رسوم، فيها الضاحك وفيها الحزين، وفيها النقد والسّخرية والإيحاء وصولاً إلى المواقف من الحياة والدين والسياسة و<الماورائيات> حتى انه يقرأ شعارات وتعابير تستوقفه في مضمونها، وقد تبقى ظله طيلة النهار يفكر بها وبالقصد منها.

إنها <الغرافيتي> اللبنانية، نبض الشارع وحياته، وهي أيضاً ملهمة المخرجين الفرنسيين <نيكولا سالدوفيل> و<ساره كلو> اللذين وثّقاها في فيلم <غرافيتي من بيروت>، فماذا في مضمونه، من هم أبطال هذا الفن وما الغرض من إنتاج الفيلم علماً أن العرض الرسمي له سيكون في 25 أيلول/ سبتمبر المقبل عند افتتاح <يوم فن الشارع> في المعهد الفرنسي في لبنان؟.

في تعريفه، فإن <الغرافيتي> هو الرسم على الجدران العامة أو الخاصة باستخدام أدوات خاصة عبر بخاخ دهان أو قلم تعليم أو أي مواد أخرى وذلك بطريقة فنية وبتعبير حرّ لكلمات مقصودة أو مسميات أو عبارات مستهدفة، وغالباً ما كان يتم في السابق من قبل من أشخاص مجهولين لا يعلنون عن هويّتهم الأمر الذي تغيّر اليوم، وهو على نوعين المرسوم – والمكتوب أو في مزج للاثنين معاً ما يعرف بالـ<كاليغرافيتي>..

وليس <الغرافيتي> فنّاً حديثاً وإن انطلق بشكل واسع في أميركا وأوروبا في حقبتي الستينات والسبعينات، إلا أنه فن متجذّر منذ القدم، وهو يعود  إلى أوائل حضارات المصريين والإغريق والرومان بحيث كان الأجداد ينقشون رسوماتهم على جدران الكهوف والمعابد والنواويس في رموز فنية وتاريخية لا تزال تشكّل للباحثين والعلماء مرجعاً تاريخياً مهمّاً يسعون إلى الارتكاز عليه لدراسة العصور القديمة وأشكالها وسبل نشأتها وتطوّرها…

 

لا <شخابيط>..

1

لقد تطوّر فن الرسم على الجدران عبر الزمن لينشأ فن <الغرافيتي> الحديث في الستينات من القرن الماضي في نيويورك بإلهام من موسيقى <الهيب هوب>، وهو كما كان يستخدم للتخريب من قبل <بعض العصابات> في بعض الأحيان، فإنه يستخدم للاحتجاج وإيصال الرسائل. كذلك، بات <الغرافيتي> في أيامنا فناً يطلب من محترفيه، بعد أن كان يتم بدون إذن وتحت طائلة المساءلة القانونية، وقد أرسى قواعده ليضحى نوعاً معترفاً به من أنواع الفن الحديث، يعبر عن الحرّية الفردية وديمقراطية الرأي ويحمل رسالة ويرغب في التأثير، مؤكّداً أنه ليس مجرد <شخابيط> وخربشات على الحيطان، بل فن بحدّ ذاته يحمل بعداً جمالياً بحيث أنه يحول الجدار إلى لوحة فنية تضاف إليه مكونات الشارع الذي من حوله فيكملان بعضهما البعض.

 

لبنان.. السبّاق!

 

في الدول العربية، ومع اندلاع الثورات في بعضها، نشط فن <الغرافيتي> بشكل كبير وأضحت الجدران الصوت الصارخ المواكب للتظاهرات والاحتجاجات وسبيلاً للتعبير عن الرفض للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولترسيخ مبدأ التعبير بحرّية. ولعلّ أوائل رسوم <الغرافيتي> انطلقت عربياً من فلسطين إذ لجأ الفلسطينيون للتعبير عن مواقفهم السياسية بالرسم والكتابة على الجدران، خصوصاً من خلال رسومات كاريكاتورية معروفة للفنان ناجي العلي، ولرسام <الغرافيتي> الاحتجاجي البريطاني المعروف <روبرت بانكسي> الذي رسم على الجدار العازل عن حالة الفلسطينيين تحت الاحتلال.

