15 November,2018

الــــــــــــرئــيــس مــيــشـــــــــال عــــــــــون يـــقــــــلــب الــطـــاولـــــــــة لــتــشــكــيـــــــــل الــحــكــومــــــــــة!

  

بقلم وليد عوض

 

الشحذ الطائفي لم يكن يوماً أداة للتلاقي. وكان <ريكاردوس قلب الأسد> فاتح القدس طريح الفراش في خيمته الوارفة بعدما ألمّ به مرض على حين غرة، وقد تقاطر الأطباء لمعاينته ومده بأسباب العافية، إلا ان زائراً واحداً استلفت الانتباه سراً وهمساً جاء متنكراً عارضاً على المريض في الخيمة التي تليق بالملوك ما يمكن تقديمه من وسائل الشفاء.

ذلك الرجل الغامض لم يكن إلا القائد صلاح الدين الأيوبي الخصم المحارب لـ<ريكاردوس قلب الأسد>.

وكان لسان حاله يقول ما قاله بعد ذلك أمير الشعراء أحمد شوقي: <يا فاتح القدس خل السيف ناحية/ ليس الصليب حديداً كان بل خشبا>.

وبالمقارنة مع هذه الواقعة نقول إن الود بين الرئيس سعد الحريري ورئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع غير مفقود، بل يترجم بمآدب غداء وعشاء، ولكن القوات اللبنانية لا تتعاطى مع المجتمع على أساس ان الصليب حديداً كان لا خشباً، أي ان زج الطائفية في هذا المأزق غير مفيد، ولنا المثل والمثال من عهد الرئيس كميل شمعون زمان الستينات، حيث انقسم لبنان بين مسلم ومسيحي عبر الجبهة اللبنانية. ولا مخرج من مأزق الجمود الحكومي إلا بالخروج من ثوب الطائفية والتصرف على أساس وطني وقومي.

لقد كانت معركة الستينات بين شعور بالظلم عند المسلمين وشعور بالخوف عند المسيحيين، وكان الشيخ بيار الجميّل رئيس حزب الكتائب يقول: <لا يكفي أن تقول للمسيحي ما تخاف. بدك هو في الأساس ما يخاف>!

والأحاديث الودية المتبادلة في <بيت الوسط> مرة و<معراب> مرة، توحي دائماً بأن طبق الطائفية لم يكن على المائدة، بل كانت المشكلة عددية، أي ان القوات اللبنانية بحكم نصرها الانتخابي تريد خمسة وزراء، وقد تكتفي بأربعة إذا حكمت الضرورة، وروح الحديث بين رئيس الوزراء و<الحكيم> لم تكن في اتجاه طائفي وما قال <الحكيم> خلال المناقشة: <نحن المسيحيين>، والأمر نفسه سرى كذلك مع أحاديث ولقاءات وزير الخارجية جبران باسيل رئيس تيار <لبنان القوي> وكان الحديث يدور دائماً حول احترام المكتسبات الانتخابية، وأعداد الوزراء!

إجازة… للجميع!

 

وعطلة الصحافة في أسبوع عيد الأضحى فرصة لمزيد من التأمل واختصار الأسباب التي تعيق عملية التشكيل الحكومي التي طال أمدها وتتسبب في احراج موقف الرئيس نبيه بري كرأس الكتلة البرلمانية التي يفترض أن تصول وتجول وتضع النقاط فوق الحروف. كذلك فالموقف يحرج رئيس البلاد العماد ميشال عون لأن سمعة البلاد من سمعته وقدرها من قدره. وكل هذا العهد وطد أركانه كجيش وقوى أمن داخلي وأمن عام، على أساس ان انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية فاتحة خير، ومدخل الى بناء دولة توازن بين كل الطوائف، وتحترم كل المذاهب، وترعى كل التيارات التي تصب في مفهوم الديموقراطية.

ومن حق الرئيس نبيه بري وهو الشريك الدستوري أن يضع حداً لزمن التشكيلة الحكومية، ويطلق مفاعيل الاصلاح الاداري والمفهوم الدستوري، كما يضر تأجيل تأليف الحكومة بسمعته كرئيس مجلس النواب.

قصة الشيخ سليم

 

ومن الماضي المندثر يمكن استخلاص العبر، مثل الشيخ سليم الخوري شقيق رئيس الجمهورية بشارة الخوري الذي كانت مروحة تدخلاته السياسية والادارية واسعة وغير قابلة للردع وكان مشهوراً بطربوشه الطويل وسيطرته على ساحل كسروان، وكانت هذه السيطرة مصدر

متاعب حتى للذين يلوذون بنفوذ الشيخ بشارة.

