18 November,2018

الـفـســــاد يــــــلـفّ الـعـالـــــــم ويـنـخــــــر لـبـــــنـان

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208 

العالم غارق في ثقافة الاستهلاك، ولبنان غارق في انعدام القيم، العالم تغزوه ثقافة الربح بأثمان <مشروعة>، ولبنان تغزوه ثقافة الظهور والوجاهة والسلطة بأي ثمن.

ما يأكله العالم معظمه مصنّع ولكن مراقب، وما يأكله لبنان معظمه فاسد.

ما يقرأه أو يسمعه أو يشاهده العالم معظمه صادق أو موجّه حفاظاً على أمنه القومي، وما يقرأه أو يسمعه أو يشاهده لبنان معظمه كاذب أو رخيص أو محرّض حفاظاً على نسبة عالية من القراء أو المستمعين أو المشاهدين…

في العالم إرهاب مقنّع تصنعه الأجهزة والأيادي القادرة والعقول الشريرة، وفي لبنان إرهاب مكبّل للعقول يجعل أكبر رأس بحجم حبة العدس.

في العالم الناس تريد الحقيقة وقد تصل إليها بعد جهد وعن طريق القضاء والمحاسبة أو عن طريق <ويكيليكس> ووثائق <بنما>.

في لبنان الناس لا تريد الحقيقة بل الغريزة والتعصب، وإذا جاء من ينشرها يرفضونه هو لا هي.

الحقيقة في لبنان فوق الجميع، لا يستطيع أحد أن يجد لها أثراً إلا في الموت فهو صديقها الأكبر، طبعاً بعد الطفولة.

في العالم، كبار كبار فاسدون، تكشفهم الوثائق ولو بعد حين، هذا ما ظهر مع والد <ديفيد كاميرون> رئيس وزراء بريطانيا، ورؤساء ومسؤولين كبار على مستوى الكوكب الصغير، وما سيظهر مع تسريب أحد عشر مليوناً وخمسمئة ألف وثيقة من <بنما> تتحدّث عن تفاصيل معاملات مالية، وصفقات معاملات خارجية، وقروض سرية، وكيفية التهرّب الضريبي وإخفاء الثروات لعملائها منذ أربعين عاماً.

في لبنان، استطاعت ثقافة الفساد مع مرور الزمن أن تتسلّل الى فكر معظم الناس، وباتت الناس تنظر الى بعضها البعض نظرات ملؤها الحسد والجشع والطمع والعدوى: <ليش ما منكون مِثلهم؟>…

وتكاد لا تتعامل إلا بالتزوير والتهريب والدعارة والتجارة الرخيصة والكلام الرخيص. وما حصل في <Chez Maurice> مؤخراً ليس سوى عيّنة صغيرة من عيّنات شعب صعد سلّم المجد حين كان في الأودية، وصار الآن ينحدر الى درك الانحطاط بعدما رفع السطحيات بل الطفيليات الى أعلى القمم. بفعل ماذا؟ بفعل الخوف والمال!

في العــــالم يتعــــاطى السياسيون مع الصحافة علــى أنهــــا حاجـــــة مـــــاسّة، وفي لبــــنان يتعــــاطى <صحافيــــون> مــع السياسيــــين على أنهــــم حاجـــــة ماســـــــة.

في العالم يذهب الصحافي الى عمله متطلّعاً الى غدٍ أفضل، وفي لبنان يعود الصحافي من عمله خائفاً على مؤسسة تعمل اليوم وقد لا تعمل غداً.

في العالم يبحثون عن صحافة تكتب أو تقدّم أغلى صناعة عرفها الإنسان، وفي لبنان يتسابقون على استقدام من يجيد الكلمـات الرخيصــــة أو الفارغــــة ويقدّم للجمهور فجوراً.

في العالم يخجل الفاسدون حتى من أنفسهم، وفي لبنان يحاضرون في الأخلاق ويغطون بعضهم بعضاً ولا من يجرؤ على كشفهم أو حتى رميهم بوردة.

في العالم اهتمام بحقوق الإنسان والرفق بالحيوان، وفي لبنان متاجرة بالبشر. هناك يستسلم الناس للدولة، وهنا يستسلم الناس للدواء والطبابة والتحصيل العلمي.

وبعد، هل نستسلم؟ لا وألف لا.. فجَلد الذات يمكن في أحيان كثيرة أن يُحقّق الكثير في الذات البشرية ويُطلق صدمة فانتفاضة.

ومما لا شك فيه، أن الشعب اللبناني سيتجاوز المرحلة الأصعب في حياة وطنه، وتكاد تكون الأصعب في حياة سائر الشعوب التي هزّتها اليوم فضيحة <بنما>، وقد تنفجر انتفاضات أخرى غداً نتيجة أخطاء جسيمة في الحسابات الداخلية والخارجية.

إن تاريخ الشعب اللبناني سيشكل الحافز الأكبر والمناعة الأساسية للجيل الجديد المتعلق حديثاً بأرض أجداده.

هذا الجيل المعوّل عليه، لن يكون كمية كبيرة من الضحايا ولا جيشاً من الموظفين الخاسرين ولا مواطنين يسعون الى الفساد.

إن الجيل اللبناني الصاعد سيطيح بكل ما خلّفته ويلات الأزمات المستمرة منذ واحد وأربعين عاماً (13 نيسان/ ابريل 1975 – 13 نيسان/ أبريل 2016) من جراح عميقة.

وسيتمكن من إيجاد مُنقذ لهذا المجتمع المريض – بفعل أبطاله – يكون بطلاً وقديساً في الوقت نفسه ومربّياً للطفيليات..