في لبنان بدأت حركة حقيقية لفن <الغرافيتي> في العام 2000، إلا أنه وقبل ذلك التاريخ  كان معتمداً في سنوات الحرب الأهلية بين الأحزاب والميليشيات التي تتقاسم مناطق النفوذ. وفي هذا الصدد يقول جوزيف براشية، ناشر كتاب حول فن <الغرافيتي> في بيروت بعنوان (مدينة تكشفها رسومها، http://markingbeirut.com/، كتبته تانيا صالح): <دائماً ما كانت هناك شارات وعلامات ذات صبغة سياسية على جدران بيروت، أما <الغرافيتي> بمعنى الكلمة فكان قليلاً. في الواقع، قامت العديد من ميليشيات الحرب بتمييز حدود وجودها بشارات أحزابها وشعاراتها التي غالباً ما يتم تنفيذها في المرسم، ويعتبر ترسيم الحدود هذا أساس 3ثقافة <الغرافيتي> كما نعرفها اليوم، والتي نشأت في نيويورك في السبعينات من القرن الماضي عقب حرب العصابات>، ويؤكد براشية: <بخلاف العصابات الأمريكية التي فرضت نفوذها على مناطق كاملة استولت عليها عن طريق العلامات والكتابات، فإن الميليشيات اللبنانية انحصرت أعمالها في نطاق الحيّ>.

وبعد حرب تموز في العام 2006 وجد فنانو <الغرافيتي> بأن لديهم الكثير ليعبروا عنه ويرسموه على جدران المدينة التي عانت من الحرب، إلا أن أحداث مايو (أيار) 2008 التي اندلعت في العاصمة اللبنانية أدت إلى إبرام اتفاق بسحب جميع أشكال العلامات السياسية الظاهرة في شوارع العاصمة، واستطاعت أشكال أخرى من الكتابات الأكثر فناً الانتشار في المدينة، وأضحى البعد جمالياً في الكثير من زواياه. كذلك، اعتمدته مجموعات من الأفراد والجماعات وسيلة للتعبير في رسم شخصيات أو الكتابة بخطوط مختلفة ما كان ينبىء أحياناً بهوية صاحبها، فمنهم من اعتمد رسم شخصيات كرتونية  وقد تم أخذ بعض من أعمالهم ذات الطابع الاجتماعي مثل <بيروت ما بتموت> و<بيروت إن حكت> لإعادة طبعها على الحقائب والبطاقات البريدية، ومنهم من اعتمد الخط الكوفي أو الديواني فأرادوا بذلك التعبير  عن هويّتهم العربية بعيداً عن الخطوط اللاتينية التي يستخدمها غيرهم، إلى ما هنالك.. وكل ذلك تحت قانون <الغرافيتي> العالمي الذي يقضي بعدم التعدي أبداً على رسم فنان آخر، إلا للتحسين منه، فضلاً عن عدم الرسم إلا فوق الجدران القبيحة التي تكثر بها الثقوب، والتي تملأها العلامات البالية بهدف تجميل المدينة.

إلى التعبير عن الرأي لا بدّ من الإشارة  إلى الصدى الاجتماعي الذي عرفه <الغرافيتي> بحيث اعتمدته منظمات إنسانية بهدف التوعية ضدّ المخدرات، وتعليم المساجين الأحداث وغيرها. كذلك اكتسب هذا الفن بعداً تجارياً على ما يؤكده الفنان ريدان ذبيان (مشارك في فيلم <غرافيتي من بيروت>): <الآن أصبح هذا الفن مطلوباً وأخذ بعداً تجارياً فهناك من يطلب منا أن نرسم ونجمل الجدران>.

فعلاً، فلقد بدأت بعض المؤسسات في لبنان تعتمد على <الغرافيتي> لتسويق منتجاتها أو أفكارها، لذلك كثر الطلب على أصحاب هذا الاختصاص الذين بدورهم حددوا سعراً لرسم المتر الواحد من الجدران بـ300 دولار أميركي كحد أدنى، وقد يرتفع السعر بحسب الفنان، وقد بدأ تعليم فن <الغرافيتي> في الجامعات، كما تُنظم له ورش عمل في أماكن عديدة ويدعى إلى بلدنا فنانون عالميون ليشاركونا تجاربهم، إلا أن أصحاب <الغرافيتــــي> يخشـــــون من إضفــــاء الطابع التجاري عليه ما يغير وجهته وهويّته وهذا ما يشكّل برأيهم التحــــدي الأكــــبر أمـــــام هــــذا الفن مستقبلاً. ويذكر أيضاً في هــــذا المجــــــال أن بعض مهنــــــدسي البنايــــــات في بيروت، لا يتوانون عن تكليف أحد فناني <الغرافيتي> المحترفين بالرسم على الجدران 2في المدخل الرئيسي للبنايــــــة وفي الأدوار العلويـــــة في لمسة يريدونها جمالية..