والشيخ سليم الخوري كبير ولدي الشيخ بشارة كان مشهوراً بتدخله في الشأن الاداري والسياسي، لدرجة انه طلب موعداً من رئيس الوزراء عبد الحميد كرامي لا للسلام عليه وسؤال خاطره بل ليشكو إليه إدارة الأوقاف في صيدا لأنها لا تريد نزع الملكية العقارية من ذلك الرجل التركي، وكان مطلب الشيخ سليم كسر شوكة ذلك الرجل!

وكان عبد الحميد كرامي يسمع بمثل هذه القصص والروايات، لكنه لم يصل الى حد حكاية الرجل التركي. ولذلك نهض عبد الحميد أفندي من فوق كرسيه في السراي وقال للشيخ سليم:

ــ الزيارة انتهت يا شيخ سليم!

شيء من هذا القبيل، بغلاف من الذكاء يتكرر مع وزير الخارجية جبران باسيل. والرجل يحمل صفتين دستوريتين لا مجال للمناقشة فيهما. فهو يقبض على احدى الوزارات السيادية التي هي وزارة الخارجية، اطلالة لبنان على العالم، كما يترأس <التيار الوطني القوي> الذي يطالب بأحد عشر وزيراً، أي هو يختلف عما كان عليه وزير الخارجية فيليب تقلا، ووزير الخارجية شارل مالك، ولكل منهما خصائصه وفنونه في التعاطي مع دوائر الخارجية في العالم، ولكن أياً منهما كان لا يحمل بطيختين بيد واحدة، أي وزارة الخارجية وحصة التيار الوطني القوي بما فيه حصة رئيس الجمهورية التي تتمسك بوزارة الدفاع ووزارة الطاقة.

من بين هذه الحواجز السياسية يحاول الرئيس المكلف سعد الحريري بأن يجد المخرج المناسب لولادة الحكومة، وهو طوال هذا الأسبوع كان في إجازة راحة مع عائلته في أوروبا. وما دام رئيس الوزراء المكلف غائباً، فمن الطبيعي أن تغيب التشكيلة الحكومية، إلا إذا خرجت مفاجأة من قصر <الكرملين> في موسكو، أو البيت الأبيض في واشنطن، والمفاجأة هي تسليم الطرفين بقرار واحد يتعلق بالنازحين السوريين والذين عادوا الى أرضهم ليجدوها كتلة محروقة، أي إذا نشرت موسكو وواشنطن المخرج المطلوب للشمال أو الجنوب السوري، يكون لبنان هو المستفيد من تبريد الأجواء.

والمشكلة الآن في لبنان مشكلة سورية، وهناك اتجاهان للمضي الى الأمام، إما فتح باب الحوار بين بيروت ودمشق، وإما العودة الى مجلس الوزراء لطرح أحد الاحتمالين:

1ــ تنعقد سلسلة لقاءات بين وزير الخارجية جبران باسيل ووزير الخارجية السوري وليد المعلم لتسطير الصفحة الأولى من بيان مشترك.

2 ــ عندما تنفتح سيرة دمشق أمام الرئيس الحريري تجده يسارع الى القول: <أأنا العاشق الوحيد لتلقي تبعات الهوى على كتفيا>، موضوع سوريا يجب أن يدخل مجلس الوزراء الذي يملك الضوء الأخضر مخافة أن يتحول موضوع سوريا الى حالة انقسام وطني ولعب بالنار.

والآن يترتب على أمين عام اللجنة اللبنانية ــ السورية الدكتور نصري خوري أن ينشئ البناء اللازم لذلك، ويصدر مرسوم آخر بتعيين فرح بري سفيرة في دمشق، مع ترتيب كل الأجواء اللازمة لهذا الأمر.

ولكن هل أنهت القصة المشكلة؟

كل يوم يمر علينا حافل بالأحداث. ووزير الخارجية جبران باسيل متهم بلعاب يسيل باتجاه رئاسة الجمهورية سنة 2022، فهو رئيس أكبر كتلة سياسية برلمانية وصهر رئيس الجمهورية وعينه على كرسي الرئاسة ثابتة ولا تتغير، وكذلك الزعيم الشمالي سليمان فرنجية يحب أن يكون الجالس في قصر بعبدا وأيضاً الدكتور سمير جعجع. ومن يدري فقد يعود اللبنانيون الى شعر عمر الزعني القائل: <جددلو خليه يشبع>.