20 September,2018

الـــــــوعـي أســـــــاس الـديـمـوقـراطـيــــــــة وحـســــــــن الاخـتـيـــــــــار

بقلم سعيد غريب

SAM_5208 

مجلدات مكتوبة ومحاضرات نظرية بعضها مدفوعة كلفته، ملأت الكتب والصحف والمجلات والإعلام المسموع والمرئي على مدى عقدين، ومرتكزها صحة التمثيل وعدالته التي يفترض تحقيقها في الدول الديموقراطية عن طريق قوانين الانتخابات النيابية، وتتعلق بنظام الاقتراع بقدر ما تتعلق بتقسيم الدوائر الانتخابية.

وقد خلصت كل الدراسات التي وُضعت الى أن من أهم ميزات التمثيل النسبي أنه يوفّر صحة اكبر في التمثيل من أنظمة الاقتراع الاكثري، لأنه يسمح بتمثيل صادق لاتجاهات الرأي العام بمختلف تياراته، وهو أكثر عدلاً منها لأنه لا يقصي أياً من الاقليات السياسية بل يمثلها بما يتناسب مع حجمها الذي تعكسه صناديق الاقتراع.

كما أن التمثيل النسبي يسهم في تحديث الحياة السياسية، ويحفّز على إنشاء التكتلات القائمة على أساس البرامج السياسية، وينمّي الحياة الحزبية، ويساعد على تحقيق <الانصهار الوطني>.

ولكن، وإذا سلّمنا أن السلطة السياسية ستأخذ في الاعتبار المطالب المعلنة والمقنّعة للسياسيين وتلك المعلنة والصادقة للمواطنين بضرورة اعتماد النسبية، فهل سيتم وضع الضوابط التي تساعد على منع تسخير المواقع الرسمية لأغراض انتخابية كمثل منع الوزراء أنفسهم من الترشح للانتخابات؟ وهل سيتم استحداث فصل خاص بنفقات الحملات الانتخابية، وتنظيم مسألة استخدام المرشحين لوسائل الإعلام بالتساوي في ما بينهم، واعتماد البطاقة الانتخابية ما يسمح للناخب بالاقتراع في مكان سكنه أو عمله؟ وكيف يمكن أن تكون الانتخابات تمثيلية فعلاً، وشباب لبنان لا يحق لهم بعد الاقتراع عند بلوغ سن الثامنة عشرة؟! وماذا عن اختيار الزعماء للترشيحات النسبية؟

الى ذلك كله، نطرح سؤالاً لعله الأهم بعد كل ما تقدم:

هل إن بلداً كلبنان تنخره الطائفية وتتعزز فيه المذهبية، قادر على اعتماد قوانين انتخابية ديموقراطية ومعاصرة ومتطورة؟

واستطراداً، كيف سيحول القانون الجديد دون تدخل النافذين والزعماء في اللوائح والأسماء، كل اللوائح وكل الأسماء، وهل يستطيع المواطن اللبناني البسيط الذي اعتاد التصويت لا الانتخاب أن يدير ظهره لصاحب <الليسته> الذي دفع له المرشحون الملايين من الدولارات؟ كم مرة سمعت لبنانياً يصف آخر بأنه <مسكين، ابن حلال>؟ وكلمة حق تقال ان أحداً لا يشك بذكاء المواطن اللبناني، هذا الذكاء الذي أفسدوه بالمال والخوف، واستقطبوه بالغريزة والتعصب وشراء الذمم، ولم يسبق أن <تمقطعوا> به كما هو حاصل اليوم.

ما من قانون يمكن أن يعيد الحق الى المواطن طالما هو خاضع وخامل وبلا وطنية، ما من قانون يستطيع أن يخرق الخضوع والخمول أو ينسفهما، حتى لو حمل معه أهم الاسماء وانظفها، طالما حرية الاختيار غير مقرونة بحسن الاختيار. وحسن الاختيار يتطلب وعياً وسعة اطلاع، فهل الشعوب، معظم شعوب العالم واعية ومطلعة على سيرة السياسيين والمرشحين كي تحسن الاختيار؟ ما يجري خلف البحار دليل قاطع على أن الشعوب تسيء الاختيار، ما يدفعها بعد أربع او خمس سنوات الى المحاسبة، فتختار جديداً أسوأ من القديم.

ومعضلتنا نحن اللبنانيين، أننا نعيش في بلد غارق في انعدام القيم، ونسهر أمام شاشات يجب تطهيرها كل يوم بالمبيدات، وننتظر محللين يشرحون لنا سر الوجود، ومقدمين لم يقرأوا كتاباً.

هل من مخارج أو حلول؟

ما هو أكيد أن عصور النهضة كانت تبدأ عبر التاريخ من حيث انتهت عصور الانحطاط، والأكيد ان الوطن يفتقر الى الكثير من الأساسيات، فهو يعاني نقصاً في كل القطاعات يفرض معالجات سريعة لقضايا لا تحصى، وردوداً شافية عن أسئلة مطروحة في العمق وعلى امتداد الأفق الزمني البعيد…

فالحكم اليوم، عليه أن يجعل الجراح تلتئم والعافية تعود والمسيرة تستأنف في الاتجاه الصحيح.

والعافية تكون بألا يرتفع رأس فوق رأس الدولة، ولا تسود شرعة غير شرعة القانون، ولا تبقى هذه أو تلك من المناطق على هامش السلطة الوطنية، وأن تقفل جميع دكاكين الاستغلال وأقبية الجريمة، ويردع كل خارج على النظام أياً كان لأي جهة انتمى وبأي مرجع احتمى.

وعلى الحكم أن يحقق أماني الشباب ويفسح أمام طموحاتهم، ويبدد قلق الأجيال ويؤهلها للدور المستقبلي.

الملفات متراكمة أمام العهد وهو مدعو لفتحها واحداً واحداً بأولويات متوازية ومتسارعة، ومهمة الوزراء أن ينتجوا ويتفوقوا على أنفسهم، أن يبكروا الى العمــــل ويسهـــــروا فيــــه ويعـــــززوا في انهائه، لا أن يكونوا مجـــرد عــــدد في رقــم أو معروضـــات في واجهة…

وفي رأي مخضرمين أن قانون انتخاب جديداً وعادلاً يبدأ بحكم قوي وعادل، وأن الطريق ما زال مفتوحاً أمام الاختيار الديموقراطي السليم.