قنابل ملوّنة!..

إذاً، كانت حرب تموز 2006 وفورة <الغرافيتي> من بعدها الشرارة التي لفتت الفرنسيين <نيكولا سالدوفيل> و<ساره كلو> لقرع باب هذا الفن لبنانياً في فيلم مدّته 52 دقيقة، شجّعهما على إنتاجه وتنفيذه غياب أي وثائقي عن فن <الغرافيتي> في لبنان حتى اليوم، وقد استغرق إنجاز الفيلم أربعة أشهر.

في التعريف عنه، ينطلق فيلم <غرافيتي من بيروت> الذي كتب عنوانه بالإنكليزية <Graffiti Men Beirut> من طرح السؤال الآتي: من هم أولئك الذين يلونون جدران العاصمة اللبنانية؟ ليجيب <إنهم رجال الغرافيتي في بيروت> حفنة من الفنانين، بين 21 و37 عاماً، من جميع الطوائف، هم المتحدثون الرسميون الشباب عن بيروت من خلال الكتابة على الجدران، يحملون على الظهر حقيبة كاملة مدجّجة بقنابل الألوان، ويجوبون الشوارع ليلاً ونهاراً في رحلة بحث عن أفضل المواقع ليرسموا فيها، هادفين قبل كل شيء إلى تغيير نظرة مواطنيهم إلى مدينتهم. وإذا كانت النظرة إلى الكتابة على الجدران مجرد فعل تخريبي بنظر البعض، فإنهم يناضلون ليكون <الغرافيتي> شكلاً من أشكال فن الشارع المعترف بها بعيداً عما عاشه الجيل الذي سبقهم من نزاعات وبعيداً عن أي انتماء طائفي أو سياسي وإنما فني فقط، فبالنسبة لهذا الجيل الجديد، إن مجرد اختيار الفن يعتبر ثورة، وكما لكل الثوار رسالة، فإن رسالتهم هي إيصال ما يتوق إليه الشباب اللبناني.

في هذا الصدد تقول المخرجة <ساره كلو> وهي في الوقت نفسه صحافية زارت لبنان منذ سنة ونصف السنة، وكان قد استوقفها قيام فناني <الغرافيتي> في التعبير عن آرائهم على الجدران علناً في وضح النهار دون التستر تحت جنح الليل (علماً أنه 4 قانوناً يتطلّب ذلك إذناً مسبقاً من الجهات المختصة):

– <أردنا تحليل البلد من خلال هذا الفن، فقد تنبّهنا أن لا أفلام وثائقية تتناول فن <الغرافيتي>، علماً أنه مزدهر في لبنان وإن لم يكن قديم العهد فقد عرف أوجه مع حرب تموز، وتجربته أضحت ناضجة بشكل كبير، وقد لفتنا أنه قانوني ومقبول بعكس الكثير من البلدان العربية الأخرى، وهو بات وسيلة مهمّة لشباب المدينة حتى يعبروا عن أنفسهم وعن تطلعاتهم. وإذا كانت الحرب قد ساهمت في انتشاره فإننا لا بدّ أن نأخذ بالاعتبار أيضاً مختلف جوانب الحياة الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية بشكل أساسي، ذلك أن <الغرافيتي> يعتبر وسيلة متاحة للتعبير الفردي الحرّ في أكثر من مجال، وهذا ما يحسب للبنان، البلد الموجود في قلب الشرق الأوسط والذي يعتبر همزة وصل بين العديد من الحضارات والتيارات، كما ويتميّز بغنى النشاطات الفنية والثقافية والتي لا تتوافر في الكثير من البلدان العربية، ومن هنا أهمية الإضاءة على فن <الغرافيتي> فيه..